انتقل إلى المحتوى
→ العودة إلى المقالات
العراق والجيوبوليتيك — الجزء 1 · المقالة 7 من 21
العراق والجيوبوليتيك — أسئلة لم تُطرح بعد · · 5 دقائق قراءة

هل العراق ساحة صراع أم دولة ترفض أن تلعب دورها الجيوبوليتيكي؟

بين أن تكون ضحية وبين أن تكون مُتقاعساً، مسافة أخلاقية واستراتيجية كبيرة. والعراق يقع في مكان ما بينهما — لم يحدد بعد من يريد أن يكون.

أرشيف المقالات

حجة الضحية: وهي حقيقية جزئياً

من الإنصاف أن نبدأ بالاعتراف: العراق تعرّض لتدخلات خارجية حقيقية ومدمرة. الغزو الأمريكي عام ٢٠٠٣ أسقط الدولة وفكّك مؤسساتها. التدخل الإيراني عبر الفصائل المسلحة أعاق بناء الدولة المركزية. التدخل التركي في الشمال يضرب البنية التحتية المائية. التدخل الخليجي عبر تمويل تيارات سياسية معينة يُشوّه الحياة السياسية. كل هذا حقيقي ولا يمكن إنكاره.

لكن حجة الضحية تصبح إشكالية حين تتحول إلى خطاب يُعفي المسؤولين العراقيين أنفسهم من أي مسؤولية. الضحية الحقيقية هي التي تتعلم من ما جرى لها وتعمل لمنع تكراره. العراق — في كثير من فصوله السياسية — بدا وكأنه يتبنى خطاب الضحية ليُضفي شرعية على الجمود السياسي لا لاستخدامه حافزاً للتغيير.

حجة التقاعس: وهي أيضاً حقيقية

الدول التي حكمت العراق منذ ٢٠٠٣ لم تُبنَ كلٌّ منها على فكرة العراق كدولة ذات مشروع وطني موحّد. بُنيت كل منها على فكرة "حصتنا من الدولة". الأحزاب الكردية تريد العراق اتحادياً يُعظّم استقلاليتها. الأحزاب الشيعية الكبرى تريد عراقاً يضمن هيمنتها على موارد الدولة. القوى السنية تريد عراقاً يوقف تهميشها. وكل هذه المطالب مشروعة بذاتها، لكن لا أحد حتى الآن صاغ رؤية عراقية جامعة تجمع هذه المطالب في مشروع سياسي قادر على مواجهة الخارج من موقع قوة.

لا يمكنك أن تطالب الخارج باحترام سيادتك وأنت تدعو الخارج لتمويل أحزابك ودعم فصائلك وحماية مناطقك. التناقض هنا ليس دبلوماسياً فحسب — هو تناقض في مفهوم الدولة ذاتها.

الدور الجيوبوليتيكي الممكن

العراق كدولة توسط إقليمي هو دور ممكن جيوبوليتيكياً. وله سوابق ناجحة: النمسا بعد الحرب الثانية. سويسرا في تاريخها الطويل. قطر في نموذجها المعاصر — رغم محدوديتها — التي جعلت من وساطتها في النزاعات الإقليمية مصدراً للحماية والنفوذ. العراق يمكنه فعل ذلك بمقياس أكبر بكثير إذا امتلك الإرادة السياسية والكفاءة المؤسسية.

دور الوسيط بين إيران والخليج مثلاً — وهو دور جرت تجارب محدودة وخجولة عليه — يمكن أن يكون سياسة راسخة تحوّل العراق إلى لاعب أساسي لا ساحة. لكن هذا يتطلب حكومة عراقية لا تكون هي نفسها منقسمة على نفسها بين موالٍ لطهران وموالٍ لواشنطن وموالٍ للرياض.

المعضلة البنيوية

في جوهرها، المعضلة هي هذه: العراق لا يستطيع أن يلعب دوراً جيوبوليتيكياً موحداً طالما أن مكوّناته السياسية الرئيسية تلعب أدواراً جيوبوليتيكية مختلفة ومتعارضة في آنٍ واحد. إذا كانت فصيلة مسلحة عراقية تتلقى أوامرها من طهران، وحزب عراقي آخر يتلقى دعمه من الخليج، وطرف ثالث يُحكم علاقته مع واشنطن، فإن "السياسة الخارجية العراقية" ليست سياسة بالمعنى الحقيقي — هي مجموع سياسات خارجية متناقضة يؤديها وكلاء داخليون.

الحل ليس القمع أو الإقصاء — هذا ما جرّبه الماضي وفشل. الحل هو بناء عقد سياسي داخلي — حتى لو كان صعباً ومؤلماً — يُحدد ما الذي يريده العراق من موقعه الجغرافي: دولة توسط وتجارة ونفوذ ناعم، أم ساحة مفتوحة تدفع ثمنها الشعب العراقي وحده.

خلاصة تحليلية

العراق في الوقت ذاته ضحية ومتقاعس — وهذا أصعب من أن يكون أحدهما فقط. ضحية تدخلات خارجية حقيقية، ومتقاعس عن بناء الوحدة الداخلية اللازمة لمقاومة هذه التدخلات. الطريق من الساحة إلى الدولة الفاعلة لا يمر عبر الشكوى من الخارج، بل عبر إصلاح الداخل حتى يصبح الخارج غير قادر على الاختراق. وهذا هو الاختبار الحقيقي الذي يقف أمامه العراق اليوم.

سلسلة مقالات تحليلية — العراق والجيوبوليتيك

الجزء الأول: المقالات ١–٧ من أصل ٢١ · يتبع الجزء الثاني

الاستشهاد بالمقال

علي زويد. هل العراق ساحة صراع أم دولة ترفض أن تلعب دورها الجيوبوليتيكي؟. 2026-02-08. https://alizuweid.com/article.html?slug=iraq-geopolitics-p1-07

عم تبحث؟

ابحث في المحتوى المنشور على الموقع.