انتقل إلى المحتوى
→ العودة إلى المقالات
العراق والجيوبوليتيك — الجزء 2 · المقالة 11 من 21
العراق والجيوبوليتيك — الهوية والحوكمة والمجتمع · · 5 دقائق قراءة

لماذا لا يثق العراقي ببعضه لكنه يثق بالغريب؟

هذا السؤال يُحرج ويُزعج، لكنه من أكثر الأسئلة أهمية في فهم لماذا لا تُبنى الدول حتى لو توفرت لها كل الموارد.

أرشيف المقالات

الثقة كرأسمال اجتماعي

الثقة في علم الاجتماع السياسي مفهوم يُسمّى "رأس المال الاجتماعي" — وهو تماماً كرأس المال المادي: يمكن تراكمه ويمكن استنزافه، وغيابه يُعطّل كل شيء. الدول التي تتمتع بمستوى عالٍ من الثقة الاجتماعية — الدنمارك، هولندا، اليابان — تُبني فيها المؤسسات بسهولة نسبياً لأن الناس يمتثلون للقواعد طوعاً، ويتعاونون في المشاريع الجماعية، ويقبلون المحاسبة. الدول المنخفضة الثقة — ومنها دول عربية كثيرة — تعاني من تكاليف مرتفعة في بناء المؤسسات لأن كل خطوة تحتاج إلى ضمانات إضافية وعقود مفصّلة ورقابة مُضاعفة.

العراق يقع في منطقة الثقة المنخفضة داخلياً، لكن مع استثناء لافت: الثقة بـ"الغريب" — سواء كان مستشاراً دولياً أو شركة أجنبية أو حتى عراقياً من المنفى — أحياناً تكون أعلى من الثقة بالمواطن العراقي المحلي. لماذا؟

الإجابة في التاريخ

الإجابة تسكن في التاريخ الاجتماعي العراقي. عقود من الحكم التسلطي جعلت التعاون بين المواطنين مصدر خطر لا أمان: المُخبر كان موجوداً في كل محلة، والتضامن خارج الخلية الأمنية المعتمدة كان مشبوهاً. هذا الإرث علّم أجيالاً بأن من تعرفه يمكن أن يضرّك أكثر مما يمكن للغريب. الغريب لا يُخبر عنك ولا ينافسك على حصتك في نفس الدائرة الاجتماعية المحلية.

في المجتمعات التي يُحوّل فيها الحكم الاستبدادي الجيران إلى مُخبرين والأصدقاء إلى منافسين، تنكمش الثقة نحو الداخل: العائلة أولاً، ثم العشيرة، ثم الطائفة. وما وراء ذلك صحراء من الغرباء — وهم في بعض الأحيان أكثر أماناً.

المحاصصة كآلية تعويض عن غياب الثقة

المحاصصة الطائفية والإثنية التي يُقاوم كثيرون الحديث عنها بصراحة هي في جوهرها آلية عقلانية لإدارة غياب الثقة. حين لا تثق بالمؤسسة المحايدة لتوزيع الموارد، تُحوّل توزيعها إلى نظام حصص يضمن حصتك من خلال هويتك الجمعية. هذا الحل يُحلّ مشكلة قصيرة الأمد — يمنعك من الاستبعاد الكامل — لكنه يُكرّس المشكلة البنيوية ويجعل بناء مؤسسات موضوعية مستحيلاً.

مسار إعادة بناء الثقة

إعادة بناء الثقة الاجتماعية لا تحدث بخطاب ولا بإصلاح قانوني وحده. تحدث بتجارب نجاح متراكمة: مرافق عامة تعمل بكفاءة فتُثبت أن الدولة يمكن الوثوق بها، وعقود مُنجزة على الموعد تُثبت أن الشريك التجاري يمكن الاعتماد عليه، وانتخابات نزيهة تُثبت أن صوتك يُحدث فارقاً. كل تجربة نجاح صغيرة تُرسّب قدراً من الثقة، وكل فشل مؤسسي — كانقطاع الكهرباء وغياب الخدمات — يستنزف منها. العراق في الحقيقة في حرب استنزاف رأس المال الاجتماعي منذ عقود، والأمل الوحيد هو عكس هذا الاتجاه بانتصارات مؤسسية حقيقية ومرئية.

خلاصة تحليلية

انخفاض الثقة الداخلية في العراق ليس عيباً شخصياً في العراقيين — هو استجابة عقلانية لتاريخ مؤسسي يُعاقب على الثقة خارج الدوائر الضيقة. ومفارقة الثقة بالغريب هي ببساطة أن الغريب لا ينافسك على حصة في نفس الدائرة المحلية المُختنقة. الحل ليس في توعية المواطن، بل في بناء تجارب نجاح مؤسسي تُعطيه حافزاً للثقة من الداخل.

الاستشهاد بالمقال

علي زويد. لماذا لا يثق العراقي ببعضه لكنه يثق بالغريب؟. 2026-03-08. https://alizuweid.com/article.html?slug=iraq-geopolitics-p2-11

عم تبحث؟

ابحث في المحتوى المنشور على الموقع.