العلاقة المدنية العسكرية: كيف تكون القوات قوية وغير مسيسة؟
في التقرير السنوي عن عام 2025، الذي قُدِّم إلى البوندستاغ في 3 آذار 2026، تناول المفوض البرلماني للقوات المسلحة الألمانية الفجوة بين توفير الموارد وتحويلها إلى جاهزية فعلية، إلى جانب مشكلات الأفراد والتجهيز والإجراءات وحقوق العاملين في القوات. يلفت هذا المثال إلى معنى الرقابة: زيادة الإنفاق لا تجيب وحدها عن سؤال القدرة، ونقد الخلل المؤسسي قد يكون وسيلة لتقوية القوات لا لإضعافها. لكنه لا يقدم وصفة ألمانية جاهزة للعراق، ولا يثبت أن المؤسسة التي تنشر تقريرًا قد عالجت جميع مشكلاتها. التقرير السنوي 2025 للمفوض البرلماني.
في العراق، يحتاج النقاش حول العلاقة المدنية العسكرية إلى تجاوز مفاضلة مضللة بين قوات قوية ورقابة مدنية فعالة. السؤال الأدق هو كيف تُبنى قوة قادرة على أداء مهمتها، لا تتغير وجهتها مع المنافسة الحزبية، وتبقى خاضعة لسلطة دستورية مسؤولة. من يحدد الغاية السياسية؟ ومن يقدم التقدير المهني؟ وكيف يُحمى الضابط من التسييس من دون منحه حق تعطيل القرار المشروع؟ الإجابة تقتضي فصل ثلاثة أمور كثيرًا ما تندمج في الخطاب: القيادة المدنية، والولاء الحزبي، والاحتراف العسكري.
القيادة المدنية ليست ملكية حزبية للقوات
يضع الدستور العراقي القوات المسلحة والأجهزة الأمنية تحت قيادة السلطة المدنية، ويمنع تدخلها في الشؤون السياسية ودورها في تداول السلطة. ويميز في الوقت نفسه بين قيود النشاط السياسي للعسكري واحتفاظه بالتصويت. كما ينظم موقع رئيس مجلس الوزراء قائدًا عامًا للقوات المسلحة ودور مجلس النواب في إقرار تعيين قيادات محددة. هذه قواعد لتوزيع السلطة وضبط استخدامها، وليست دليلًا بذاتها على اكتمال تطبيق الحياد في الواقع. المواد 9 و61 و78 من دستور العراق.
الفرق الجوهري هنا أن الحكومة تملك صلاحية قيادة القوات ضمن الدستور، ولا تملك تحويلها إلى امتداد انتخابي أو تنظيمي للقوى التي تشكلها. فالقيادة المدنية تتعلق بمصدر التفويض وحدوده ومسؤوليته العامة، بينما الولاء الحزبي يربط المسار المهني بمصلحة طرف سياسي. قد يتشابه الأمران ظاهريًا عندما يصدر التوجيه من مسؤول مدني، لكنهما يختلفان في الغاية ومعيار الاختيار وإمكان المساءلة. ولذلك لا يكفي سؤال «هل الآمر مدني؟»، بل ينبغي السؤال أيضًا: بأي صلاحية، ولأي مهمة، وتحت أي رقابة؟
وتحتاج القوات بدورها إلى حدود واضحة لدورها المهني. من حق المؤسسة العسكرية، بل من واجبها، أن تعرض كلفة الخيارات ومخاطرها وحدود قدرتها على التنفيذ. لكن امتلاك خبرة متخصصة لا يمنحها حق تحديد الغايات الوطنية منفردة أو تقرير شرعية المنافسة السياسية. فاختيار مستوى المخاطر المقبول وتوزيع الموارد بين الدفاع والخدمات والعلاقات الخارجية مسائل عامة تتجاوز اختصاصًا مهنيًا واحدًا. قوة التقدير العسكري تأتي من صدقه وقابليته للاختبار، لا من تحوله إلى قرار سياسي لا يراجع.
ويمكن تصور حالة افتراضية يطلب فيها مسؤول نتيجة سريعة، بينما يبين التقييم المهني أن الموارد المتاحة لا تكفي. أمام المؤسسة ثلاثة مسارات: مجاملة التوقع السياسي، أو رفض الحوار كليًا، أو تقديم بدائل موثقة توضح ما يمكن تحقيقه وشروطه. الثالث هو الأقرب إلى الاحتراف، لأنه لا يسلب القيادة المدنية حق الاختيار ولا يخفي عنها الثمن. أما تحويل التقييم إلى اختبار ولاء فيشجع تقارير مطمئنة، وقد يجعل العجز يظهر عند التنفيذ حين تصبح كلفة التصحيح أعلى.
الحياد يبدأ من المسار المهني والموازنة
لا ينشأ الحياد بأمر عام يمنع الحديث في السياسة بينما تبقى الترقية والتكليف والتقييم مرتبطة بالوساطة. إذا شعر العسكري أن مستقبله يتوقف على رضا شبكة خارج تسلسل المسؤولية القانوني، فسيتكون حافز لمراعاتها حتى دون توجيه مكتوب. هذه علاقة سببية محتملة ينبغي فحصها بالأدلة، وليست اتهامًا عامًا للعاملين في القوات. ومعالجتها تتطلب معايير معلنة داخل المؤسسة للكفاءة والخبرة والانضباط والنزاهة، مع مراجعة عادلة للقرارات التي تؤثر في المسار المهني.
ولا تعني المعايير إلغاء مساحة التقدير القيادي؛ فالوظائف المختلفة تحتاج خبرات مختلفة، ولا تختزل الكفاءة في الأقدمية أو شهادة واحدة. لكنها تلزم صاحب الاختيار بتفسير ملاءمة المرشح للمهمة، وتتيح للرقابة اكتشاف التكرار غير المبرر للاستثناءات. ومن الضروري كذلك ألا تصبح إجراءات الاعتراض طريقًا لتعطيل كل تعيين. يمكن الفصل بين استمرار العمل ومراجعة سلامة القرار ضمن مدد ومسؤوليات محددة، حتى لا يُستعمل الانضباط لإغلاق الشكوى، أو تستعمل الشكوى لإلغاء الانضباط.
وتظهر المعادلة نفسها في الموازنة. فالميزانية الكبيرة قد تمول قدرة مفيدة، وقد توزع على بنود لا تتناسب مع الأولويات. لذلك ينبغي أن يسأل النقاش المدني عن العلاقة بين المهمة والموارد والنتيجة، لا عن الرقم الإجمالي وحده. وقد يكون تحسين الصيانة والتدريب وإدارة الأفراد أكثر ارتباطًا بمشكلة محددة من إضافة تجهيز جديد، لكن الحكم هنا يتطلب تقييمًا مهنيًا لكل حالة، ولا يصح تحويل هذا الاحتمال إلى قاعدة شراء عامة. الرقابة الجيدة تطلب الدليل الذي يربط النفقة بالغرض.
وفي هذا السياق تقدم مدونة منظمة الأمن والتعاون في أوروبا لعام 1994 معيارًا مقارنًا يربط السيطرة الديمقراطية بسلطات دستورية واضحة، والرقابة التشريعية على الإنفاق، والحياد السياسي للقوات والمسؤولية القانونية الفردية. وهي التزامات في إطار الدول المشاركة، وليست أساسًا لادعاء التزام عراقي تلقائي بها. فائدتها التحليلية أن الحياد والتمويل والمساءلة عناصر مترابطة، لا ملفات منفصلة تعالجها مؤسسة واحدة. مدونة الجوانب السياسية العسكرية للأمن، الفقرات 20–23 و30.
رقابة تفهم المؤسسة وتحمي صدق المعلومات
الرقابة المدنية الضعيفة مهنيًا معرضة لاتجاهين متعاكسين: التصديق الكامل لما يقدم إليها، أو الاعتراض على كل تفصيل لإظهار الاستقلال. وكلاهما يقلل جودة القرار. يحتاج البرلمان والجهات الرقابية إلى قدرة مستمرة على قراءة الموازنات وتقييم البرامج وفهم حدود المؤشرات، مع الاستعانة بخبرة متخصصة تخضع بدورها لقواعد تضارب المصالح. وتزداد فائدة هذه القدرة حين تُحفظ داخل المؤسسات بدل أن تتبدد بتغير أعضاء اللجان أو مكاتب المسؤولين.
كما يجب التمييز بين سرية معلومة لحماية مصلحة مشروعة، وسرية تمنع معرفة من اتخذ القرار أو كيف أُنفقت الموارد. ليس المطلوب نشر تفاصيل قد تعرض أفرادًا أو عمليات للخطر، بل بناء مستويات وصول تتيح للجهة المختصة التحقق، مع إعلان ما يمكن إعلانه من نتائج عامة. ومن المفيد أن يكون للاستثناء من الإفصاح سبب وسقف مراجعة، لأن السرية المفتوحة زمنيًا قد تمنع التعلم من قرار انتهت ضروراته، وتحول الخطأ السابق إلى خطر يتكرر.
ويقدم التقرير البرلماني الألماني المشار إليه مدخلًا لفهم وظيفة الشكوى داخل المؤسسة: قدرة النظام على الاستماع إلى مشكلات العاملين ليست نقيض القدرة على قيادتهم. والأهم للعراق هو المبدأ المؤسسي القابل للتكييف، لا نسخ منصب أجنبي باسم جديد. فالشكوى التي تصل إلى جهة مختصة وتحصل على معالجة عادلة يمكن أن تكشف خللًا إداريًا قبل أن ينعكس على الأداء. أما إنشاء قناة إضافية لا تملك حماية صاحب الشكوى أو متابعة القرار فقد يزيد الأوراق دون أن يزيد الثقة.
وفي المقابل، ينبغي ألا تتحول حماية الاعتراض المهني إلى إعفاء من المسؤولية الفردية. من يعرض تحفظه على قرار وفق المسار القانوني يختلف عمن يختار العمل خارج الاختصاص أو يبرر مخالفة واضحة بمجرد وجود أمر. لا تحسم هذه المقالة الحالات القانونية التفصيلية، لكنها تؤكد أن التعليم والتأهيل يجب أن يوضحا حدود السلطة ومسالك طلب المراجعة. فالغموض يضر الآمر والمنفذ معًا، ويجعل المحاسبة بعد الواقعة بديلًا متأخرًا عن الوقاية المؤسسية.
قوة يمكن الاعتماد عليها عبر الحكومات
أقترح أن يبدأ التقييم العراقي من أسئلة قابلة للتحقق داخل المؤسسات: هل ترتبط الوظائف بمؤهلات محددة؟ هل يمكن تتبع أسباب القرارات المهنية والاستثناءات؟ هل يقدم التقدير العسكري بدائل فعلية ومخاطرها، أم يكتفي بتأكيد رغبة القيادة؟ وهل تتلقى الجهة المدنية الرقابية معلومات كافية ضمن ضوابط الحماية؟ هذه ليست وصفة عملياتية، بل طريقة لاختبار جودة العلاقة بين صاحب التفويض وصاحب الخبرة، وتحديد موضع الإصلاح قبل توسيع الهياكل.
ويجب أن يتدرج الإصلاح بحيث لا يخل باستمرار الخدمة أو يعاقب الأفراد على مشكلات النظام. يمكن البدء بمراجعة إجراءات التقييم والتظلم وحفظ القرار، ثم ربط برامج الإنفاق بمراجعة نتائج مستقلة بالقدر المناسب. وتحتاج كل خطوة إلى معيار نجاح ومسؤول معلوم، وإلى تمييز ما يمكن إصلاحه إداريًا مما يستلزم تعديلًا تشريعيًا. أما الاكتفاء بتغيير القيادات أو إطلاق شعار الاحتراف فلا يعالج الحوافز التي قد تعيد إنتاج المشكلة تحت أسماء جديدة.
النتيجة أن القوات القوية وغير المسيسة ليست قوات بلا رأي مهني، ولا قوات تختار السياسة العامة بنفسها. إنها مؤسسة تقدم الحقيقة للقيادة الدستورية، وتحصل على موارد ومهام قابلة للمواءمة، وتُقيَّم وفق القانون والأداء لا الولاء الحزبي. وتنجح القيادة المدنية حين تستطيع مساءلتها من دون إهانة خبرتها، وحمايتها من التسييس من دون تحصين أخطائها. بهذا يصبح استمرار القوة العراقية مرتبطًا بالمؤسسة والدولة، وقابلًا للاعتماد عليه مهما تغيرت الحكومات.
الاستشهاد بالمقال
علي زويد. العلاقة المدنية العسكرية: كيف تكون القوات قوية وغير مسيسة؟. 24 تشرين الأول 2026. https://alizuweid.com/articles/civil-military-relations-professional-forces/
