انتقل إلى المحتوى
→ العودة إلى المقالات
العراق والجيوبوليتيك — الجزء 2 · المقالة 13 من 21
العراق والجيوبوليتيك — الهوية والحوكمة والمجتمع · · 5 دقائق قراءة

لماذا لا تنجح أي حكومة عراقية مهما حسنت نيتها؟

النية وحدها لا تحكم — المؤسسات تحكم. وحين تكون المؤسسات مصمَّمة للفشل، فإن أكثر الناس نزاهةً يفشلون حين يجلسون على رأسها.

أرشيف المقالات

الفخ البنيوي لرئيس الوزراء العراقي

يمكن أن نتخيّل تجربة فكرية: رجل نزيه ذو كفاءة عالية يصل إلى رئاسة الحكومة العراقية. ما الذي يجده أمامه؟ وزارات موزّعة على ثلاثة أحزاب على الأقل، كل منها يُعيّن مديريه وعقوده وفق ولائه لا وفق المصلحة العامة. جهاز بيروقراطي ورث سلوكيات عقود من تعلّم فيها أن الكفاءة لا تُكافأ. قوات أمنية متعددة بعضها يخضع لسلاسل قيادة موازية للدولة. موازنة تعتمد ٩٠٪ على النفط مما يجعل كل خطة تنموية رهينة بسعر النفط العالمي. وفوق هذا كله، ساعة عمر تبدأ العدّ التنازلي من اليوم الأول لأن التحالفات التي أوصلته ستبدأ مطالبتها فوراً.

في هذه البيئة، حتى الشخص النزيه يُصبح أسير الممكن لا فاعل المثالي. وحدود الممكن في العراق ضيّقة جداً.

مشكلة التفويض

في الدولة المؤسسية الناجحة، يُفوّض رئيس الحكومة قراراته للوزراء، والوزراء للمديرين العامين، والمديرون للموظفين. هذا التفويض يعمل لأن كل مستوى ملتزم بقواعد محددة وخاضع للمحاسبة. في العراق، سلسلة التفويض هذه مكسورة عند كل مفصل. رئيس الوزراء لا يثق بالوزراء لأنهم من تعيين أحزاب أخرى. الوزراء لا يثقون بمديريهم الذين وُجدوا قبلهم. والموظف يعرف أن ولاءه لشبكته أكثر أمناً من ولائه للقانون. النتيجة: القرارات تعلق في القمة لأن لا أحد يجرؤ على تطبيقها دون ضمانات سياسية.

رئيس الوزراء العراقي يحكم ولا يحكم في الوقت نفسه. يُصدر قراراً ويعرف أن تطبيقه مشروط بموافقة ضمنية من قوى لا تخضع لسلطته الرسمية. هذا ليس حكماً — هذا تفاوض مستمر داخل مؤسسات لا تشتغل بالمنطق المؤسسي.

النظام الانتخابي كعائق

النظام الانتخابي العراقي القائم على التمثيل النسبي مع الدوائر الكبيرة يُنتج برلمانات مُجزَّأة تستدعي ائتلافات حكومية عريضة. الائتلاف العريض معناه أن رئيس الوزراء يقود فريقاً لا يتفق على كثير، ومعناه أن أي قرار إصلاحي يحتاج توافقاً من أطراف لديها مصلحة مباشرة في عدم الإصلاح. هذا ما يُفسّر لماذا تُعلَن برامج الإصلاح في بداية كل حكومة ثم تتلاشى تدريجياً حتى تختفي في منتصف ولايتها.

الضغط الخارجي والداخلي المزدوج

الحكومة العراقية لا تعمل في فراغ: هي تحت ضغط أمريكي مستمر في ملفات الأمن والاقتصاد، وتحت ضغط إيراني في ملفات السياسة الإقليمية والفصائل، وتحت ضغط خليجي وتركي في ملفات أخرى. وفي الداخل تحت ضغط الشارع المطالب بالخدمات وضغط النخب السياسية المحمية بمظلة طائفية أو إثنية. إدارة كل هذه الضغوط في وقت واحد تستهلك معظم الطاقة السياسية للحكومة قبل أن تبدأ أي تفكير استراتيجي.

خلاصة تحليلية

الحكومات العراقية لا تفشل لأن قادتها سيئون بالضرورة، بل لأنها تعمل وسط شبكة من القيود البنيوية التي تجعل النجاح الحقيقي شبه مستحيل: مؤسسات بيروقراطية مكسورة، وائتلافات حكومية متعارضة الأهداف، وضغوط خارجية وداخلية متزامنة، وسلطة مُجزّأة بين جهات تفوق صلاحية رئيس الوزراء. الإصلاح يبدأ إذن ليس من استبدال الأشخاص، بل من إعادة تصميم هذا الهيكل نفسه.

الاستشهاد بالمقال

علي زويد. لماذا لا تنجح أي حكومة عراقية مهما حسنت نيتها؟. 2026-03-22. https://alizuweid.com/article.html?slug=iraq-geopolitics-p2-13

عم تبحث؟

ابحث في المحتوى المنشور على الموقع.