انتقل إلى المحتوى
→ العودة إلى المقالات
العراق والجيوبوليتيك — الجزء 2 · المقالة 10 من 21
العراق والجيوبوليتيك — الهوية والحوكمة والمجتمع · · 5 دقائق قراءة

لماذا كل ثورة في العراق تبدأ عظيمة وتنتهي بلا نتيجة؟

ثورة أكتوبر ٢٠١٩ أسقطت رئيس الوزراء. وانتهت بنظام أقوى مما كان. هذا ليس قدراً عراقياً — هو آلية يمكن فهمها ومن ثَمّ تجاوزها.

أرشيف المقالات

النمط المتكرر عبر التاريخ

عام ١٩٥٨ قامت ثورة أسقطت الملكية وفتحت باب التحرر والتطلع. عام ١٩٦٣ جاء انقلاب البعث ليُجهض الثورة. عام ١٩٧٩ وصل صدام إلى القمة بعد سلسلة من الإطاحات الداخلية. كل مرحلة بدأت بوعد التغيير وانتهت بتوطيد سلطة جديدة أو استعادة السلطة القديمة بشكل مختلف. ثورة تشرين ٢٠١٩ هي الحلقة الأحدث في هذا النمط المؤلم: ملايين من الشباب في الشوارع، مطالب واضحة بدولة مدنية وإنهاء الفساد والمحاصصة، وقمع دموي، ثم انتخابات أفرزت نظاماً مشابهاً لما سبقه.

لفهم لماذا يحدث هذا تكراراً، يجب أن نفرّق بين مستويين من التغيير: التغيير في القمة (تغيير الوجوه والحكومات) والتغيير في البنية (تغيير قواعد اللعبة نفسها). الثورات العراقية دائماً تُنتج الأول وتفشل في الثاني.

لماذا تُخطف الثورات؟

الثورة الشعبية حين لا تمتلك تنظيماً سياسياً وبرنامجاً واضحاً وقيادة موثوقة، تترك فراغاً يملأه من يمتلك هذه الأدوات — وهو في الغالب النظام القائم أو القوى المنظمة المرتبطة به. تشرين ٢٠١٩ كانت انتفاضة أفقية بلا قيادة عمداً — وهذا كان قوتها الأخلاقية وضعفها السياسي في آنٍ واحد. القوة: لم يُمكن اختزالها بشخص أو حزب. الضعف: لم تستطع ترجمة غضبها الشرعي إلى برنامج سياسي قابل للتنفيذ.

الثورة التي لا تعرف ماذا تريد بعد إسقاط ما تكره، تنتهي دائماً بمنح السلطة لمن يعرف ماذا يريد — وهو في الغالب من خرج من الثورة الأولى مُطاحاً به.

البنية التحتية للفشل

ثمة عوامل بنيوية تُعيق نجاح أي تغيير حقيقي في العراق. أولها: الاقتصاد الريعي الذي يجعل النخبة السياسية قادرة على شراء الولاءات وإعادة تشكيل التحالفات بسرعة أكبر مما يستطيع الشارع المحافظة على زخمه. ثانيها: قوة الفصائل المسلحة خارج سلطة الدولة، التي تجعل أي تحوّل سياسي مُعلَناً قابلاً للتعطيل بالتهديد أو العنف. ثالثها: التدخل الخارجي الذي يُسرع في استيعاب أي مسار تغيير ويُعيده إلى خدمة أجندات إقليمية قبل أن تتجذّر المطالب الداخلية.

هل التغيير ممكن إذن؟

التغيير ممكن لكنه يحتاج إلى استراتيجية مختلفة. الثورة الشارعية وحدها لم تنجح في تغيير بنية النظام في أي سياق يشبه العراق. ما نجح تاريخياً في بيئات مشابهة هو مسار مزدوج: ضغط شعبي مستدام يحافظ على الزخم بدون أن ينتظر انتصاراً سريعاً، مقروناً ببناء مؤسسات مدنية وأحزاب سياسية حقيقية ومؤسسات إعلام مستقل تُراكم القوة على المدى المتوسط. تشرين الحقيقية لم تنته عام ٢٠١٩ — بل هي تختمر في الأجيال التي شاركت فيها وتبحث عن أشكال تنظيم أكثر استدامة.

خلاصة تحليلية

الثورات العراقية تبدأ عظيمة وتنتهي بلا نتيجة لأنها تتوقف عند تغيير الوجوه ولا تصل إلى تغيير قواعد اللعبة. وقواعد اللعبة لا تتغير بالانتفاضة وحدها — تتغير بتراكم مؤسسي صبور وطويل الأمد. الزخم الأخلاقي الذي ولّدته تشرين هو رأسمال حقيقي لم يُهدر كلياً؛ لكنه يحتاج إلى قنوات تنظيمية تحوّله من احتجاج إلى سلطة.

الاستشهاد بالمقال

علي زويد. لماذا كل ثورة في العراق تبدأ عظيمة وتنتهي بلا نتيجة؟. 2026-03-01. https://alizuweid.com/article.html?slug=iraq-geopolitics-p2-10

عم تبحث؟

ابحث في المحتوى المنشور على الموقع.