العراق بين الخليج وإيران وتركيا والشام: بيئة أمنية بلا هامش للانعزال
في 7 تشرين الأول 2026، أعلن البنك المركزي العراقي تعديل أسعار معاملاته بالدولار: 1500 دينار لشراء الدولار من وزارة المالية، و1510 دنانير لبيعه إلى المصارف، و1520 دينارًا للبيع النقدي للجمهور. هذه أسعار معلنة لمعاملات مختلفة، وليست سعرًا واحدًا للسوق. بيان البنك المركزي جاء القرار في سنة تتداخل فيها اضطرابات الملاحة والطاقة والتمويل في الإقليم. ولا يكفي هذا التزامن لإثبات أن الحرب وحدها سببت التعديل؛ لكنه يعيد النقاش إلى سؤال تتجنبه لغة الحياد أحيانًا: كيف يحمي العراق اقتصاده حين تنتقل إليه كلفة أزمة لم يكن صاحب قرارها؟
لا يستطيع العراق أن يعامل الخليج وإيران وتركيا والشام بوصفها ملفات خارجية منفصلة. فالمورد الذي يموّل الإنفاق، والوقود الذي يشغّل محطة الكهرباء، والمياه التي تصل إلى الحقل، والطريق الذي يحمل المستوردات، ترتبط بقرارات ومخاطر خارج الحدود. المشكلة ليست كثرة العلاقات في ذاتها. إنها اجتماع وظائف حيوية في ترتيبات يصعب تعويضها عندما تضطرب معًا. لذلك يحتاج مفهوم الاستقلال إلى معيار أدق من عدد العواصم التي تزورها الحكومة: ما الوظيفة التي تستمر إذا تعطل شريك أو ممر، وبأي كلفة، ولأي مدة؟
أقاليم متعددة، ووظائف لا تقبل الفصل
توضح العلاقة مع إيران الفرق بين استيراد الكهرباء واستيراد الوقود اللازم لإنتاجها. ففي ملف إدارة معلومات الطاقة الأميركية لعام 2025، بلغت الكهرباء المستوردة من إيران نحو 2% من إمدادات العراق الاتحادي عام 2023، بينما نُقل عن العراق أن الغاز الإيراني يسهم في أكثر من 30% من توليد الكهرباء. ملف الطاقة العراقي هذه بيانات تاريخية وليست قياسًا لحصة تشرين الأول 2026. لكنها تمنع خطأً تحليليًا مؤثرًا: انخفاض نسبة الكهرباء المستوردة مباشرة لا يثبت انخفاض الاعتماد إذا كانت المحطات المحلية تحتاج إلى وقود مستورد.
ظهر أثر هذا الفرق خلال أزمة 2026. فقد سجل تقرير وكالة الطاقة الدولية للربع الثاني توقفًا مؤقتًا لواردات الغاز بالأنابيب من إيران عقب الضربات على حقل بارس الجنوبي، مع تداعيات على وضع الغاز والكهرباء العراقي. تقرير سوق الغاز لا يثبت التقرير استمرار الانقطاع إلى اليوم، ولا يصح تحويله إلى رقم دائم للعجز. ما يثبته أن امتلاك محطة داخل الحدود لا يعزل خدمتها عن مصدر الوقود. ويتعين، تبعًا لذلك، تقييم التوليد والوقود والشبكة والتحصيل باعتبارها سلسلة واحدة، قبل احتساب محطة جديدة ضمن القدرة المستقلة.
وتختلف وظيفة تركيا عن وظيفة إيران، وإن تداخلت الملفات. فالمنفذ الشمالي شريك نقل وتجارة، بينما تقع منابع مهمة لنظام دجلة والفرات خارج العراق. في مذكرة نشرتها الأمم المتحدة في كانون الثاني 2026، رُبطت أزمة المياه بتراكم الجفاف وتراجع الأمطار والواردات، إلى جانب ضعف البنية وقدرتها على تحمل الظواهر المتطرفة. مذكرة ندرة المياه لا تسمح هذه الأسباب بإرجاع المشكلة كلها إلى دولة المنبع، ولا بإعفاء التعاون العابر للحدود من مسؤوليته. فزيادة الإطلاقات وتحسين إدارة الطلب يعملان على جانبين مختلفين من المشكلة، ولا يغني أحدهما عن الآخر.
أما الخليج فيتصل بالعراق من خلال الملاحة والطاقة والأسواق والتمويل، وتتجاوز آثار اضطرابه علاقة بغداد بدولة واحدة. شرح صندوق النقد الدولي في آذار 2026 انتقال الحرب عبر الطاقة والتجارة والأوضاع المالية، مع اختلاف النتيجة باختلاف تعرض البلدان. تحليل قنوات انتقال الصدمة ومن الخطأ، في تقديري، افتراض أن ارتفاع سعر النفط يعوّض تلقائيًا البلد المنتج عن تعطل التصدير. الإيراد يحتاج كمية قابلة للشحن والتحصيل، في حين قد ترتفع كلفة الاستيراد والنقل في الوقت نفسه. سعر أعلى وحجم أقل يمكن أن يتحركا في اتجاهين متعارضين داخل الموازنة.
وفي الشام، لا تختزل المصلحة العراقية في معبر تجاري أو ملف أمني. أوضحت مفوضية اللاجئين في إرشاداتها للعائدين من العراق إلى سوريا، المنشورة في حزيران 2026، أنها لا تروّج للعودة وتعارض الإعادة القسرية بسبب مخاطر مستمرة في مناطق متعددة، مع دعم القرار الطوعي المستنير. إرشادات العودة هذه ليست شهادة بأن سوريا كلها في حالة واحدة. إنها تذكير بأن قرار الأسرة يتأثر بالأمن والسكن والخدمات والوثائق، وأن حركة الناس لا تقاس بمعيار حركة البضائع. سياسة الحدود الجيدة تفصل بين الحماية الإنسانية والتجارة وملاحقة الجريمة، ولا تجعل إحداها ذريعة لإلغاء الأخريين.
التنويع الذي يغيّر مصدر الخطر
يمكن زيادة عدد الموردين من دون تغيير موضع الانكشاف. يذكر ملف الطاقة نفسه أن اتفاق العراق مع تركمانستان في تشرين الأول 2024 لاستيراد الغاز يعتمد على منظومة الأنابيب الإيرانية. ترتيب توريد الغاز لا أتعامل هنا مع الاتفاق بوصفه دليلًا على تدفق مكتمل اليوم؛ المقصود أن تعدد بلد المنشأ لا يعني بالضرورة تعدد طريق الوصول. وفي التحليل الاستراتيجي، يجب الفصل بين تنويع العقد وتنويع البنية وتنويع المخاطر التي قد توقف الاثنين معًا.
تعطي التجربة السعودية خلال الأزمة مثالًا محددًا على فائدة البديل وحدوده. سجل تقرير إدارة معلومات الطاقة لشهر آب 2026 إعادة توجيه نفط عبر خط الشرق والغرب إلى ينبع على البحر الأحمر، مع بقاء مخاطر ومسافات وتكاليف في المسارات البحرية البديلة. تقرير آب لا يمكن نسخ هذه النتيجة إلى العراق بمجرد اقتراح خط على الخريطة؛ فالسعودية تمتلك وصولًا إلى ساحلين وبنية سابقة. ما يصلح للمقارنة هو أن البديل يخفض اعتمادًا معينًا، ثم يحتاج إلى تقييم اعتماده الجديد، بدل وصفه بأنه نهاية الخطر.
وهذا يغيّر طريقة قراءة مشاريع الربط العراقية. فالتمويل الذي أقره البنك الدولي في حزيران 2026 بقيمة 900 مليون دولار لممرات الطرق يشمل اتجاهًا شماليًا نحو تركيا وآخر غربيًا نحو سوريا والأردن. نطاق المشروع المعتمد وجود اتجاهين يوسّع مجال الاختيار، لكنه لا يثبت أن كليهما يعمل بالسعة والاعتمادية المطلوبتين. الفائدة لا تُحسب مرتين إذا كان المساران يعتمدان على الاختناق الإداري نفسه أو على خدمة داخلية واحدة معرضة للتوقف.
أقترح لذلك اختبارًا للانقطاع المتزامن ضمن تقييم المشروعات، يختلف عن دراسة جدواها في الظروف العادية. تُختبر الوظيفة تحت تعطل محدود لممر، ثم تحت اجتماع تعطلين مترابطين، مع تحديد الطلب الأساسي الذي يبقى مخدومًا وكلفة تشغيل البديل. هذه أداة تحليل مقترحة، وليست نتيجة محاكاة أجريتها للشبكة العراقية. ميزتها أنها تميز بين أصل إضافي يكرر الانكشاف نفسه وأصل أقل جاذبية في الأيام العادية لكنه يحفظ خدمة أساسية عند الأزمة. وهي امتداد لمسألة تحويل الموقع العراقي إلى قدرة فعلية.
الدبلوماسية تحتاج مؤسسة تستطيع تنفيذ الاتفاق
ليس كل درس خارجي متعلقًا بممر أو أنبوب. أطلق العراق وكازاخستان في أيار 2025 توأمة تحت اتفاقية المياه، تركز على التعلم المؤسسي وإدارة الموارد المائية المتكاملة. إعلان التوأمة لا تثبت هذه الخطوة تحسنًا مقاسًا في تدفقات العراق، ولا تمنحه ترتيبات كازاخستان الإقليمية. فائدتها الممكنة أضيق وأكثر عملية: تنظيم البيانات والحوار بين القطاعات وتطوير القدرة على تنفيذ التعاون. دولة لا توحّد أرقام حاجتها واستخدامها ستكون أضعف تفاوضًا حتى عندما تتوافر الإرادة السياسية لدى الطرف الآخر.
وعلى المستوى العراقي، تقرر المادة الثامنة من الدستور حسن الجوار وعدم التدخل وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية وإقامة العلاقات على أساس المصالح المشتركة والتعامل بالمثل واحترام الالتزامات الدولية. الدستور العراقي يمكن ترجمة هذا الإطار إلى سياسة متماسكة من دون اختراع مسافة متساوية حسابيًا من كل طرف. فالمعاملة تختلف باختلاف الالتزام والمصلحة، بينما ينبغي أن تبقى القاعدة قابلة للتوقع: حماية السيادة، واحترام التعهد، وعدم تحويل أرض العراق إلى وسيلة لإدارة نزاع الآخرين.
تحتاج هذه القاعدة إلى صلاحيات ومسؤوليات داخلية معلومة. فتعهد النقل يصدر أثره عن الجمارك والحدود والصيانة، وتعهد الطاقة عن الوقود والشبكة والدفع، وتعاون المياه عن القياس والتوزيع والزراعة. إذا تفاوضت جهة ووعدت بخدمة لا تستطيع إلزام الجهات المنفذة بها، تصبح السياسة الخارجية مجموعة التزامات غير مضمونة. هذه ليست حجة لحصر كل قرار في مكتب واحد، بل لتحديد من يملك الاتفاق، ومن يموله، ومن يقيس تنفيذه، وكيف تعالج الخلافات بين الحكومة الاتحادية والإقليم والمحافظات ضمن القانون.
وتظهر هنا كلفة خطاب المقايضة الشاملة. قد يبدو جمع الماء والطاقة والتجارة في صفقة واحدة دليلًا على الشمول، لكنه قد يخفي توزيعًا غير متوازن للمنافع والأعباء. ينبغي أن يعرف صاحب القرار أثر كل التزام على المستهلك والمنتج والموازنة والبيئة قبل جمعها في تفاوض واحد. ويجب أن تبقى المعلومات التجارية المحمية ضمن حدودها القانونية، من دون أن تتحول السرية إلى غياب للمساءلة عن النتائج. فالقدرة على تمييز الاستراتيجية من الشعار تبدأ بإمكان فحص التنفيذ.
استقلال يُقاس باستمرار الوظائف
في تقديري، الأولوية العملية هي تكليف المؤسسات المختصة بإعداد سجل مشترك لاعتماد الخدمات الأساسية على الخارج، تُربط فيه كل وظيفة بموردها ومسارها ومدة تعويضها والجهة المسؤولة عنها. ليس المطلوب نشر معلومات تشغيلية حساسة، بل توفير أساس موثوق لقرارات الاستثمار والاحتياط والتفاوض. ويُراجع هذا السجل دوريًا مع الموازنة حتى لا تنفق الدولة على بدائل متشابهة بينما تترك نقطة توقف واحدة من دون معالجة.
وتكون الخطوة التالية اختيار استثمارات محددة على أساس مقدار الخدمة التي تحميها عند الاضطراب، مع إعلان مؤشرات عامة للنتيجة. في الطاقة يُقاس الانتظام لا عدد الاتفاقيات؛ وفي الحدود يُقاس زمن الخدمة وتفاوته لا عدد البوابات؛ وفي المياه تُقاس الإدارة المحلية والتعاون الخارجي كل في نطاقه. بهذه الطريقة يصبح الانفتاح قابلًا للمحاسبة، وتصبح كلفة الاحتياط أو التنويع قابلة للمقارنة مع كلفة التعطل، بدل تقديمهما بوصفهما نفقات لا تنتج ربحًا سريعًا.
لن يمنح الانعزال العراق مياهًا بديلة أو منفذًا آخر أو سوقًا لا تتأثر بالإقليم. لكنه يستطيع أن يقلل مقدار ما يفرضه اضطراب الخارج على قراره الداخلي. والاستقلال الممكن في هذه البيئة هو أن تبقى للدولة خيارات قابلة للتنفيذ حين تصبح العلاقات أصعب، وأن تستطيع صيانة مصالحها من دون تحويل كل اختلاف مع جار إلى أزمة في حياة العراقيين.
الاستشهاد بالمقال
علي زويد. العراق بين الخليج وإيران وتركيا والشام: بيئة أمنية بلا هامش للانعزال. 13 تشرين الأول 2026. https://alizuweid.com/articles/iraq-regional-security-interdependence/
