طريق التنمية: فرصة تاريخية أم فخ جيوبوليتيكي؟
كل مشروع كبير يحمل في طيّاته مشروعاً آخر مخفياً. السؤال عن طريق التنمية ليس مجرد سؤال اقتصادي؛ هو سؤال عن من يريد العراق قوياً ومن لا يريد.
ما هو طريق التنمية؟
طريق التنمية هو مشروع عراقي ضخم يهدف إلى بناء شبكة من الطرق السريعة وخطوط السكك الحديدية التي تربط ميناء الفاو الكبير جنوباً بالحدود التركية شمالاً، مروراً بالعمق العراقي. المشروع، إن اكتمل، يُحوّل العراق إلى ممر برّي ضخم بين الخليج العربي وأوروبا عبر تركيا. وهذا يعني أن البضائع الآسيوية يمكنها الوصول إلى الأسواق الأوروبية باستخدام العراق طريقاً برياً بديلاً لقناة السويس أو الطريق البحري حول أفريقيا.
الأرقام المتداولة تتحدث عن تكلفة إجمالية تتراوح بين ١٧ و٢٠ مليار دولار، وعائدات محتملة تُقدَّر بمليارات الدولارات سنوياً من رسوم العبور، إضافة إلى مئات الآلاف من فرص العمل. إذا كانت هذه الأرقام دقيقة، فالمشروع يُجسّد انتقالاً حقيقياً من الاقتصاد الريعي النفطي إلى اقتصاد الخدمات والموقع.
لماذا هو فرصة تاريخية؟
للمرة الأولى في تاريخه الحديث، يمتلك العراق مشروعاً وطنياً كبيراً قائماً على موقعه الجغرافي لا على ثرواته الباطنية. هذه نقطة تحوّل فكرية مهمة: الانتقال من منطق "نبيع ما تحت الأرض" إلى منطق "نستثمر ما فوق الأرض". الدول التي بنت قوتها على الموقع — سنغافورة، هولندا، الإمارات — أثبتت أن هذا النوع من الاقتصاد أكثر استدامة وأقل عرضة لتقلبات أسعار السلع.
علاوة على ذلك، المشروع يستدعي بطبيعته تحسيناً في منظومة الحوكمة والأمن والبنية المؤسسية. لا يمكن لشركات دولية كبرى أن تشغّل خطوط نقل ضخمة في بلد تسوده الفوضى. وهذا يخلق حوافز داخلية وضغوطاً خارجية نحو الإصلاح.
طريق التنمية ليس مجرد سكة حديد وطريق سريع. هو سؤال وجودي: هل يريد العراق أن يكون دولة وظيفية؟ لأن المشروع لا يُكتمَل إلا إذا كانت الدولة وظيفية.
لماذا هو فخ جيوبوليتيكي محتمل؟
المشروع تربطه علاقة محورية بتركيا، التي هي الطرف الشمالي للخط. وهذا يعني أن العلاقة مع أنقرة تصبح شرطاً وجودياً لنجاح المشروع. تركيا دولة ذكية تعرف كيف تحوّل هذا النوع من الاعتماد المتبادل إلى نفوذ. ما الضمانة أن العراق لن يجد نفسه أمام تركيا لا تختلف في طبيعة علاقتها عن إيران التي يحاول تقليص اعتماده عليها في الطاقة؟
كذلك، المشروع يتقاطع مع مبادرة الحزام والطريق الصينية ومع مبادرة الممر الاقتصادي الهندي–الأوروبي التي أعلنتها مجموعة العشرين عام ٢٠٢٣ والتي تمر عبر الخليج والأردن وإسرائيل بدلاً من العراق. بمعنى آخر، ثمة مشاريع منافسة تحاول إقصاء العراق عن الخريطة اللوجستية. النجاح في هذا السباق يتطلب كفاءة مؤسسية عالية لا يمتلكها العراق حالياً.
الأمن: العائق الأكبر
الخط يمر عبر مناطق ذات حساسية أمنية معقدة: مناطق نزاع قبلي في الجنوب، ومناطق نشاط فصائل مسلحة في الوسط، وبيئة كردية معقدة سياسياً في الشمال. أي مسار من هذه المسارات التي يأخذها الطريق يعني ضمنياً قرارات سياسية وأمنية وتوزيعاً للثروات. وهذا يفتح الباب أمام صراعات داخلية على "من يمر من أراضيه" قد تُفشل المشروع قبل اكتماله.
خلاصة تحليلية
طريق التنمية هو بالفعل فرصة تاريخية. لكنه لن يتحول تلقائياً إلى نجاح ما لم تُحسم ثلاث معضلات: أولاً، بناء مؤسسات عراقية قادرة على إدارة مشروع بهذا الحجم دون فساد مدمر. ثانياً، تحقيق الاستقرار الأمني الكافي على المسار كله. ثالثاً، إدارة العلاقة مع تركيا وإيران وغيرهم بذكاء جيوبوليتيكي يضمن ألا يتحول الطريق إلى أداة ضغط بيد أحد على العراق. إن تحقق هذا، تحوّل العراق. وإن لم يتحقق، كان المشروع محطة استثمار فاشلة أخرى في تاريخ طويل من المشاريع الكبيرة التي لم تُكتمل.
الاستشهاد بالمقال
علي زويد. طريق التنمية: فرصة تاريخية أم فخ جيوبوليتيكي؟. 2026-01-25. https://alizuweid.com/article.html?slug=iraq-geopolitics-p1-05
