انتقل إلى المحتوى
→ العودة إلى المقالات
العراق والجيوبوليتيك — الجزء 2 · المقالة 8 من 21
العراق والجيوبوليتيك — الهوية والحوكمة والمجتمع · · 5 دقائق قراءة

لماذا لم يصبح العراق دولة توازن رغم أن موقعه مثالي لذلك؟

أن تكون في وسط القوى الكبرى يمنحك فرصة نادرة: أن تكون ضرورياً للجميع. العراق لم يستغل هذه الفرصة — فلماذا؟

أرشيف المقالات

ما الذي تعنيه دولة التوازن؟

دولة التوازن ليست دولة ضعيفة تتأرجح بين الأقوياء خوفاً، بل هي دولة تستخدم موقعها الجغرافي وعلاقاتها المتشعبة لتُشكّل نوعاً من المناعة الاستراتيجية: كل طرف يحتاجها، ولا أحد يستطيع إقصاءها من المشهد دون ثمن مرتفع. النموذج الأكثر اكتمالاً على ذلك في التاريخ الحديث هو النمسا بعد عام ١٩٥٥، حين أعلنت حيادها الرسمي وانسحب منها السوفييت والغربيون معاً، لأن أيّاً من الطرفين لم يكن يريد الآخر يضمّها. تحوّل هذا الحياد إلى هوية وطنية راسخة ودور دبلوماسي فعّال استمر عقوداً.

العراق يمتلك من المقومات ما يفوق ما كانت تملكه النمسا بأضعاف: موقع في قلب الشرق الأوسط كله، حدود مع ست دول، احتياطيات نفطية وغازية ضخمة، وتاريخ حضاري يمنحه رمزية ثقافية لا يستهان بها. فلماذا لم يصبح دولة توازن؟

العقبة الأولى: الهوية المُشتتة

دولة التوازن تحتاج أولاً إلى هوية وطنية متماسكة تُمكّن قيادتها من التحدث باسم الجميع في مواجهة الخارج. حين يُحاور المفاوض النمساوي المحتلين الأربعة عام ١٩٥٥، هو يمثّل دولة تجمع خلفه. حين يُحاور المفاوض العراقي أي طرف خارجي، فإن كل طرف خارجي يعرف مسبقاً أن ثمة فصيلاً عراقياً آخر سيتحدث معه بالضد من هذا المفاوض. وهذا الانقسام هو الذي يُجرّد العراق من قوته التفاوضية ويجعل دبلوماسيته تبدو هشّة حتى حين تكون مخلصة.

التوازن الخارجي يبدأ من التوازن الداخلي. دولة منقسمة على نفسها لا تستطيع أن تُقدّم نفسها بوجه واحد للعالم، وما لا يُقدَّم بوجه واحد لا يُحترم.

العقبة الثانية: غياب مؤسسات التفكير الاستراتيجي

دولة التوازن لا تُصنع بالارتجال ولا بالحدس. تُصنع بتراكم سنوات من البحث الاستراتيجي، ومراكز تفكير مستقلة، وكفاءات دبلوماسية مُدرَّبة على الإدارة طويلة الأمد للعلاقات الدولية المعقدة. العراق يفتقر إلى هذا البناء المؤسسي بصورة لافتة. وزارة خارجيته تعمل في الغالب برد الفعل لا بالمبادرة، ومراكز بحثه الاستراتيجية — إن وُجدت — ليست في موقع التأثير الحقيقي على صانع القرار.

النمسا عام ١٩٥٥ كان لها كارل رينر وجوليوس راب — دبلوماسيون ومفكرون استراتيجيون بنوا نظرية الحياد وتفاوضوا عليها بمهارة فائقة على مدى سنوات. العراق لا يملك اليوم مؤسسةً تُنتج هذا النوع من الفكر الاستراتيجي المتكامل.

العقبة الثالثة: التدخل يسبق الاستقلالية

كل مرة حاولت فيها حكومة عراقية بناء خطاب استقلالي متوازن، وجدت نفسها أمام ضغوط خارجية تُسرّع قراراتها. العقوبات الاقتصادية، والاشتراطات المالية، والتهديدات الأمنية — جميعها تُعيد العراق إلى مربع الاختيار القسري بين طرفين، وتجعل التوازن ترفاً لا يمكن تحمّله على المدى القصير حتى لو كان عقلانياً على المدى البعيد.

الحكومة العراقية التي تريد التوازن بين واشنطن وطهران تجد نفسها فوراً أمام ضغطين متزامنين: إيران تُذكّرها بالكهرباء والغاز، وأمريكا تُذكّرها بالنظام المصرفي الدولي والعقوبات. والتوازن في هذا السياق يحتاج إلى احتياطيات اقتصادية وأمنية لا تمتلكها بغداد حالياً.

هل ثمة أمل؟

دولة التوازن ليست حلماً مستحيلاً للعراق، لكنها مسار طويل يبدأ بإصلاح داخلي عميق قبل أن ينعكس على السياسة الخارجية. الإمارات مثال مثير: دولة صغيرة نسبياً بُنيت على الانفتاح الاقتصادي وتوازن العلاقات الدبلوماسية، وأصبحت اليوم عقدة نفوذ إقليمية لا يمكن تجاهلها. العراق يملك من الثقل الطبيعي — ديموغرافياً وجغرافياً واقتصادياً — ما يفوق الإمارات كثيراً. ما ينقصه هو بالضبط ما بنته أبوظبي: مؤسسات، وكفاءات، ورؤية.

خلاصة تحليلية

لم يصبح العراق دولة توازن لثلاثة أسباب متشابكة: الهوية الداخلية المُشتتة التي تمنع بناء موقف خارجي موحد، وغياب مؤسسات التفكير الاستراتيجي القادرة على بناء سياسة بعيدة المدى، والضغوط الخارجية المتزامنة التي تُعيد العراق دوماً إلى ثنائيات قسرية. العلاج يبدأ من الداخل: هوية وطنية أكثر تماسكاً هي الأساس الذي يقف عليه أي دور خارجي ناضج.

الاستشهاد بالمقال

علي زويد. لماذا لم يصبح العراق دولة توازن رغم أن موقعه مثالي لذلك؟. 2026-02-15. https://alizuweid.com/article.html?slug=iraq-geopolitics-p2-08

عم تبحث؟

ابحث في المحتوى المنشور على الموقع.