الجغرافيا السياسية للعراق: لماذا الموقع نعمة ومشكلة معا؟
في الرابع من حزيران 2026، وافق البنك الدولي على تمويل قدره 900 مليون دولار لمشروع ممرات النقل الاقتصادية في العراق، يركز على اتصال بغداد بتركيا شمالًا وبالأردن وسوريا غربًا. أعلن البنك القرار في اليوم التالي، موضحًا أن المرحلة الأولى تشمل تأهيل مقاطع من الطرق وإنشاء جزء أولي من الطريق السريع الثاني. إعلان اعتماد التمويل انتقل المشروع بذلك من التحضير إلى موافقة التمويل، بينما تظل المنافع الموعودة مرتبطة بالتنفيذ والتشغيل. هذه المسافة بين موقع على الخريطة وخدمة تعمل هي جوهر المسألة الجيوسياسية العراقية.
العراق يجاور تركيا وإيران وسوريا والأردن والسعودية والكويت، ويملك منفذًا بحريًا على الخليج. هذا الموقع يتيح اتصالًا بعدة فضاءات، لكنه يعرضه أيضًا لانتقال اضطراباتها إليه. فهل الجغرافيا مورد قوة بذاتها، أم أن قيمتها تتوقف على مؤسسات تستطيع تشغيل الاتصال وضبط مخاطره؟ ولماذا قد تكون الدولة ممرًا على الخريطة من دون أن تصبح مركزًا اقتصاديًا في الواقع؟
المسافة لا تفسر اختيار الطريق وحدها
أعلنت لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأوروبا في آذار 2025 تفعيل نظام النقل الدولي البري «TIR» في العراق اعتبارًا من الأول من نيسان، بوصفه البلد السادس والستين الذي يُشغّل النظام. تتعلق الآلية بتيسير العبور الكمركي بضمانات وإجراءات مشتركة، لا بإنشاء طريق جديد. إعلان تفعيل النظام وهذه نقطة تفسيرية مهمة: قد تتحسن قيمة المسار بإصلاح قواعد استخدامه قبل إضافة كيلومترات إليه.
بالنسبة إلى شركة تنقل بضاعة، لا تقتصر الكلفة على المسافة والوقود. يتصل الاختيار أيضًا بزمن الانتظار، وإمكان توقع موعد الوصول، وعدد الإجراءات، واحتمال تعطل المسار، وتسوية النزاع. قد يكون طريق أقصر أقل جاذبية إذا كانت كلفته النهائية أو مدته غير قابلتين للتقدير. لذلك لا يكفي رسم خط مستقيم بين ميناء وحدود لإثبات قدرة العراق على جذب التجارة.
ولا تثبت المشاركة في نظام دولي أن كل منفذ يعمل بالكفاءة نفسها. يلزم فحص التطبيق والتغطية والتنسيق بين الجهات، وقياس زمن التخليص وتفاوتاته وتكلفة الامتثال. كما لا يصح نقل نسب وفورات عالمية إلى العراق بوصفها نتائج محققة فيه. الفائدة المتوقعة من تبسيط العبور فرضية قابلة للاختبار ببيانات محلية، لا نتيجة تُستخرج من اسم الاتفاقية.
من هنا يرتبط الموقع بالقدرة المؤسسية التي ناقشناها في قراءة الدولة الهشة والدولة منخفضة القدرة. يمكن لبنية جيدة أن تفقد جزءًا من قيمتها بسبب إجراء غير متسق، ويمكن لإصلاح إداري أن يكشف حاجة إلى استثمار مادي كان الاختناق يخفيها. الترتيب الأفضل يحدد موضع التعطل أولًا، ثم يقارن بين إصلاح القاعدة وتوسعة الأصل والجمع بينهما.
الممر الإقليمي يبدأ بخدمة الاقتصاد الداخلي
أقر البنك الدولي في حزيران 2025 تمويلًا قدره 930 مليون دولار لتحديث السكك العراقية، يشمل خطًا قائمًا بطول 1,047 كيلومتر بين أم قصر والموصل عبر بغداد. هذه موافقة تمويل ونطاق معلن للمشروع، وليست شهادة بإتمام الأعمال. إعلان المشروع والتمييز مهم لأن منفعة الممر تعتمد على قدرته التشغيلية الفعلية، لا على حجم المبلغ عند الإعلان.
تتيح هذه الحالة طرح معيار يتجاوز مرور بضائع الآخرين: هل يقلل الاستثمار كلفة نقل المنتج العراقي إلى سوقه؟ وهل يربط مناطق الإنتاج بالموانئ والمدن؟ قد يحقق العبور الخارجي دخلًا، لكن بقاء الاقتصاد المحلي معزولًا عن المسار يجعل الأثر أقل عمقًا. تصبح القيمة أوسع حين ترتبط بالنقل خدمات وصيانة وتخزين وإنتاج، بشرط أن تؤكد دراسات الطلب جدواها بدل توزيع منشآت متشابهة بلا حاجة.
ويشمل مشروع الطرق المعتمد في 2026 خدمة شبكة وطنية وتطوير إدارتها وصيانتها. لكن الهدف المعلن يحتاج ترتيبًا استثماريًا: أي مقطع يزيل اختناقًا قائمًا؟ وأي توسعة تعتمد على طلب لم يتأكد بعد؟ لا تفرض الطموحات الإقليمية تنفيذ جميع المراحل دفعة واحدة. قد يقلل التنفيذ المتدرج خطر تحمل دين وتشغيل قبل نمو الحركة، مع الاحتفاظ بإمكان التوسع عندما تظهر الأدلة.
لهذا ينبغي أن تتضمن قراءة المشروع سيناريو لا تتحقق فيه حركة العبور المتوقعة بالسرعة المأمولة. إذا ظل المقطع ذا قيمة للاقتصاد الداخلي، تقل هشاشة جدواه أمام قرار دولة أخرى أو ظهور مسار منافس. أما إذا اعتمدت منفعته كلها على اتفاق خارجي واحد، فإن المخاطر السياسية تصبح جزءًا أساسيًا من القرار المالي. هذا اختبار أقترحه للجدوى، وليس نتيجة دراسة مكتملة عن مشروع بعينه.
الاتصال الذي يفتح فرصة ينقل الصدمة أيضًا
يشير الملف الاقتصادي الحالي للبنك الدولي عن العراق إلى أثر تعطل العبور عبر مضيق هرمز في القدرة التصديرية والإنتاج. الملف الاقتصادي للعراق لا يعني ذلك أن كل مسار بري بديل سيعوض الحجم والكلفة نفسيهما؛ فوسائط النقل تختلف، وقد تحتاج البدائل إلى بنية وعقود وقدرة استيعاب غير متاحة فورًا. أهمية التنويع هي تقليل درجة الانكشاف التي يمكن تحملها، لا الوعد بإلغاء الجغرافيا.
ويمتد الترابط إلى المياه. تسجل لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأوروبا انضمام العراق إلى اتفاقية المياه في 2023. الانضمام يوفر إطارًا للتعاون، لكنه لا يحدد وحده نتيجة تفاوض بعينها أو يضمن كمية تصل في موسم محدد. اتفاقية المياه وهنا تتصل الدبلوماسية بالقياس والإدارة المحلية: التفاهم الخارجي لا يعوض هدرًا داخليًا، وتحسين الاستخدام داخليًا لا يلغي الحاجة إلى تعاون عابر للحدود.
تشترك التجارة والمياه والطاقة في اعتمادها على أطراف متعددة، لكنها لا تصلح بالضرورة للمقايضة المباشرة. لكل ملف قواعده وأثره على السكان والاقتصاد. ربطها في تقدير وطني يساعد على كشف التعارض، بينما جمعها في صفقة غامضة قد يخفي تنازلًا أكبر من المنفعة. ويحتاج التفاوض إلى تحديد ما يمكن تبادله وما يجب حمايته بحقوق وقواعد مستقرة.
كيف يصبح الموقع قدرة على الاختيار؟
ليست «دولة الجسر» صفة تتحقق بإعلان الرغبة في علاقات جيدة مع الجميع. تحتاج إلى التزام يمكن للشركاء توقعه، وإلى قدرة على تنفيذ الاتفاقات، وإلى حدود واضحة تمنع تحول الاتصال إلى أداة لفرض قرار خارجي. يمكن للدبلوماسية أن توسع الخيارات حين تسندها خدمات وقواعد موثوقة؛ أما إذا انفصلت الوعود عن التنفيذ، فقد تستهلك الثقة بدل تحويل الموقع إلى نفوذ.
أرى أن التقييم العراقي ينبغي أن يبدأ بثلاث نتائج قابلة للفحص داخل كل مشروع اتصال: استمرار الوظيفة عند اضطراب محدود، وإفادة الاقتصاد المحلي، وقدرة الدولة على تعديل الترتيب من دون كلفة غير محتملة. لا تقدم هذه المعايير ترتيبًا جاهزًا للمشروعات، لكنها تمنع استخدام عبارة «الموقع الاستراتيجي» بدل دراسة الكلفة والطلب والبدائل. ويكملها النقاش في مقترح الكمارك وتسهيل التجارة، بوصفه نصًا مقترحًا لتنظيم جزء من هذه العلاقة.
الجغرافيا العراقية ليست وعدًا بالازدهار ولا حكمًا دائمًا بالاضطراب. إنها مجموعة إمكانات وقيود تتغير قيمتها بحسب طريقة إدارتها. والتحدي الأهم في السنوات المقبلة هو أن يُبنى كل اتصال خارجي على وظيفة داخلية قابلة للاستمرار، بحيث لا يصبح العراق مجرد مساحة تمر عبرها التجارة والصدمات، بل دولة تستطيع الانتفاع من الأولى وتقليل أثر الثانية.
