انتقل إلى المحتوى
→ العودة إلى المقالات
العراق والجيوبوليتيك — الجزء 1 · المقالة 2 من 21
العراق والجيوبوليتيك — أسئلة لم تُطرح بعد · · 5 دقائق قراءة

لماذا فشلت كل الأنظمة العراقية في فهم جيوبوليتيك بلدها؟

ليس مصادفة أن كل حاكم حكم العراق نظر إلى الخريطة فرأى تهديداً. المشكلة ليست في الخريطة، بل في العقل الذي يقرأها.

أرشيف المقالات

الوراثة البريطانية: دولة بلا هوية جيوبوليتيكية

عندما رسم البريطانيون حدود العراق الحديث عام ١٩٢٠، لم يكونوا يبنون دولة؛ كانوا يُؤمِّنون مصالحهم. خط الحدود الذي جمع الموصل الكردية والوسط السني والجنوب الشيعي لم يُبنَ وفق منطق التماسك الداخلي، بل وفق منطق السيطرة الاستعمارية على النفط وطرق التجارة. المملكة الهاشمية التي أُقيمت بعده وُلدت وهي تحمل في داخلها تناقضاً بنيوياً: دولة ذات حدود اصطناعية تحكم شعباً لم يختر أن يكون دولة واحدة بهذا الشكل.

هذا الإرث لم يُعالَج أبداً. كل نظام جاء بعد ذلك ورث المشكلة لكن لم يرث الأدوات الفكرية اللازمة لمعالجتها. فبدلاً من أن يسأل: كيف نحوّل هذا التنوع إلى ميزة جيوبوليتيكية؟ انشغل كل نظام بالسؤال الأسهل والأخطر: كيف نقمع هذا التنوع لضمان البقاء؟

الملكية: الفرصة الضائعة الأولى

المملكة العراقية بين ١٩٢١ و١٩٥٨ عاشت في ظل توجهها الغربي الكامل. لم تكن هذه حكماً ذاتياً حقيقياً، بل كانت إدارة بالوكالة لصالح المصالح البريطانية، ثم الأمريكية. الحلف البغدادي عام ١٩٥٥ كان ذروة هذا التوجه: انحياز كامل لمعسكر الغرب في الحرب الباردة، دون أن يمنح العراق أي هامش للمناورة، ودون أن يأخذ في الحسبان أن العراق يقع في قلب منطقة تتنافس فيها ديناميكيات متعددة لا يمكن إدارتها بالانحياز الكامل لطرف واحد.

الموقع العراقي يستدعي سياسة التوازن لا سياسة الانحياز. البريطانيون فهموا ذلك بالنسبة لأنفسهم في كثير من الأحيان، لكنهم لم يُعلّموه للحاكم العراقي الذي صنعوه.

الجمهوريات والعقيدة بدلاً من الاستراتيجية

بعد انقلاب ١٩٥٨، دخل العراق في نفق من الأنظمة الجمهورية التي كانت كل منها أكثر أيديولوجية من سابقتها. القوميون العرب، والبعثيون، ومجموعات الضباط المتنافسة — جميعهم كانوا يحكمون بعقيدة، لا بخريطة. الأيديولوجيا القومية العروبية جعلت مسألة الاندماج العربي أولوية على حساب بناء الدولة العراقية نفسها. بدلاً من أن يسأل القادة: ما الذي تحتاجه هذه الأرض وهذا الموقع من سياسة واقعية؟ كانوا يسألون: كيف نُحقق وحدة الأمة العربية الكبرى؟

كل نظام حكم العراق كان يحمل في جيبه مشروعاً أكبر من العراق — الأمة العربية، الإسلام، الثورة — وفي كل مرة كان العراق يدفع ثمن هذا الحلم الذي لا يمتّ لجغرافيته بصلة مباشرة.

صدام: عبقرية التكتيك وانعدام الاستراتيجية

يمثّل صدام حسين الحالة الأكثر إثارة للدراسة في الفشل الجيوبوليتيكي العراقي. كان تكتيكياً بارعاً يفهم كيف يستخدم الخوف والمال والعلاقات الشخصية لتوطيد السلطة. لكنه كان استراتيجياً فاشلاً على المستوى الجيوبوليتيكي بشكل يكاد يكون مذهلاً.

الحرب مع إيران ١٩٨٠: هجوم على دولة أكبر وأعمق استراتيجياً، بناءً على افتراض خاطئ بأن النظام الثوري الإيراني سينهار سريعاً. لم يحدث. ثماني سنوات من الحرب أنهكت العراق وأثقلته بديون. غزو الكويت ١٩٩٠: خطأ جيوبوليتيكي فادح آخر. إعلان عداء للقوى الخليجية وللغرب في آنٍ واحد، دون أي قراءة واقعية لموازين القوى. الثمن كان حصاراً مدمراً ثم حرباً ثانية أسقطت النظام كله.

في كل هذه القرارات، كان غائباً السؤال الجيوبوليتيكي الجوهري: ماذا يريد جيرانك وما الذي يجعلهم يتركونك تبني دولتك بسلام؟ وماذا تريد أنت فعلاً من موقعك الجغرافي؟

ما بعد ٢٠٠٣: الفراغ الاستراتيجي الكامل

النظام الذي جاء بعد الغزو الأمريكي لم يأتِ بفكر جيوبوليتيكي بديل. جاء بقوائم من المظالم التاريخية وبأجندات طائفية وإثنية تعكس رؤى الأحزاب التي حكمت لعقود من المنفى. المحاصصة الطائفية كنظام حكم هي في جوهرها إنكار تام لمفهوم الدولة ذات المصلحة الاستراتيجية الجامعة. حين تُقسَّم الوزارات والمؤسسات والثروات على أسس طائفية وإثنية، تُصبح كل مجموعة مشغولة بحماية حصتها لا ببناء رؤية وطنية.

والأخطر من ذلك أن هذا النظام جعل كل قوة خارجية — إيران، أمريكا، تركيا، السعودية — شريكة طبيعية لطرف داخلي ما، مما يعني أن الجيوبوليتيك العراقي بات يُدار من الخارج عبر وكلاء داخليين. إنه عكس الجيوبوليتيك الناضج تماماً.

خلاصة تحليلية

فشل الأنظمة العراقية في فهم جيوبوليتيك بلدها لم يكن حادثة عرضية؛ كان نتيجة حتمية لتراكم ثلاثة عوامل: أولاً، دولة وُلدت بهوية مُصطنعة دون تعريف استراتيجي ذاتي. ثانياً، أنظمة حكمت بأيديولوجيات تتجاوز الدولة أو بمصالح ضيقة تنكر الدولة. ثالثاً، غياب تام لمؤسسات التفكير الاستراتيجي المستقلة القادرة على تقديم رؤية بعيدة المدى. النتيجة: بلد بجغرافيا الإمبراطوريات يُدار بعقلية القبيلة.

الاستشهاد بالمقال

علي زويد. لماذا فشلت كل الأنظمة العراقية في فهم جيوبوليتيك بلدها؟. 2026-01-04. https://alizuweid.com/article.html?slug=iraq-geopolitics-p1-02

عم تبحث؟

ابحث في المحتوى المنشور على الموقع.