انتقل إلى المحتوى
→ العودة إلى المقالات
العراق والجيوبوليتيك — الجزء 1 · المقالة 1 من 21
العراق والجيوبوليتيك — أسئلة لم تُطرح بعد · · 5 دقائق قراءة

كيف بنت الدول العظمى سياساتها على الجيوبوليتيك؟ — ولماذا فشل العراق؟

الجغرافيا لا تُغيَّر، لكن الإدراك يمكن أن يتغيَّر. الدول التي فهمت هذه الحقيقة بنت إمبراطوريات. والدول التي أنكرتها دفعت الثمن جيلاً بعد جيل.

أرشيف المقالات

الجيوبوليتيك: قبل أن يكون علماً كان غريزة

لم يحتج البريطانيون إلى قراءة هالفورد ماكيندر ليعرفوا أن السيطرة على البحار تعني السيطرة على التجارة، وأن التجارة تعني القوة. فعلوا ذلك بالغريزة أولاً، ثم جاء ماكيندر بعد قرون ليضع نظرية تشرح ما فعلوه. هذا هو المفارقة الكبرى في تاريخ الجيوبوليتيك: الدول العظمى لم تقرأه، بل عاشته. والدول الضعيفة تقرأه اليوم دون أن تجرؤ على ممارسته.

الجيوبوليتيك بمعناه الأبسط هو السؤال عن كيفية تفاعل الموقع الجغرافي مع القوة السياسية. لكن في تطبيقاته الكبرى، هو أشمل من ذلك بكثير: إنه فهم أن الجغرافيا تُملي قيوداً وتفتح فرصاً، وأن العقل الاستراتيجي الناضج هو الذي يقرأ الاثنين معاً ويبني منهما سياسة.

كيف فعلتها الدول العظمى

خذ الولايات المتحدة مثالاً. موقعها المحاط بمحيطين وجارتين ضعيفتين منحها ما أسماه المنظّر الأمريكي جون ميرشايمر "أفضل جغرافيا استراتيجية في التاريخ". لكن واشنطن لم تكتفِ بهذه النعمة الطبيعية؛ بل بنت عليها مبدأ مونرو لإبعاد القوى الأوروبية عن نصف الكرة الغربي، ثم نقلت ثقلها نحو العالم بعد الحرب العالمية الثانية، وانتهت إلى هيمنة بحرية تجعلها القوة الوحيدة القادرة على إغلاق أي ممر شحن رئيسي في العالم. كل خطوة كانت انعكاساً لقراءة واضحة للجغرافيا وما تتيحه.

الجغرافيا الأمريكية جعلت منها دولة آمنة بطبيعتها، فتفرّغت لصنع العالم على صورتها. أما العراق فجغرافيته جعلته مطلوباً من الجميع، فانشغل بالبقاء بدلاً من صنع دور.

روسيا مثال مختلف ومأساوي. إمبراطورية شاسعة بلا حدود طبيعية تحميها — لا جبال راسخة ولا محيطات واسعة — فكانت كل سياساتها قيصرية وسوفيتية وبوتينية تدور حول هاجس واحد: توسيع العمق الاستراتيجي. حروبها ليست عشوائية؛ هي جميعها تعبير عن رهاب جغرافي متجذّر. من هنا جاء التوسع نحو البلطيق وأوكرانيا وآسيا الوسطى. المسافة هي السلاح الروسي الأول، ولهذا هم يحتاجون دوماً إلى مساحة أكبر بين أنفسهم وعدوهم.

الصين اليوم تُقدّم نموذجاً معاصراً للتفكير الجيوبوليتيكي طويل الأمد. مبادرة الحزام والطريق ليست مشاريع بنية تحتية اعتيادية؛ هي استراتيجية لتحويل ما تُسمّيه بكين "قلقها الجيوبوليتيكي الكبير" — الحصار البحري الأمريكي المحتمل — إلى ورقة لها هي. بناء طرق برية وموانئ بحرية بديلة عبر أفريقيا وجنوب آسيا هو في جوهره إعادة رسم خريطة الاعتماد الاقتصادي العالمي.

العراق: الجغرافيا المثالية والسياسة المعطّلة

العراق يمتلك من الموقع ما يمتلكه القلة: يجمع بين حدود مشتركة مع ست دول مؤثرة، ومنفذ بحري نحو الخليج، وموقع في قلب الشرق الأوسط كله، وثروة نفطية ضخمة، وتاريخ حضاري يمنحه عمقاً رمزياً لا يُستهان به. هذا المزيج، في أي مكان آخر من العالم، كان كفيلاً بأن يجعل الدولة التي تحتضنه قوة إقليمية لا يمكن تجاوزها.

فلماذا لم يحدث ذلك؟ الجواب المبسَّط يقول إن العراق حكمه طغاة وأفسدوه. لكن هذا الجواب يُصيب الأعراض ويتجاهل الجذر. الجذر هو أن كل الأنظمة التي حكمت العراق — ملكية أو جمهورية أو بعثية أو ما بعد ٢٠٠٣ — لم تتعامل مع الجغرافيا بوصفها رأس مال استراتيجي، بل تعاملت معها كعبء أو كمصدر للتهديد.

صدام حسين على سبيل المثال أدار الجغرافيا العراقية بمنطق الخوف لا الاستثمار. حروبه مع إيران والكويت لم تكن تعبيراً عن رؤية جيوبوليتيكية واضحة، بل كانت في أحسن الأحوال تمدداً قيصرياً بلا عمق فكري، وفي أسوأها نزوة فردية أسقطت الدولة في كوارث متتالية. لم يسأل: ماذا يريد جيرانه حقاً؟ وماذا يريد هو حقاً؟ وكيف يجعل موقعه ميزة لا عبئاً؟

الدول التي تُحسن قراءة جغرافيتها تحوّل ضعفها إلى رافعة وقوتها إلى نفوذ. العراق فعل العكس: حوّل نقاط قوته الجغرافية إلى ساحات صراع ونقاط ضعفه إلى هويات قاتلة.

الدرس الذي لم يُتعلَّم

الدول العظمى فهمت أمراً بسيطاً: الجغرافيا أداة. يمكن استخدامها للردع أو للجذب أو للتوسط أو للتجارة. لكن لا يمكن تجاهلها. كل دولة تحاول أن تتصرف كما لو كانت في جغرافيا أخرى — أو تعيش وفق أيديولوجيا تتجاهل موقعها الفعلي — ستدفع الثمن في النهاية.

العراق اليوم في مفترق: إما أن يبدأ نخبه السياسية والأكاديمية والعسكرية بالتفكير بجدية في ما يعنيه موقعه الجغرافي فعلاً، وكيف يمكن تحويله إلى مشروع وطني متكامل — أو أن يستمر في أن يكون ملعباً تُدار فيه أدوار الآخرين.

خلاصة تحليلية

الجيوبوليتيك ليس علماً للأقوياء وحدهم؛ هو في الأصل أداة للضعفاء الذين يريدون التفوق على ضعفهم. الدول العظمى استخدمته ليس لأنها كانت عظمى، بل أصبحت عظمى لأنها استخدمته. العراق لديه كل المقومات الجغرافية التي تفتقر إليها دول كثيرة اليوم أقوى منه بكثير. السؤال ليس ماذا لديه، بل من يجرؤ على قراءته بجدية وبناء دولة حقيقية على أساسه.

الاستشهاد بالمقال

علي زويد. كيف بنت الدول العظمى سياساتها على الجيوبوليتيك؟ — ولماذا فشل العراق؟. 2025-12-28. https://alizuweid.com/article.html?slug=iraq-geopolitics-p1-01

عم تبحث؟

ابحث في المحتوى المنشور على الموقع.