لماذا يُضرَب العراق كلما تصاعد الصراع الأمريكي–الإيراني؟
حين تتشاجر القوى الكبرى، يدفع الصغير الثمن. لكن العراق ليس صغيراً بطبيعته — بل أُريد له أن يظل صغيراً.
الساحة ووظيفتها
في نظرية الصراع الدولي، ثمة تمييز دقيق بين الدول الأطراف في الصراع والساحات التي يُدار فيها. الولايات المتحدة وإيران دولتان متنافستان على النفوذ في الشرق الأوسط منذ ١٩٧٩. لكن هذا الصراع نادراً ما اتخذ شكل مواجهة مباشرة؛ بدلاً من ذلك، وجد طريقه إلى سوريا ولبنان واليمن والعراق. العراق من بين هذه الساحات الأكثر إثارة للاهتمام لأنه البلد الذي تمتلك فيه إيران نفوذاً مباشراً، وفيه أيضاً تمتلك أمريكا وجوداً عسكرياً وقواعد، ويُنتج نفطاً يرتبط بالمصالح العالمية لكلتيهما.
حين تتصاعد التوترات الأمريكية–الإيرانية، تبحث كلتا القوتين عن طرق لإيصال رسائل بدون تصعيد مكلف مباشر. العراق يُقدّم ساحة مثالية لهذه الرسائل: يمكن لإيران ضرب قواعد أمريكية في العراق عبر الفصائل الموالية لها. ويمكن لأمريكا اغتيال قيادات إيرانية على الأرض العراقية — كما حدث مع قاسم سليماني. النتيجة: العراق يتلقى كلتا الضربتين.
اغتيال سليماني جرى على أرض عراقية دون إذن عراقي. والرد الإيراني جاء بضرب قواعد عراقية. في كلتا الحالتين، لم يسأل أحد العراق: هل توافق؟ لأن الجميع يعرف أن العراق لا يقول لا.
آلية الاستهداف
كيف تحديداً يُضرب العراق في كل تصعيد؟ الآلية متعددة المستويات. أولاً: ضرب البنية التحتية من خلال الضغط على الحكومة العراقية عبر آليات العقوبات والتهديد الاقتصادي الغير مباشر، حيث تُضطر بغداد إلى الاختيار بين علاقتها مع واشنطن أو استمرار التجارة مع طهران. ثانياً: العمليات المسلحة التي تستهدف القوات الأمريكية في العراق من قبل الفصائل الموالية لإيران تدفع العراق إلى موقف محرج: إما يتخذ موقفاً من هذه الفصائل ويواجه ضغطاً إيرانياً، وإما يصمت ويواجه ضغطاً أمريكياً. ثالثاً: الصراع يُؤجج الانقسامات الداخلية العراقية، إذ تُعبّأ قوى سياسية عراقية لدعم أحد الطرفين وقوى أخرى لدعم الآخر، فيتحول الصراع الخارجي إلى حرب بالوكالة داخلية.
لماذا لا يتوقف العراق عن لعب هذا الدور؟
السؤال الأصعب هو: لماذا يقبل العراق بأن يكون ساحة للصراع بدلاً من أن يرفض هذا الدور؟ الجواب متعدد الأوجه. أولاً، الضعف المؤسسي يجعل الحكومة العراقية عاجزة عن فرض سيادتها حتى لو أرادت ذلك — الفصائل الموالية لإيران لا تخضع فعلياً للسلطة المركزية. ثانياً، غياب استراتيجية وطنية محددة يُفقد الحكومة الحجة والشرعية اللازمتين لقول "لا" لأطراف أقوى منها. ثالثاً، الارتباط الاقتصادي العميق مع إيران في الطاقة والتجارة يجعل أي محاولة للاستقلالية مكلفة على المدى القصير.
هل ثمة طريق للخروج؟
نعم، لكنه يستدعي إرادة سياسية غير مسبوقة. الخروج من دور الساحة يتطلب عراقاً يمتلك استقلالاً في قطاع الطاقة يُخفّف اعتماده على إيران، ومؤسسة أمنية وطنية قادرة على ضبط العمل المسلح غير الرسمي، وسياسة خارجية مستقلة تُعلن صراحةً أن الأراضي العراقية لن تكون ساحة لصراعات الغير. الفارق بين هذا وبين الوضع الحالي هو فارق بين دولة ذات سيادة فعلية ودولة ذات سيادة اسمية. العراق حتى الآن في الفئة الثانية.
خلاصة تحليلية
العراق يُضرب في كل صراع أمريكي–إيراني لأن كلا الطرفين يعلم أنه يمكن الضرب عليه دون أن يُدفع الثمن الكامل. هذا المعطى لن يتغير ما لم يُبنَ عراق يمتلك قدرة الردع أو يمتلك ثمنا للاستهداف يجعل الحسابات تتغير. بناء هذا العراق هو التحدي الأصعب في تاريخه المعاصر، لكنه ليس مستحيلاً — فقط لم يُجرَّب بعد بجدية حقيقية.
الاستشهاد بالمقال
علي زويد. لماذا يُضرَب العراق كلما تصاعد الصراع الأمريكي–الإيراني؟. 2026-02-01. https://alizuweid.com/article.html?slug=iraq-geopolitics-p1-06
