انتقل إلى المحتوى
→ العودة إلى المقالات
العراق والجيوبوليتيك — الجزء 3 · المقالة 15 من 21
العراق والجيوبوليتيك — الحضارة والهوية والمصير · · 5 دقائق قراءة

هل العراقي محافظ أم منفتح؟ — ولماذا السؤال خطأ أصلاً؟

كل من زار العراق رأى التناقضَين في اليوم الواحد. شاب يرتدي الجينز ويستمع إلى الراب، وفي المساء يحضر مجلس عزاء ويُقدّم نفسه بهويته القبلية. هذا ليس نفاقاً ولا تناقضاً — هو تعقيد حقيقي يستحق سؤالاً أكثر دقة.

أرشيف المقالات

الخطأ في الثنائية نفسها

السؤال "محافظ أم منفتح؟" يفترض أن الهويات الثقافية تسير على خط مستقيم بين قطبين متضادين. لكن علم الاجتماع الثقافي الحديث يُخبرنا أن هذه الثنائية نموذج غربي نشأ في سياق تاريخي خاص بالتحديث الأوروبي، حيث كان التحديث يعني فعلياً التخلي التدريجي عن البنى التقليدية. تطبيق هذا النموذج على مجتمعات كالعراق يُنتج توصيفات خاطئة لأنها تحاول وصف واقع معقد بأداة مُصمَّمة لواقع مختلف.

العراقي لا يختار كل صباح بين أن يكون "تقليدياً" أو "حداثياً" — هو يعيش في بيئة تتشابك فيها طبقات ثقافية متعددة المصادر والأزمنة، ويتعامل مع كل منها بحسب السياق. والقدرة على هذا التشابك ليست نقيصة بل هي في كثير من الأحيان مهارة تكيّف عالية.

الطبقات الثقافية في الشخصية العراقية

إذا أردنا فهماً أكثر دقة، يمكن القول إن الشخصية الثقافية العراقية تحمل طبقات متراكمة في آنٍ واحد. طبقة حضارية قديمة موروثة من تقاليد بلاد الرافدين تجعل في الذاكرة الجمعية نزوعاً نحو المدينة والعلم والتجارة. وطبقة إسلامية عميقة الجذور تمنح إطاراً أخلاقياً للحياة اليومية. وطبقة قبلية عشائرية تُنظّم العلاقات الاجتماعية وتحدد الانتماءات والواجبات. وطبقة حديثة جاءت مع التعليم والتحضّر والانفتاح الإعلامي في القرن العشرين وما بعده.

هذه الطبقات الأربع لا تلغي بعضها. يمكن لعراقي واحد أن يكون مُقيَّداً بقواعد عشيرته، ومنفتحاً فكرياً في عمله، ومُلتزماً دينياً في حياته الخاصة، ومتشوّقاً لتجارب ثقافية عالمية في أوقات فراغه. ليس هذا تناقضاً — هو تعدديّة داخلية مُعاشة تُعبّر عن عمق الطبقات التي يحملها هذا المجتمع.

المجتمعات التي عاشت تحولات متسارعة ومتعاقبة لا تصير محافظة أو منفتحة — تصير مُعقَّدة. والعراق الذي مرّ بكل شيء من إمبراطوريات وثورات وحروب وغزو واحتلال، هو من أكثر المجتمعات تعقيداً في العالم. وهذا ليس عيباً يُشخَّص، بل واقع يُفهَم.

لماذا يهمّنا هذا سياسياً؟

هذا السؤال ليس ترفاً أكاديمياً. له تأثير مباشر على السياسة العامة. حين يُقرر صانع قرار عراقي أن "المجتمع محافظ" فيُقيّد الحريات العامة، أو حين يُقرر أنه "منفتح" فيفرض إصلاحات تتجاهل البنى الاجتماعية القائمة — في الحالتين هو يتصرف وفق تشخيص خاطئ، والتشخيص الخاطئ ينتج سياسات خاطئة بالضرورة.

الفهم الأدق يقول إن العراقي يمكنه احتمال الانفتاح الاقتصادي والمعرفي بل يطلبه، لكنه يرفض الانفتاح الثقافي الذي يُقدَّم كإلغاء لهويته وليس كإضافة إليها. والفرق بين الأمرين دقيق لكنه جوهري، وفهمه هو مفتاح أي سياسة اجتماعية ناجحة في بيئة بهذا التعقيد.

خلاصة تحليلية

السؤال عن كون العراقي محافظاً أم منفتحاً خطأ منهجي قبل أن يكون خطأ في التشخيص، لأنه يستخدم ثنائية غير مناسبة لوصف مجتمع يعيش تعددية ثقافية داخلية حقيقية. الأدق أن نقول إن العراقي يحمل طبقات ثقافية متعددة يُفعّل كل منها في سياقه، وأن هذه القدرة على التكيّف — رغم تكاليفها الاجتماعية — هي جزء من صمود هذا المجتمع عبر تاريخه الطويل المضطرب.

الاستشهاد بالمقال

علي زويد. هل العراقي محافظ أم منفتح؟ — ولماذا السؤال خطأ أصلاً؟. 2026-04-05. https://alizuweid.com/article.html?slug=iraq-geopolitics-p3-15

عم تبحث؟

ابحث في المحتوى المنشور على الموقع.