الغاز والممرات والطاقة: لماذا لا يُترك العراق وشأنه؟
كل مرة تظن فيها أن العراق يعيش أزمة داخلية بحتة، انظر أين يقع على خارطة الطاقة العالمية. ستفهم حينها لماذا لم تنتهِ الأزمة.
النفط: النعمة التي جلبت اللعنة
يمتلك العراق ما يزيد على ١٤٥ مليار برميل من الاحتياطيات النفطية المؤكدة، مما يجعله في المرتبة الخامسة عالمياً. هذا الرقم وحده يكفي لتفسير سبب عدم ترك العراق وشأنه. النفط في السياسة الدولية ليس مجرد مورد اقتصادي؛ هو مصدر الطاقة التي تتحرك بها الاقتصادات الكبرى، والمادة الخام التي تستند إليها صناعات بأكملها، والمتغير الذي يُحدد أسعار السلع في كل أنحاء العالم.
حين ترتفع أسعار النفط، يزيد دخل العراق لكنه يزيد أيضاً الجذب الخارجي نحوه. وحين تنخفض الأسعار، يضعف العراق داخلياً لكن التنافس على التأثير في قراراته الإنتاجية لا يتوقف. هذه معادلة مستحيلة للبلد الذي لا يملك أدوات الاستقلالية الاستراتيجية.
الغاز: الجبهة القادمة
أقل شهرةً من نفطه، لكن ربما أكثر أهمية لمستقبل الصراع على العراق: الغاز الطبيعي. يحرق العراق كميات ضخمة من الغاز المصاحب للنفط يومياً — الشعلات التي ترى ضوءها من الفضاء — بدلاً من استثماره. هذا وحده يكلفه مليارات الدولارات سنوياً. لكن الأهم أن العراق يمتلك احتياطيات غاز هائلة لم تُستثمر بعد، وهي تقع في وسط شبكة من الأنابيب المتنافسة والمشاريع الإقليمية المتقاطعة.
المنافسة بين إيران وقطر وأذربيجان والدول المنتجة الأخرى على أسواق الغاز الأوروبية جعلت من الغاز العراقي ورقة ذات ثقل متزايد. أوروبا التي تبحث عن بديل للغاز الروسي منذ الحرب الأوكرانية تنظر باهتمام نحو الخليج والعراق. كل خط أنابيب جديد مُقترح يمر أو يتجاوز العراق يحمل معه حسابات جيوبوليتيكية معقدة.
حين يتحدث السياسيون عن مستقبل العراق، يتحدثون عن الديمقراطية والإصلاح. حين يتحدث الاستراتيجيون عنه، يتحدثون عن النفط والغاز والممرات. الاثنان يصفان بلداً واحداً لكنهما لا يعيشان في نفس الواقع.
الممرات: العراق في قلب شبكة الجيوبوليتيك الإقليمي
ما يجعل العراق أكثر من مجرد دولة نفطية هو موقعه في قلب ممرات التجارة والنقل الإقليمية. البرّي منها: العراق يربط تركيا بدول الخليج، وإيران بالبحر المتوسط، والمشرق العربي بإيران. البحري منها: منفذه على الخليج من خلال ميناء أم قصر هو نقطة اتصال محورية، وإن كانت ضيقة بشكل لافت مقارنة بالدول المجاورة.
مشروع "طريق التنمية" الذي تتبناه الحكومة العراقية الحالية يُجسّد هذا البُعد. الخط يربط ميناءً جديداً في الفاو بالحدود التركية، مروراً بكل العراق. إذا نُفِّذ بكفاءة، فهو يحوّل العراق من ممر ضمني إلى عقدة لوجستية صريحة في شبكة التجارة بين آسيا وأوروبا. وهذا بالتحديد ما يجعل كل قوى المنطقة ترقبه بعيون حسّاسة: الاستقرار العراقي الحقيقي يعني نقل جزء من النفوذ اللوجستي إليه، وهذا ليس مرحَّباً به من الجميع.
الطاقة كسلاح في الصراع الإيراني–الأمريكي
العراق يستورد حالياً كميات كبيرة من الكهرباء والغاز من إيران. هذه الورقة بيد طهران تُمثّل نفوذاً مباشراً: في كل مرة تتصاعد العقوبات الأمريكية على إيران، يجد العراق نفسه في مواجهة معضلة مستعصية: إما يخضع للعقوبات ويعاني انقطاع الكهرباء ومحطات الطاقة، وإما يواصل الاستيراد ويخاطر بالاصطدام مع واشنطن.
هذه ليست أزمة تقنية؛ هي أزمة جيوبوليتيكية صارخة. ووجودها يكشف أن العراق لم يُبنَ له حتى الآن قطاع طاقة مستقل قادر على تخفيف هذه الهشاشة الاستراتيجية.
خلاصة تحليلية
العراق لن يُترك وشأنه لأنه يجلس فوق ثروة طاقة هائلة في موقع استراتيجي لا يمكن لأي قوة عالمية تجاهله. هذه ليست لعنة قدرية؛ هي واقع يمكن إدارته بذكاء أو يمكن أن يُدمِّر الدولة إن تُركت لتكون ملعباً لغيرها. الفرق بين الاثنين يكمن في وجود سياسة طاقة وطنية متكاملة تجعل من موارد العراق أداة للنفوذ لا ثغرة للاختراق.
الاستشهاد بالمقال
علي زويد. الغاز والممرات والطاقة: لماذا لا يُترك العراق وشأنه؟. 2026-01-18. https://alizuweid.com/article.html?slug=iraq-geopolitics-p1-04
