لماذا يكره العراقي الدولة لكنه يطالبها بكل شيء؟
هذا التناقض ليس نفاقاً ولا جهلاً — هو أثر نفسي واجتماعي لعلاقة مكسورة بين المواطن والدولة، ولها جذور تاريخية عميقة.
الكره والحاجة: تناقض ظاهر وليس حقيقياً
حين يقول العراقي "الدولة فاشلة ولا تساوي شيئاً"، ثم يطالب في الجملة التالية بأن تُوفّر له وظيفة وكهرباء ودواءً وحمايةً وتعليماً — فهذا لا يعني أنه غير عقلاني. يعني ذلك أنه يعيش علاقة عاطفية وعملية مُعقّدة مع مؤسسة خذلته مراراً لكنه لا يملك بديلاً عنها. الدولة في التجربة العراقية ليست جهازاً يقدّم خدمات مقابل ضرائب وفق عقد اجتماعي ليبرالي واضح — هي تاريخياً كانت أداة قمع وتوزيع محاباة. لكنها في الوقت ذاته المورد الأكبر للوظائف والخدمات وحل النزاعات.
هذه المعادلة تُنتج مواطناً يعيش في حالة من الازدواجية المعرفية: يحتقر الدولة كمؤسسة لأنها لم تحترمه كمواطن، لكنه يُبقيها المرجع الأخير لأن بنى الثقة الاجتماعية خارج الدولة — النقابات المستقلة، مجتمعات الأعمال، المجتمع المدني الفاعل — هي أيضاً ضعيفة أو مُسيّسة.
جذر تاريخي: الدولة كأداة لا كميثاق
الدولة في العراق الحديث لم تتطوّر عبر تراكم عقد اجتماعي كما حدث في أوروبا الغربية، حيث مرّت المجتمعات بتجارب طويلة من المفاوضة بين المواطن والسلطة أنتجت في النهاية مفهوماً للدولة كخادم للمصلحة العامة. في العراق، الدولة جاءت أولاً كأداة استعمارية، ثم كأداة لتوطيد سلطة النخب، ثم كأداة للإيديولوجيا القومية، ثم كأداة للقمع الصريح في عهد البعث. المواطن العراقي لم يعش تجربة تاريخية تُقنعه فعلاً بأن الدولة وُجدت له هو.
العراقي لا يكره الدولة المجردة — يكره التجربة التاريخية مع كل الدول التي حكمته. وحين يطالبها بكل شيء، فهو في الحقيقة يُعبّر عن حق مُهضوم أكثر مما يُعبّر عن مطلب.
الريع النفطي وتشويه العقد الاجتماعي
بعد الطفرة النفطية السبعينيّة، تحوّل العقد الاجتماعي العراقي — وفي كثير من دول الخليج أيضاً — إلى صيغة غريبة: الدولة تمنح ولا تطلب. الضرائب معدومة عملياً، والوظائف الحكومية مفتوحة، والدعم على الوقود والكهرباء والغذاء واسع. وفي المقابل، لا يُطلب من المواطن أن يُشارك ديمقراطياً أو يُراقب أو يُحاسب. هذه المعادلة أنتجت مواطناً يرى في الدولة مصدراً للعطاء المستحق لا شريكاً في مشروع جماعي.
حين تتآكل هذه العطايا — كما حدث في فترات انخفاض النفط أو بعد الحروب — يشعر المواطن بخيانة عميقة. ليس لأنه توقّع الكثير، بل لأن العقد الضمني الذي عاش وفقه كان يقول: "أنتم تحكمون وأنا أصمت، مقابل أن تؤمّنوا لي حياة كريمة." حين تُخلّ الدولة بجانبها، يبقى المواطن وقد أخلّ بجانبه أيضاً لكن لم يحصل على المقابل.
ما الخروج من هذه الحلقة؟
الخروج يبدأ من إعادة بناء العقد الاجتماعي على أساس المواطنة الحقيقية لا الريع. ضرائب حقيقية تُنشئ إحساساً بالمِلكية والمسؤولية. مؤسسات ديمقراطية فعلية تمنح المواطن أدوات المحاسبة. تعليم يبني هوية مواطنة لا هوية طائفية أو قبلية. هذا مسار طويل وصعب، لكنه المسار الوحيد الذي يُحوّل العلاقة بين العراقي ودولته من علاقة حبّ/كره المريضة إلى شراكة ناضجة.
خلاصة تحليلية
يكره العراقي الدولة ويطالبها في آنٍ واحد لأن تجربته التاريخية مع الدولة علّمته أنها أداة قمع وأداة إعالة في الوقت نفسه — ولم تكن يوماً شريكاً حقيقياً. ما يبدو تناقضاً هو في الحقيقة استجابة عقلانية لعقد اجتماعي مكسور. إصلاح هذا العقد — لا إصلاح الميزانية وحدها — هو التحدي الحقيقي أمام أي حكومة عراقية جادة.
الاستشهاد بالمقال
علي زويد. لماذا يكره العراقي الدولة لكنه يطالبها بكل شيء؟. 2026-02-22. https://alizuweid.com/article.html?slug=iraq-geopolitics-p2-09
