انتقل إلى المحتوى
→ العودة إلى المقالات
العراق والجيوبوليتيك — الجزء 3 · المقالة 19 من 21
العراق والجيوبوليتيك — الحضارة والهوية والمصير · · 5 دقائق قراءة

لماذا لم يختفِ العراق رغم كل ما مرّ به؟

حروب داخلية وخارجية، وغزوات وحصار وتدمير ممنهج وتقسيم وانهيار اقتصادي — مرّ بالعراق ما كان كفيلاً بإنهاء دول كثيرة. لكنه لا يزال هناك. لماذا؟

أرشيف المقالات

ما الذي يعني "الاختفاء"؟

لنكن دقيقين في السؤال: الدول تختفي بأشكال مختلفة. يمكن أن تختفي جغرافياً بالتقسيم — كما حدث ليوغوسلافيا وتشيكوسلوفاكيا. أو ثقافياً بذوبان الهوية في هوية غالبة. أو وظيفياً بتحوّلها إلى دولة فاشلة كاملة لا تؤدي أي وظيفة أساسية. العراق واجه التهديدات الثلاثة وصمد بدرجات مختلفة: التقسيم الجغرافي ظلّ خطراً لم يتحقق رغم محاولات كثيرة. والهوية العراقية — رغم هشاشتها — حافظت على شيء مشترك. والدولة — رغم ضعفها — لم تنهار انهياراً كاملاً حتى في أحلك لحظاتها.

الجغرافيا كرادع ضد التقسيم

أحد أسباب عدم اختفاء العراق هو أن تقسيمه الجغرافي سيكون ضاراً لكل الأطراف المعنية. الجزء الشمالي الكردي لا منفذ له للبحر ومحاط بدول معادية لاستقلاله. والجزء الجنوبي لديه النفط والمنفذ البحري لكنه يفتقر للعمق الديموغرافي والزراعي. والجزء الأوسط يحتضن العاصمة والبنية الإدارية لكنه يعاني من ضعف الموارد المباشرة. هذا التكامل الجغرافي القسري — لا الاختياري — يجعل الانفصال أكثر كلفة من الوحدة المضطربة.

العراق لم يبقَ متماسكاً لأن أبناءه أحبوا بعضهم دائماً — بل لأن جغرافيته جعلت التفكك أكثر ألماً من التعايش المريح. وحين يكون الخيار بين الوحدة المؤلمة والانفصال المُدمِّر، كثير من المجتمعات تختار الأول بدافع البقاء لا بدافع المحبة.

المجتمع غير الرسمي كشبكة صمود

حين تغيب الدولة أو تضعف، تحتضن الناس شبكة اجتماعية غير رسمية وتُبقيهم في مكانهم: العائلة الممتدة، والعشيرة، والمسجد، والكنيسة، والمحلة. هذه البنى — رغم أنها كثيراً ما تُعيق بناء الدولة الحديثة بسبب ولاءاتها الضيقة — هي أيضاً ما يجعل الناس يصمدون حين تنهار الدولة. في أشد فترات العنف الطائفي بين ٢٠٠٦ و٢٠٠٨، وفي أيام الحصار الاقتصادي، وفي ظل داعش — الشبكات الاجتماعية غير الرسمية كانت شبكة الأمان الأخيرة. وهذا هو التناقض المرّ: ما يُضعف الدولة هو أيضاً ما يُبقي المجتمع حياً.

الذاكرة الحضارية كرافعة هوية

في اللحظات الأشد قتامة — في ذروة العنف الطائفي أو في أثناء داعش — ظهرت دوماً أصوات عراقية تتذكر ما كان هذا البلد. أصوات تتحدث عن بغداد عاصمة الخلافة وعن المتنبي والرصافي وجواد سليم وعقيلة فريد. ليست هذه نوستالجيا فارغة — هي ذاكرة هوية تُقاوم الاندثار لأن لها عمقاً حضارياً حقيقياً. والمجتمعات التي تمتلك مثل هذا العمق تصمد في الأزمات أطول مما تصمد المجتمعات الحديثة التي لا ماضٍ يشدّها حين يسقط حاضرها.

خلاصة تحليلية

العراق لم يختفِ لأن ثلاثة عوامل تحمله: جغرافيا تجعل التقسيم أكثر كلفة من التعايش، وشبكات اجتماعية غير رسمية تُبقي الناس متماسكين حين تغيب الدولة، وذاكرة حضارية عميقة تُقاوم الاندثار في أشد اللحظات ظلاماً. هذه ليست ضمانة للمستقبل — لكنها تفسير للماضي، وفهمها يجب أن يُشكّل أساس أي رؤية سياسية جادة تريد بناء عراق أفضل.

الاستشهاد بالمقال

علي زويد. لماذا لم يختفِ العراق رغم كل ما مرّ به؟. 2026-05-03. https://alizuweid.com/article.html?slug=iraq-geopolitics-p3-19

عم تبحث؟

ابحث في المحتوى المنشور على الموقع.