لماذا يتحول كل حدث أخلاقي خارجي إلى حرب داخلية عراقية؟
غزة تُفجّر انقساماً عراقياً. كاريكاتير في أوروبا يُشعل شوارع بغداد. انتخابات أمريكية تُعيد تشكيل التحالفات العراقية. لماذا الداخل العراقي هشّ إلى هذا الحد أمام الصدمات الخارجية؟
المجتمع بلا حصانة ثقافية
الحصانة الثقافية في المجتمعات المتماسكة تأتي من وجود هوية وطنية مشتركة قوية تُشكّل المرجع الأول حين تقع الأحداث الخارجية. حين يحدث حدث مثير جدلاً، يُصفّيه المواطن الياباني أو الفرنسي أولاً عبر مرجعيته الوطنية قبل أن يُصفّيه عبر مرجعيته الدينية أو الإثنية. في العراق، الهوية الوطنية المشتركة لا تزال هشّة، مما يعني أن المواطن يستقبل الأحداث الخارجية عبر مرجعيته الطائفية أو الأيديولوجية مباشرةً.
والنتيجة المنطقية لذلك: أي حدث يمسّ تلك المرجعيات — حرب في غزة تمسّ الانتماء الديني، أو تصريح أوروبي يُعدّ إهانة للإسلام، أو قرار أمريكي يُفسَّر باعتباره تحدياً لطرف إقليمي — يتحوّل فوراً إلى صراع هوية داخلي.
الفصائل كمكبّرات صوت خارجية
ثمة عامل مُضخِّم إضافي: الفصائل السياسية والمسلحة التي لها ارتباطات بأطراف إقليمية تجد في الأحداث الخارجية فرصة للتحشيد الداخلي. حين تتصاعد الأزمة في غزة، يبادر كل طرف سياسي عراقي إلى تحديد موقفه ليس بالضرورة وفق مصلحة العراق، بل وفق ما يُعزّز ارتباطاته الأيديولوجية ويُضعف خصومه الداخليين. بهذا تتحول أزمة خارجية إلى أداة لإعادة رسم خريطة التحالفات الداخلية.
في السياسة العراقية، الأحداث الخارجية نادراً ما تُحلَّل على أساس "ما مصلحة العراق هنا". تُحلَّل فوراً على أساس "من سيستفيد منها داخلياً". وهذا يحوّل كل أزمة دولية إلى فرصة للاستثمار الطائفي.
الإعلام وتضخيم الانقسام
المشهد الإعلامي العراقي يعكس الانقسام السياسي بشكل مباشر: معظم القنوات الكبرى مرتبطة ارتباطاً عضوياً بأحزاب أو تيارات بعينها. وهي لا تُرسّخ الهوية الوطنية المشتركة بل تُقدّم كل حدث عبر عدسة طائفية أو أيديولوجية. هذا يعني أن المشاهد العراقي المعتدل في الغالب يتعرّض لتفسيرات مُستقطبة لأي حدث — محلياً أو دولياً — مما يُعمّق الانقسام ويُصعّب تشكيل رأي وطني موحّد.
هل هناك مخرج؟
المخرج يمرّ حتماً عبر بناء هوية وطنية عراقية أكثر رسوخاً تُقدّم مرجعية مشتركة في مواجهة الأحداث الخارجية. هذه الهوية لا تُفرض بالقانون ولا تُبنى في جيل واحد — لكنها تبدأ بتعليم يُعلي المرجعية الوطنية المشتركة، وإعلام يعكس التنوع العراقي دون تحريض، وزعامات سياسية تُقدّم العراق كمحور أول ولا تستثمر في الهويات الفرعية للتنافس الداخلي. كل هذا ممكن لكنه يحتاج إرادة سياسية وصبراً مؤسسياً لا يتعلّق بدورة انتخابية واحدة.
خلاصة تحليلية
تحوّل الأحداث الخارجية إلى حروب داخلية عراقية هو عَرَض مباشر لضعف الهوية الوطنية الجامعة وقوة المرجعيات الهوياتية الفرعية. ما يُضخّمه هو وجود فصائل سياسية ومسلحة تجد في كل أزمة خارجية فرصة للتحشيد الداخلي، وإعلام مُحزَّب يُغذّي الانقسام. المعالجة الحقيقية هي مشروع هوية وطنية طويل الأمد، لا أداة خطابية بل مؤسسة تعليمية وإعلامية وسياسية تبني مرجعية مشتركة تستوعب الأحداث الخارجية دون أن تُحوّلها إلى حرب.
سلسلة مقالات تحليلية — العراق والجيوبوليتيك
الجزء الثاني: المقالات ٨–١٤ من أصل ٢١ · يتبع الجزء الثالث والأخير
الاستشهاد بالمقال
علي زويد. لماذا يتحول كل حدث أخلاقي خارجي إلى حرب داخلية عراقية؟. 2026-03-29. https://alizuweid.com/article.html?slug=iraq-geopolitics-p2-14
