لماذا لم يُصنِّر العراق نفسه مثل الصين أو أمريكا؟
بناء الرواية الوطنية عن النفس — ما يُسمى القوة الناعمة — هو صناعة حقيقية قبل أن يكون خطاباً. الصين تفعلها وأمريكا تتقنها وتركيا تعلّمتها. فلماذا لم يفعلها العراق رغم أنه يملك المادة الخام الأغنى؟
ما الذي يعنيه التصنير بالمعنى الحقيقي؟
التصنير — مصطلح اشتُقّ من "الصين" كنموذج — يعني تحويل الهوية والتاريخ والثقافة والمنجز الوطني إلى أدوات نفوذ في السياسة الدولية. الصين تصدّر روايتها الحضارية عبر معاهد كونفوشيوس وصناعة الأفلام وعروض الدراما التاريخية بميزانيات ضخمة. وأمريكا تفعل ذلك منذ عقود عبر هوليوود والجامعات ومراكز الأبحاث وموسيقاها وأسلوب حياتها المُصدَّر إعلامياً. وتركيا في العقد الأخير حوّلت مسلسلاتها التلفزيونية إلى أداة نفوذ ناعم وصلت إلى مئات الملايين في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وأفريقيا.
العراق يمتلك أغنى مادة خام للقوة الناعمة في المنطقة: ست آلاف سنة من الحضارة، وأول قوانين مكتوبة في التاريخ، وأول كتابة، وتراث شعري وموسيقي وطهي وفني استثنائي، وعلماء ومبدعون في كل تخصص تقريباً. لكنه لم يُحوّل شيئاً من هذا إلى قوة ناعمة منظّمة وفاعلة.
لماذا لم يحدث ذلك؟
السبب الأول هو غياب الدولة المستقرة. القوة الناعمة تحتاج إلى مؤسسات دائمة وإرادة سياسية طويلة الأمد. الصين بنت استراتيجية القوة الناعمة على مدى عقود، وأمريكا استثمرت فيها منذ الحرب الباردة. أما العراق فلم يُنتج حكومة واحدة استمرت في نفس الاتجاه السياسي لأكثر من أربع سنوات دون أن تتحوّل أولوياتها بالكامل بسبب أزمة داخلية أو خارجية طارئة.
والسبب الثاني هو هشاشة الهوية الوطنية. القوة الناعمة تُبنى على رواية وطنية واضحة وجذّابة تُجيب على سؤال: ما الذي يمثّله بلدنا للعالم؟ هذا السؤال له جواب أمريكي واضح (الحرية والفرصة) وجواب صيني ناشئ (الازدهار والاستقرار والحضارة القديمة). الجواب العراقي غائب لأن بناءه يستدعي توافقاً داخلياً على ما يمثّله العراق — وهذا التوافق لم يُبنَ بعد على المستوى السياسي والمؤسسي.
المتنبي وأبو نواس والجواهري هم أعظم أصوات الشعر العربي في تاريخه، وكلهم عراقيون. لكن لا يوجد مهرجان دولي يُحتفى بهم يُدار من بغداد. لا مركز ثقافي عراقي في باريس أو لندن. لا جوائز عالمية تحمل أسماءهم. الثروة الحضارية موجودة — لكنها مُغلَقة في ذاتها ولم تتحوّل بعد إلى رأسمال ناعم مُوظَّف.
ماذا يمكن أن يفعل العراق؟
التصنير الحقيقي يبدأ بقرار سياسي بأن القوة الناعمة جزء من الاستراتيجية الوطنية لا رفاهية ثقافية تنتظر وقت السلام. تركيا أطلقت صناعة المسلسلات في سياق سياسي صعب ووجدت أن نجاحها يُعيد رسم صورتها في العالم بتكلفة أقل من عشر مؤتمرات دبلوماسية. العراق يستطيع فعل شيئاً مشابهاً: دعم صناعة محتوى يستند إلى تراثه وتاريخه وتنوعه البشري والحضاري، وبناء مراكز ثقافية دولية تُقدّم العراق كحضارة لا كأزمة. هذا لا يُلغي التحديات السياسية الضخمة، لكنه يُغيّر الإطار الذي ينظر العالم من خلاله إلى العراق — وهو تغيير له قيمة جيوبوليتيكية حقيقية.
خلاصة تحليلية
العراق لم يُصنِّر نفسه لأن التصنير يحتاج استقراراً سياسياً وإرادة طويلة الأمد وهوية وطنية واضحة — وهي العناصر الثلاثة التي غابت عن العراق في تاريخه الحديث. لكن غيابها ليس قدراً نهائياً. بناء القوة الناعمة يمكن أن يبدأ بخطوات محدودة وقابلة للقياس: دعم الإنتاج الثقافي، واستثمار الإرث الحضاري دبلوماسياً، وبناء صورة جديدة للعراق تتجاوز أزماته الراهنة وتُقدّمه كامتداد لأعمق حضارة في تاريخ الإنسانية.
الاستشهاد بالمقال
علي زويد. لماذا لم يُصنِّر العراق نفسه مثل الصين أو أمريكا؟. 2026-05-10. https://alizuweid.com/article.html?slug=iraq-geopolitics-p3-20
