انتقل إلى المحتوى

البيئة الاستراتيجية والجغرافيا السياسية للعراق

شط العرب والخليج: كيف يصنع المنفذ البحري وزن الدولة؟

علي زويد

بقلم علي زويد · · 8 دقائق قراءة

بلغ عدد الحوادث البحرية المؤكدة التي أدرجتها المنظمة البحرية الدولية في سجل هرمز والشرق الأوسط 106 حوادث حتى 13 تشرين الأول 2026. هذا رقم تراكمي مؤرخ، لا تقدير لكل حادث محتمل ولا عدد السفن المعطلة في يوم واحد. سجل الحوادث المؤكدة بالنسبة إلى العراق، يضع هذا السجل مسألة المنفذ البحري خارج النقاش المجرد عن طول الساحل. فقد يكون الرصيف جاهزًا لاستقبال السفينة، بينما تمنعها مخاطر الطريق البحري من الوصول، أو تجعل موعدها وكلفتها غير قابلين للتوقع.

تتكون قوة المنفذ من حلقات مختلفة: حق الوصول، وممر ملاحي صالح، وميناء يعمل، وربط بالاقتصاد الداخلي، وطريق دولي يمكن استخدامه. لا تنتج توسعة إحدى الحلقات أثرها الكامل إذا تعثرت أخرى. ومن هنا أسأل: هل يصنع البحر وزن الدولة بمجرد الإطلالة عليه، أم حين تستطيع تحويل الإطلالة إلى خدمة موثوقة؟ وكيف يختلف تطوير شط العرب عن تطوير الموانئ التجارية ومحطات تصدير النفط، مع أنها تجتمع كلها في جنوب العراق؟

شط العرب جزء من المنظومة، وليس اسمًا لكل منافذها

ينبغي أولًا ضبط الخريطة. يميز الوصف الجغرافي لدى مجموعة اللوجستيات الإنسانية بين الوصول إلى أم قصر عبر خور عبد الله، وبين مجرى شط العرب المؤدي إلى البصرة، ويذكر كذلك محطات تحميل النفط البحرية. وصف منافذ العراق البحرية هذا مرجع قديم يُستخدم هنا لتوضيح التمييز المكاني المستقر، لا لتقدير الغواطس أو طاقات التشغيل الحالية. فلا يصح اختزال استيراد العراق وتصديره في المجرى النهري، أو التعامل مع تطوير ميناء حاويات وكأنه يعالج تلقائيًا كل احتياجات الملاحة النهرية والنفطية.

ولشط العرب خصوصية قانونية وتاريخية لا تختزلها كلفة النقل. نص بروتوكول الحدود النهرية الملحق بمعاهدة العراق وإيران الموقعة في 13 حزيران 1975 على خط التالوك، أي الخط الوسطي للمجرى الملاحي الرئيسي عند أدنى مستوى صالح للملاحة، وفق الصياغة الواردة في الوثيقة. نص المعاهدة والبروتوكول الإحالة إلى هذا النص تحدد أساسًا تاريخيًا موثقًا للنقاش؛ ولا تعني إصدار حكم هنا في تفاصيل التطبيق أو أي نزاع قائم. المسائل الحدودية تحتاج إلى قراءة وثائقها وخرائطها وإجراءاتها، ولا يحسمها وصف سياسي عام.

يفسر ذلك لماذا يجب التمييز بين ترسيم الحد وإدارة الممر. إزالة عائق ملاحي، وتحديث مسح هيدروغرافي، وتنظيم حركة السفن، ومنع التلوث، وظائف مختلفة عن تعديل حدود الدول. ويمكن أن يخدم انتظام التنسيق الفني مصلحة الطرفين من دون أن يُقدَّم تنازلًا سياديًا. وفي المقابل، لا ينبغي تمرير مسألة ذات أثر قانوني تحت عنوان فني مبهم. قوة الدولة هنا تظهر في قدرتها على تحديد طبيعة القرار والجهة المختصة به قبل تنفيذه.

وتضيف المياه بعدًا لا يعالجه إنشاء الأرصفة. درست ورقة منشورة في Environmental Earth Sciences سنة 2021 العلاقة بين تصريف المياه العذبة والتداخل الملحي في مصب شط العرب. دراسة التصريف والملوحة لا تُستخدم نتائجها بوصفها قياسًا مباشرًا لملوحة اليوم، بل لإثبات أن تقييم المصب يحتاج إلى علاقة المياه العذبة بالبحر، لا إلى العمق وحده. لذلك أقترح إدخال آثار الملاحة والتجريف والمشروعات الساحلية على المياه والبيئة وسبل العيش في التقييم نفسه؛ فمكسب الشحن لا يكفي إذا نُقلت كلفته إلى سكان البصرة من دون حساب أو معالجة.

قيمة الميناء تبدأ حين يمكن توقع الخدمة

في تموز 2024، أعلنت المنظمة البحرية الدولية مهمة دعم لإنشاء نافذة بحرية موحدة في ميناءي أم قصر الشمالي والجنوبي. وقدّرت آنذاك مرور أكثر من 80% من واردات السلع العراقية عبر أم قصر. إعلان مهمة الدعم يجب إبقاء النسبة مرتبطة بتاريخها ومصدرها، وعدم تحويل إعلان الإنشاء إلى إثبات بأن جميع الوظائف اكتملت في 2026. لكنها توضح أن تحسين الإجراءات في عقدة قائمة يمكن أن يمس تجارة واسعة، حتى من دون افتتاح رصيف جديد.

والنافذة البحرية ليست اسمًا آخر لأي برنامج رقمي. تتعلق بتبادل بيانات وصول السفينة وإقامتها ومغادرتها بين الجهات المعنية، فيما تعالج النظم الكمركية إجراءات البضاعة، وتربط منظومات مجتمع الميناء أطرافًا وخدمات أخرى. تؤكد إرشادات المنظمة أهمية البيانات المشتركة والتشغيل المتوافق، مع إدارة المخاطر السيبرانية. إرشادات النافذة البحرية وإذا احتاج المستخدم إلى إعادة إدخال المعلومة نفسها في ثلاث منصات، فقد تكون الإدارة قد رقمنت التكرار بدل إزالته. المعيار العملي هو تقليل التكرار مع بقاء التدقيق والمسؤولية وإمكان العمل عند التعطل.

يعطي التحصيل الكمركي العراقي قرينة على أهمية الإصلاح الإداري، لكنه لا يوفر قياسًا كاملًا لكفاءة الميناء. يسجل تقرير أسيكودا لعام 2025 الصادر عن الأمم المتحدة للتجارة والتنمية ارتفاع الإيرادات الكمركية العراقية 128% بين 2023 و2024. تقرير أسيكودا لا تكفي هذه المقارنة وحدها لعزل أثر الرقمنة عن تغير قيم التجارة والتعرفة والامتثال وعوامل أخرى. كما لا تعني زيادة الإيراد أن الحاوية خرجت أسرع. ينبغي فصل مؤشرات التحصيل عن زمن الخدمة وكلفتها، حتى لا يتحول نجاح وظيفة إلى إعفاء لبقية الوظائف من القياس.

وتوفر المقاييس الدولية تمييزًا مفيدًا. يقيس مؤشر أداء موانئ الحاويات للبنك الدولي وقت السفينة في الميناء، بما فيه الانتظار والبقاء عند الرصيف. منهج مؤشر الموانئ بينما تتضمن منهجية مؤشرات الأداء اللوجستي زمن مكوث حاويات الاستيراد بين تفريغها وخروجها من الميناء. منهج المؤشرات اللوجستية يمكن لسفينة أن تغادر بسرعة فيما تبقى البضاعة أيامًا. لذلك لا أرى رقمًا واحدًا صالحًا لتمثيل الأداء كله، ولا أستخدم ترتيبًا دوليًا غير متحقق منه للحكم على ميناء عراقي بعينه.

وأقترح أن ينشر التقييم العراقي الوسيط الزمني للخدمة إلى جانب الزمن الذي تنتهي خلاله 90% من المعاملات، موزعًا بحسب نوع البضاعة والإجراء، مع توضيح بداية القياس ونهايته. هذا مقترح للقياس، وليس بيانًا عن أداء الموانئ الحالي. فائدته أن المتوسط وحده قد يخفي فئة من الشحنات تواجه تأخيرًا شديدًا، بينما تبني الشركات مخزونها وكلفة تمويلها على احتمال التأخير أيضًا. ثم تُربط الأرقام بسبب الانتظار، حتى لا تُحمَّل إدارة الرصيف مسؤولية إجراء يقع عند جهة أخرى، أو تتبادل الجهات المسؤولية عن مدة لا يقيسها أحد.

درس سنغافورة وحدود المقارنة

أعلنت هيئة الملاحة والموانئ في سنغافورة في كانون الثاني 2026 أن الميناء ناول 44.66 مليون وحدة مكافئة لعشرين قدمًا خلال 2025، بنمو 8.6% على 2024. نتائج الميناء السنوية الوحدة المكافئة مقياس لحجم المناولة، وليست بالضرورة عدد حاويات منفردة، ولا تقيس القيمة المحلية المضافة. وتشرح وزارة النقل السنغافورية دور البلد مركزًا لإعادة الشحن والخدمات البحرية. طبيعة المركز البحري لهذا لا يصلح حجم الحركة وحده هدفًا منقولًا إلى العراق، الذي يحتاج كذلك إلى خدمة سوقه الداخلي وصناعته وزراعته وصادراته المختلفة.

الجزء القابل للتعلم هو تنظيم الخدمة حول رحلة السفينة والبضاعة. توضح هيئة الموانئ أن منصة digitalPORT@SG تقدم نافذة موحدة لتخليص السفن، وتربط تطويرها بتنسيق الموارد والخدمات البحرية. منصة الخدمات البحرية لا تثبت هذه الصفحة أن الرقمنة وحدها سببت نمو المناولة، ولا تلغي أثر الموقع وشبكات الخطوط والاستثمارات المتراكمة. لكنها تعرض وظيفة مؤسسية يمكن اختبارها في العراق: هل يتيح النظام للجهات اتخاذ قرارات من بيانات متسقة، أم يضيف واجهة إلكترونية إلى إجراءات متعارضة؟

وتختلف شروط الاستثمار أيضًا. فالميناء الذي يستقبل حركة إعادة شحن دولية ينافس على شبكات خطوط وتواتر رحلات، بينما يحتاج الميناء الذي يخدم الاقتصاد العراقي إلى اتصال منتظم بمناطق الإنتاج والاستهلاك. وقد أقر البنك الدولي في حزيران 2025 تمويلًا بقيمة 930 مليون دولار لتحسين السكك والخدمات بين أم قصر والموصل. مشروع السكك العراقية هذه موافقة تمويل، لا إعلان اكتمال الشبكة. قيمتها التحليلية أنها تضع الميناء داخل منظومة برية؛ فمضاعفة المناولة على الرصيف لا تحقق المنفعة نفسها إذا عجزت البضاعة عن مغادرة ساحته.

لذلك ينبغي أن تُفحص توسعات الفاو وأم قصر وخدمات شط العرب ضمن أدوار متكاملة، من دون افتراض سعات تشغيل لم تثبتها بيانات حديثة. وتشمل المقارنة بين البدائل كلفة الصيانة والعمالة والطاقة والربط البري، لا كلفة الإنشاء وحدها. ويمكن أن يكون إصلاح نقطة اختناق في منشأة قائمة أعلى أثرًا من توسعة لا تجد طلبًا كافيًا، كما يمكن أن تصبح التوسعة ضرورية إذا أثبت الطلب حدود الإصلاح. الاختيار يحتاج إلى بيانات تدفقات ومواعيد وكلف، لا إلى منافسة خطابية بين أسماء الموانئ.

النفوذ البحري لا ينتهي عند حدود الميناء

يربط تقرير إدارة معلومات الطاقة عن نقاط الاختناق البحرية حركة نفط الخليج بمضيق هرمز. ملف نقاط الاختناق ومن ثم فإن تطوير ميناء داخل الخليج لا ينشئ بذاته مسارًا بحريًا يتجاوزه. وقد يرفع كفاءة الوصول إلى البحر من دون أن يزيل خطر الطريق بعده. ولا يعني ذلك التقليل من الاستثمار في الموانئ؛ بل يمنع تحميله وظيفة لا تؤديها جغرافيته. ويتصل هذا بالتمييز بين المورد والمسار ومصدر الخطر في قراءة بيئة العراق الإقليمية.

في تقديري، تحتاج الإدارة الوطنية للمنفذ البحري إلى برنامج مشترك بين سلطات النقل والموانئ والجمارك والجهات البيئية والمائية، بصلاحيات معلنة ومؤشرات لا تتنافس في تعريف النجاح. تحدد هذه المؤسسات أين يتأخر القرار أو الشحن، ثم تختار إصلاحًا إداريًا أو استثمارًا ماديًا أو تعاونًا خارجيًا بحسب موضع المشكلة. ويمكن أن يفتح مقترح الكمارك وتسهيل التجارة نقاشًا تشريعيًا في جزء من المنظومة، مع بقاء النص مقترحًا لا قانونًا نافذًا.

ولن يكفي قياس الحمولة إذا بقيت المنفعة منفصلة عن الاقتصاد المحيط. ينبغي أن يسأل تقييم الاستثمار عن العمل المؤهل والخدمات والإنتاج الذي يستفيد من الميناء، وعن كلفة التلوث والازدحام واستخدام الأرض على السكان. وأقترح ربط التوسع بمراجعة دورية للطلب والأداء والآثار البيئية، مع حماية الصيانة من أن تصبح أول بند يُخفَّض عند ضغط الموازنة. فالقدرة البحرية أصل يحتاج تشغيلًا مستمرًا، وليست نتيجة نهائية تُثبتها صورة افتتاح.

يصنع المنفذ وزن الدولة حين يصبح استخدامه موثوقًا ومفيدًا للاقتصاد وقابلًا للحماية والتعاون. وسيبقى شط العرب والخليج مجالًا تتجاور فيه الحقوق والقواعد والمصالح والمخاطر. ما يستطيع العراق تغييره هو مقدار ما يحوله من هذه الجغرافيا إلى خدمة تعمل، ومقدار ما يحتفظ به من خيارات عندما يتعذر أن تعمل كما اعتاد.

علي زويد - باحث في الشؤون الاستراتيجية والأمن القومي

المصادر

  1. المنظمة البحرية الدولية — سجل الحوادث المؤكدة حتى 13 تشرين الأول 2026
  2. مجموعة اللوجستيات — منافذ العراق البحرية: وصف جغرافي
  3. الأمم المتحدة — معاهدة العراق وإيران وبروتوكول الحدود النهرية لعام 1975
  4. دراسة محكمة — تصريف المياه العذبة والتداخل الملحي في مصب شط العرب
  5. المنظمة البحرية الدولية — إعداد النافذة البحرية الموحدة لموانئ العراق
  6. المنظمة البحرية الدولية — إرشادات النافذة البحرية الموحدة
  7. الأمم المتحدة للتجارة والتنمية — تقرير أسيكودا 2025
  8. البنك الدولي — مؤشر أداء موانئ الحاويات 2025
  9. البنك الدولي — منهج مؤشرات الأداء اللوجستي
  10. هيئة الملاحة والموانئ في سنغافورة — نتائج الموانئ لعام 2025
  11. وزارة النقل السنغافورية — المركز البحري العالمي
  12. هيئة الملاحة والموانئ في سنغافورة — digitalPORT@SG
  13. البنك الدولي — مشروع تحديث السكك العراقية بقيمة 930 مليون دولار
  14. إدارة معلومات الطاقة الأميركية — نقاط الاختناق البحرية للنفط
الاستشهاد بالمقال

علي زويد. شط العرب والخليج: كيف يصنع المنفذ البحري وزن الدولة؟. 13 تشرين الأول 2026. https://alizuweid.com/articles/shatt-al-arab-gulf-maritime-access/

عم تبحث؟

ابحث في المحتوى المنشور على الموقع.