انتقل إلى المحتوى
→ العودة إلى المقالات
العراق والجيوبوليتيك — الجزء 3 · المقالة 16 من 21
العراق والجيوبوليتيك — الحضارة والهوية والمصير · · 5 دقائق قراءة

لماذا ينجح العراقي فرداً ويفشل جماعة؟

الأطباء العراقيون في المهجر يُقيمون مستشفيات. والمهندسون العراقيون في الخارج يبنون مشاريع. والأدباء العراقيون في المنفى يكتبون روايات عالمية. ثم يعود بعضهم إلى العراق فيصطدم بالوحل. ما الذي يتغير؟

أرشيف المقالات

الفرد الكفء في بيئة مُعطِّلة

الظاهرة التي يصفها السؤال موثّقة وملحوظة: العراقي يُبدع حين يعمل في سياق مؤسسي وظيفي، ويعاني حين يعمل في السياق المؤسسي المحلي. هذا لا يُثبت أن المشكلة في العراقي بوصفه فرداً — يُثبت أن البيئة المؤسسية هي المتغير الحاسم لا الشخص ذاته.

الطبيب العراقي في ديترويت ينجح لأنه يعمل داخل منظومة تُكافئ الكفاءة وتُحاسب على الأخطاء وتمنحه وضوحاً في المهام والتسلسل الهرمي. حين يعود إلى العراق لا يفقد مهارته الطبية — لكنه يجد نفسه داخل منظومة تُكافئ المحسوبية وتُعاقب الصراحة وتبني التسلسل على الولاء لا الكفاءة. الفرد الكفء يُعطي ما يستطيع، لكنه لا يستطيع تجاوز البيئة بمفرده.

مشكلة الجماعة: غياب العمل المؤسسي

الجماعة — بمعنى العمل الجماعي المنظَّم — تحتاج إلى ثقة متبادلة وقواعد واضحة وحوافز مشتركة ومحاسبة على الإخلال. هذه العناصر الأربعة هي ما يُحوّل مجموعة من الأفراد إلى مؤسسة فاعلة. الثقة الاجتماعية في العراق منخفضة تاريخياً، والمحاسبة شبه معدومة، والحوافز مُوجَّهة نحو الولاء لا الكفاءة. إذن ليس العراقي من يفشل جماعةً — هي البيئة التي تُفشل الجماعة وتُبقي الفرد.

حين نقول إن العراقي ينجح فرداً ويفشل جماعة، نصف نتيجة لا سبباً. السبب هو أن البيئة المؤسسية العراقية مُصمَّمة — بقصد أو بغير قصد — لتجزئة الطاقة الإنسانية لا لتجميعها.

هجرة الكفاءات كعَرَض لا كحل

يُرى في الهجرة أحياناً نوع من "الحل الشخصي" للعراقي الكفء، وهي بالفعل حل فردي ناجح في أغلب الأحيان. لكنها كارثة جماعية: كل طبيب وكل مهندس وكل مبدع يهاجر يحمل معه رأس مال بشري تكوّن بموارد عراقية — أُسرة ومدرسة ومجتمع — ثم يُصبح عائداً للمستقبِل لا للوطن. يُقدَّر عدد العراقيين في الخارج بأكثر من خمسة ملايين شخص من بينهم نسبة عالية من حملة الشهادات العليا والكفاءات المتخصصة. هذا النزيف هو عَرَض للبيئة المُعطِّلة وتعميق لها في الوقت ذاته: كلما هاجر المبدعون ضعفت البيئة أكثر، وكلما ضعفت البيئة ازدادت الهجرة.

ما الذي يكسر هذه الحلقة؟

ما يكسر الحلقة ليس نداءات وطنية للعودة، بل إصلاح البيئة نفسها. حين تُكافئ المؤسسة الكفاءة وتُحاسب الإهمال وتُشيع الشفافية، يعود قسم كبير من المغتربين طوعاً — لأن دافع الهجرة الأصلي لم يكن عدم الانتماء بل غياب الفرصة. الإمارات مثّلت هذا المنطق بوضوح: لم تنادِ على أبنائها في الخارج، بل أصلحت بيئتها حتى صارت تجذب كفاءات من كل مكان.

خلاصة تحليلية

نجاح العراقي فرداً وفشله جماعة ليسا خاصية ثقافية جوهرية — هما نتيجة حتمية لبيئة مؤسسية تُكافئ الذكاء الفردي في التكيف والبقاء، لكنها تُعطّل التعاون الجماعي الذي يحتاج ثقة وحوافز مشتركة وقواعد واضحة. إصلاح البيئة المؤسسية هو الطريق الوحيد لتحويل مجموع الكفاءات الفردية العراقية إلى قوة جماعية قادرة على بناء دولة.

الاستشهاد بالمقال

علي زويد. لماذا ينجح العراقي فرداً ويفشل جماعة؟. 2026-04-12. https://alizuweid.com/article.html?slug=iraq-geopolitics-p3-16

عم تبحث؟

ابحث في المحتوى المنشور على الموقع.