كيف يجب أن يبني العراق سياسته وفق جيوبوليتيكه الحقيقي؟
ليس كافياً أن ندرك فشل الماضي. السؤال الأهم هو: ما الذي تُملي إياه الجغرافيا العراقية على من يريد بناء دولة حقيقية؟
أولاً: قبول الجغرافيا كما هي لا كما نتمنى
الخطوة الأولى في أي تفكير جيوبوليتيكي ناضج هي الشجاعة على النظر إلى الخريطة بعيون مفتوحة ومحايدة. العراق يحدّه من الشرق إيران — قوة إقليمية كبرى لديها عمق استراتيجي ومشروع توسعي واضح. من الشمال تركيا — الدولة الأقوى عسكرياً في المنطقة ولديها مصالح مائية وأمنية في العراق. من الغرب سوريا والأردن والسعودية. من الجنوب الكويت والمنفذ البحري الضيّق. هذا التحيّط الجغرافي يعني أن سياسة "العداء مع الجميع" مستحيلة، وأن سياسة "الانحياز الكامل لطرف واحد" مُدمِّرة بالضرورة.
الجغرافيا تُملي على العراق سياسة التوازن المتعدد لا الانحياز الأحادي. هذا ليس ضعفاً ولا تذبذباً؛ هو واقعية استراتيجية. بلجيكا اختارت الحياد لأن جغرافيتها بين القوى الكبرى جعلت الحياد أذكى الخيارات. سويسرا حولت حيادها إلى صناعة. النمسا بعد الحرب الثانية بنت هويتها على التوسط. هذه نماذج لا للنسخ، بل للإلهام.
ثانياً: تحويل التقاطع إلى ميزة تجارية
العراق يقع في قلب المنطقة التي يمر عبرها معظم النفط والغاز الخليجي نحو الأسواق العالمية، ويقع على خط التواصل بين آسيا والبحر المتوسط. هذا الموقع، بدلاً من أن يكون مصدر تهديد، يمكن أن يكون أساس اقتصاد تجاري ضخم. دولة العبور ليست دولة ضعيفة؛ هي دولة تمتلك ورقة الضغط الصامتة. سنغافورة تفعل ذلك في آسيا. هولندا كانت تفعله في أوروبا. الإمارات اليوم تبني نموذجها كله على هذا المبدأ.
لكن دولة العبور تحتاج إلى بنية تحتية ضخمة، وقوانين تجارية حديثة، وسيادة قانون تجعلها موثوقة أمام شركاء دوليين. وكل هذا لا يأتي بدون استقرار سياسي لا يمكن بلوغه إلا بحل المعضلة الجيوبوليتيكية الداخلية أولاً: كيف تجعل التنوع العراقي طاقة لا ضغطاً؟
العراق لا يحتاج إلى أن يختار بين إيران وأمريكا. يحتاج إلى أن يُصبح البلد الذي لا تستطيع لا إيران ولا أمريكا الاستغناء عنه.
ثالثاً: المياه كسلاح استراتيجي مُهمَل
يتحدث الجميع عن نفط العراق، لكن قلة يُدركون أن مستقبل الصراع الاستراتيجي في المنطقة سيكون عن الماء، لا النفط. دجلة والفرات ينبعان من تركيا ويخترقان العراق قبل أن يصلا الخليج. تركيا تبني سداً بعد سد على روافد هذين النهرين، وهي تتحكم بكميات المياه الوافدة إلى العراق بشكل متزايد. وإيران من جهتها تُحوّل مجاري الروافد الشرقية وتستنزف المياه الجوفية المشتركة.
سياسة جيوبوليتيكية ناضجة تقرأ هذه الأزمة وتضعها في صدارة أولوياتها. العراق يحتاج إلى استراتيجية مائية متكاملة — ليس فقط للزراعة الداخلية، بل كورقة تفاوض مع الجوار. من يملك إدارة الماء في بلد جاف يملك مستقبله.
رابعاً: إعادة تعريف التهديد والشراكة
العقل الجيوبوليتيكي الناضج لا يرى العدو الدائم ولا الصديق الأبدي؛ يرى المصالح المتقاطعة والمتعارضة. العراق يحتاج إلى إعادة تعريف علاقاته الإقليمية بعيداً عن الرواية العاطفية ونحو الحسابات الواقعية. إيران ليست عدواً أبدياً ولا حليفاً مثالياً — هي جارة كبرى ذات مصالح يمكن التفاوض معها. تركيا كذلك. دول الخليج أيضاً. بناء مصالح مشتركة مع كل هذه الأطراف بالتوازي، ورفض أن يكون العراق ساحة لصراعاتهم، هذا هو جوهر السياسة الجيوبوليتيكية العراقية التي لم تُبنَ بعد.
خلاصة تحليلية
بناء سياسة عراقية وفق الجيوبوليتيك الحقيقي يتطلب أربعة تحولات: من الانحياز إلى التوازن، ومن الريع النفطي إلى اقتصاد الموقع، ومن إهمال الماء إلى تحويله أداة استراتيجية، ومن رؤية الجوار تهديداً إلى إدارته بمنطق المصالح المتبادلة. هذه ليست أفكاراً طوباوية؛ هذا ما يفعله الآخرون بالضبط. السؤال هو: متى يُقرر العراق أن يفعله هو أيضاً؟
الاستشهاد بالمقال
علي زويد. كيف يجب أن يبني العراق سياسته وفق جيوبوليتيكه الحقيقي؟. 2026-01-11. https://alizuweid.com/article.html?slug=iraq-geopolitics-p1-03
