متى يتحول العراق من ساحة صراع إلى دولة لا يمكن تجاوزها؟
عشرون مقالة مرّت فيها بالجيوبوليتيك والهوية والحوكمة والحضارة. الآن نصل إلى السؤال الأصعب والأكثر أهمية: ما الذي يُحدّد متى يتغير مسار العراق؟
ما الذي تغيّر حتى الآن — وما الذي لم يتغير
قبل أن نتحدث عن المستقبل، من الأمانة الفكرية أن نلاحظ ما تغيّر فعلاً في العراق منذ ٢٠٠٣. عقدان ونيّف من التجربة الديمقراطية — رغم كل اختلالاتها — أنتجا جيلاً عراقياً يعرف حقوقه ولا يقبل الاستبداد المفتوح كما قبله أجداده. وانتفاضة تشرين أثبتت وجود رأي عام عراقي ناضج يطالب بالدولة المدنية. وشيء من الصحافة المستقلة والمجتمع المدني بدأ يتشكّل رغم الضغوط الهائلة عليه. هذه ليست تحولات كافية لكنها ليست لا شيء — وإنكارها يُخطئ القراءة بقدر المبالغة فيها.
في المقابل، ما لم يتغير هو جوهري: المحاصصة كنظام حكم، وهيمنة الاقتصاد الريعي النفطي، وضعف الدولة في مواجهة الفصائل المسلحة الموازية، وغياب رؤية استراتيجية وطنية جامعة. هذه الثوابت الأربعة هي ما تمنع العراق من التحوّل حتى حين تتوفر إرادة التغيير عند بعض الأفراد والفئات.
شروط التحوّل: ليست معجزة بل مسار
التحوّل إلى "دولة لا يمكن تجاوزها" لا يحتاج ظروفاً معجزية — يحتاج تضافر عوامل قابلة للتحقق إذا توفرت الإرادة الكافية. العامل الأول هو الأمن الداخلي الحقيقي: لا يمكن لأي استراتيجية اقتصادية أو ناعمة أن تعمل في بيئة تنشط فيها فصائل مسلحة خارج سيطرة الدولة. هذا لا يعني القضاء عليها عسكرياً فحسب — يعني دمجها في منظومة أمنية وطنية أو جعل تكاليف عملها باسم أجندات خارجية أعلى مما هي عليه الآن.
والعامل الثاني هو التنويع الاقتصادي. ما دام تسعون بالمئة من إيرادات الدولة من النفط، ستظل الحكومة رهينة لسعر البرميل ورهينة للريع الذي يُكرّس المحاصصة. طريق التنمية وإصلاح القطاع الزراعي والتوسع في الصناعات التحويلية ليست تفاصيل اقتصادية تقنية — بل تحولات جذرية في طبيعة العقد الاجتماعي العراقي بأسره.
الدولة التي لا يمكن تجاوزها ليست بالضرورة الأقوى عسكرياً — هي الدولة التي تُكلّفك محاولة تجاوزها أكثر مما يُكلّفك المرور بها. العراق يمكنه أن يصبح ذلك لا لأنه سيبني جيشاً لا يُقهر، بل لأن موقعه وموارده وتاريخه جعلته لاعباً لا غنى عنه متى أدار ذلك بكفاءة.
العامل الثالث: الجيل القادم كمتغير حاسم
ما لا يُقدَّر كفايةً في الحسابات السياسية هو الديموغرافيا. نسبة ضخمة من السكان العراقيين وُلدوا بعد عام ٢٠٠٣. هؤلاء لم يعرفوا صدام ولم يعيشوا الحرب مع إيران ولا غزو الكويت — عاشوا فقط ما بعد ذلك بكل خراباته وبكل إمكانياته. هذا الجيل يُشكّل قاعدة سياسية مختلفة: أقل قبولاً للتذرع بـ"ما قبل ٢٠٠٣" مبرراً للفشل الراهن، وأكثر مطالبةً بنتائج ملموسة هنا والآن. صوتهم السياسي — الذي بدأ يتشكّل في تشرين — هو ربما المتغير الأكثر تأثيراً على مدى العقدين القادمين، وإهماله هو الخطأ الأكثر شيوعاً في التحليل السياسي العراقي المعاصر.
متى؟ — جواب غير تقليدي
السؤال "متى؟" يفترض أن التحوّل لحظة واحدة قادمة. لكن التحولات الجذرية للدول نادراً ما تكون لحظية — هي عادةً تراكم بطيء يُصبح مرئياً بعد مرحلة انعطاف. ألمانيا لم تتحوّل بمعاهدة سلام وحدها — تحوّلت بعقود من إعادة البناء المؤسسي ومصالحة الذاكرة التاريخية. وكوريا الجنوبية لم تقفز من الفقر إلى التقدم ليلة واحدة — استغرق الأمر جيلاً كاملاً من الاستثمار في التعليم والصناعة والتنظيم المؤسسي.
للعراق لن يكون مختلفاً. "متى" ليس تاريخاً في التقويم — هو سلسلة قرارات متراكمة تبدأ من الإرادة على القرار الصغير الصحيح ثم تتراكم حتى تُنتج واقعاً جديداً. الانتخابات النزيهة نسبياً، ومشاريع البنية التحتية المُنجَزة على الموعد، والصفقات الاقتصادية الخارجية المُبرمة من موقع القوة لا الحاجة — كل هذه قرارات صغيرة تبني مجتمعةً الدولة التي لا يمكن تجاوزها.
الرهان الأكبر
الرهان الأكبر ليس على حكومة بعينها ولا على زعيم بعينه. الرهان على ما إذا كانت النخب العراقية — السياسية والأكاديمية والاقتصادية والثقافية — ستُدرك في مرحلة ما أن مصلحتها الفردية طويلة الأمد تتوافق مع مصلحة الدولة القوية لا الدولة الضعيفة. الدولة الضعيفة تُوفّر لنخبتها ريعاً قصير الأمد. الدولة القوية تُوفّر لنخبتها نفوذاً وثروةً وأمناً متصاعداً على المدى البعيد. اليوم الذي تُقرر فيه أغلبية حرجة من هذه النخب أن الثاني أفضل من الأول — ذلك هو اليوم الذي يبدأ فيه العراق الانتقال الحقيقي.
خلاصة السلسلة كلها
مررنا في هذه المقالات الإحدى والعشرين برحلة طويلة: من الجيوبوليتيك الكبير إلى الثقة الاجتماعية الصغيرة، ومن تاريخ الحضارات إلى آليات الفساد اليومي. ما خرجنا به ليس صورة يأس ولا صورة وعود فارغة. خرجنا بفهم أن العراق يمتلك من المقومات ما لا تمتلكه دول كثيرة أقوى منه اليوم — جغرافيا محورية، وعمقاً حضارياً استثنائياً، وشعباً أثبت قدرة على الصمود في وجه ما أسقط غيره. ما ينقصه ليس موارد ولا ذكاء بشري ولا تاريخ مشرّف. ما ينقصه هو قرار جماعي — من نخبه ومواطنيه — بأن العراق يستحق أن يُبنى. وهذا القرار، يوم يأتي فعلاً، لن يوقفه أحد.
من السؤال الأول عن الدول العظمى وكيف بنت قوتها، إلى السؤال الأخير عن متى يتحوّل العراق من ساحة إلى قوة — هذه السلسلة لم تكن بحثاً عن إجابات نهائية، بل بحثاً عن أسئلة أكثر دقة. لأن السؤال الجيد هو بداية الحل، والبلد الذي يعرف كيف يسأل بشجاعة وعمق قد خطا نصف الطريق نحو ما يريد أن يكون.
سلسلة مقالات تحليلية — العراق والجيوبوليتيك
الجزء الثالث والأخير: المقالات ١٥–٢١ · اكتملت السلسلة · إحدى وعشرون مقالة
الاستشهاد بالمقال
علي زويد. متى يتحول العراق من ساحة صراع إلى دولة لا يمكن تجاوزها؟. 2026-05-17. https://alizuweid.com/article.html?slug=iraq-geopolitics-p3-21
