انتقل إلى المحتوى

الدولة والسيادة والقرار الاستراتيجي

المؤسسات الموازية ومشكلة ازدواج القرار

علي زويد

بقلم علي زويد · تاريخ المقال: · 7 دقائق قراءة

تخيل قرارًا حكوميًا استوفى توقيعاته القانونية، لكنه لا ينفذ قبل موافقة جهة لا تظهر في مساره الرسمي. وتخيل، في المقابل، هيئة مستقلة ترفض توجيهًا لأن القانون لا يمنح مصدره سلطة إصدار ذلك التوجيه. تبدو الحالتان من الخارج خلافًا بين مؤسسات، لكن الأولى قد تكشف مركز قرار موازٍ، بينما قد تكون الثانية ممارسة صحيحة للاستقلال. إذا عالجناهما بالطريقة نفسها، فقد نحافظ على ازدواج غير مشروع أو نهدم ضمانة قانونية ضرورية.

لهذا ينبغي أن يبدأ بحث المؤسسات الموازية في العراق من سؤال السلطة الفعلية، لا من عدد المكاتب والهيئات. من يستطيع الإذن بالفعل أو منعه؟ من يمول تنفيذه؟ ومن يُسأل إذا ترتب عليه ضرر؟ وما الذي يميز تعددًا مؤسسيًا يؤدي وظيفة عامة عن ازدواج يبدد المسؤولية؟ لا تفترض هذه المقالة مخالفة هيئة عراقية بعينها؛ إنها تقترح معيارًا للتحقق، لأن التشخيص الذي يساوي بين الاستقلال والفوضى قد ينتج مركزية أوسع من دون قرار أوضح.

الاستقلال القانوني لا يعني وجود حكومة ثانية

ينظم الدستور العراقي هيئات مستقلة، ويحدد صلاتها بالرقابة أو المساءلة، إلى جانب مسؤوليات القيادة التنفيذية. فالمواد 102–108 لا تصف فراغًا خارج الدولة، بل ترتيبات قانونية مختلفة داخلها. واستقلال البنك المركزي أو جهة رقابية، مثلًا، لا يعني أنها تملك تفويضًا عامًا ينافس مجلس الوزراء في جميع السياسات، كما لا يعني أن الحكومة تستطيع إلغاء اختصاصها كلما اختلفت معها. يلزم قراءة وظيفة كل هيئة والقانون المنظم لها، بدل استنتاج حدودها من كلمة «مستقلة» وحدها. دستور جمهورية العراق.

أستخدم مفهوم المؤسسة الموازية هنا وصفًا تحليليًا لترتيب يمارس سلطة فعلية تتجاوز اختصاصه المعلن أو تنافس المسار القانوني من دون مساءلة مكافئة. وقد يكون له مقر وموظفون، وقد يكون شبكة علاقات وتوجيهات لا تحمل اسمًا إداريًا. لذلك لا يكفي حذف مؤسسة من الهيكل التنظيمي لإزالة الازدواج؛ ربما تنتقل صلاحيتها غير المعلنة إلى داخل وزارة قائمة. وفي المقابل، يمكن وجود مؤسسات متعددة تتشارك ملفًا واحدًا بصورة مشروعة إذا كانت حدود دورها وطريقة حسم اختلافها واضحتين.

التمييز الحاسم هو بين حق مراجعة مقرر بالقانون وحق تعطيل مستتر. فالتدقيق المالي أو المراجعة القضائية يبطئان بعض القرارات لأنهما يحميان حقوقًا ومصالح عامة، وليس كل تأخير دليلًا على مؤسسة موازية. لكن حين يتوقف التنفيذ على موافقة لا يمكن تحديد سندها أو الطعن فيها، يفقد المتعامل القدرة على معرفة القاعدة. وقد يصبح الحصول على الاستثناء أكثر جدوى من استيفاء المتطلبات. هذه نتيجة تحليلية محتملة لغياب وضوح السلطة، ويجب إثبات وجودها وحجمها في كل حالة بالملفات والوقائع.

وتزداد المشكلة حين تتباعد ثلاثة مسارات: القرار الرسمي، والتمويل، والمعلومات. فقد يحمل مسؤول توقيع الإذن لكنه لا يملك البيانات اللازمة لتقييمه، أو يتحمل مسؤولية التنفيذ بينما تتقرر موارده في قناة أخرى. ليست جميع حالات الفصل خللًا؛ فصل الصرف عن الموافقة قد يكون ضمانة. الخلل يبدأ عندما لا توجد آلية معلومة تربط المسارات وتحدد مسؤولية كل طرف، فيصبح كل واحد قادرًا على تعطيل النتيجة من دون امتلاك مسؤولية كاملة عنها.

لماذا يستمر الازدواج رغم وضوح الهياكل؟

يساعد تقرير التنمية في العالم 2017 على تفسير الفارق بين شكل المؤسسة وفاعليتها: اختلال القوة والاستحواذ على القرار والزبائنية قد تعطل السياسات، بينما يتطلب الأداء التزامًا وتنسيقًا وتعاونًا. هذا إطار عام لفهم الحوافز، لا دليل على اتهام فرد أو جهة عراقية. قيمته أنه يدفعنا للسؤال عمن يستفيد من بقاء الغموض، وكيف تتوزع كلفة إصلاحه، بدل الاعتقاد بأن مخططًا تنظيميًا أجمل سيغيّر السلوك تلقائيًا. البنك الدولي: الحوكمة والقانون.

قد يستفيد مركز غير رسمي من التحكم في الاستثناءات، وقد تستفيد إدارة رسمية من إحالة القرارات الصعبة إلى غيرها لتجنب المساءلة. وفي حالة كهذه لا يكون الازدواج مفروضًا من خارج الجهاز فقط؛ قد يعيد الجهاز إنتاجه لأنه يوفر حماية قصيرة المدى لصاحب التوقيع. هذه فرضية مؤسسية تحتاج اختبارًا، لكنها تفسر لماذا يمكن أن يفشل التعميم الذي يطالب الجميع «بالالتزام بالصلاحيات»: إذا ظلت مكافأة تجنب المسؤولية أعلى من مكافأة اتخاذ قرار سليم، فسيبحث الفاعلون عن صيغة أخرى للممارسة نفسها.

وتؤثر المعلومة في ميزان السلطة بقدر تأثير المنصب. فالجهة التي تحتكر بيانات المشروع تستطيع تضييق البدائل المعروضة، حتى لو لم تكن صاحبة القرار النهائي. وإذا لم تُعرف مصادر البيانات وحدودها، قد تصادق الجهة الرسمية على استنتاج لا تستطيع فحصه. المعالجة ليست نشر كل معلومة أو جمعها كلها في مكتب واحد؛ إنها تمكين الجهات المختصة من الوصول القانوني إلى البيانات اللازمة، وتوثيق ما قدم منها وما حُجب ولماذا، مع حماية الخصوصية والمعلومات الحساسة.

وفي الجانب المالي، يتضمن تقرير صندوق النقد عن العراق لعام 2025 توصيات بشأن ضبط الإدارة المالية والرقابة على الالتزامات، ويعيد عرض توصية التحكم في الوصول إلى الأموال خارج الموازنة ومراقبته. يهمنا هنا المبدأ الرقابي، لا تحويل تقرير قديم إلى وصف مؤكد لنتائج 2026. فإمكان إنشاء التزام لا يظهر بوضوح لصانع الموازنة قد يخلق قرارًا ماليًا موازيًا حتى إن بقيت الأوراق مستوفية شكلها. ولا يثبت وجود صندوق خارج الموازنة، وحده، أنه غير قانوني؛ السؤال هو أساسه وسقفه ومعلوماته ومساءلته. تقرير مشاورات المادة الرابعة للعراق 2025، والملحق الأول.

درس التنسيق: تغيير الصناديق لا يكفي

قدمت مناقشات الولايات المتحدة بعد تقرير لجنة 11 أيلول مثالًا مختلفًا على مشكلة التنسيق. ففي شهادة بتاريخ 3 آب 2004، تناول مكتب المحاسبة الحكومي إعادة تنظيم السلطة التنفيذية وتبادل المعلومات وتحليلها. المقارنة هنا بين آليات تعاون أجهزة قانونية، وليست مساواة بينها وبين أي قوة تعمل خارج القانون. وهي مفيدة لتوضيح أن جمع الوظائف أو تعديل الرئاسة الإدارية لا يضمن وحده انتقال المعرفة إلى من يحتاجها في الوقت المناسب. شهادة GAO بشأن إعادة التنظيم وتبادل المعلومات.

إذا كانت المؤسسة تكافأ على حماية اختصاصها أكثر مما تكافأ على نجاح نتيجة مشتركة، فقد يستمر احتجاز المعلومات بعد الدمج. وقد يصبح النزاع بين مديريتين داخل وزارة واحدة بدل أن يكون بين وزارتين. لهذا يجب أن يرافق أي إعادة تنظيم تعريف للنتيجة المشتركة، ومسار لتسوية التعارض، ومعيار يبين ما يجب أن يقدمه كل طرف. فالدمج أداة محتملة لا غاية بذاته، وقد يكون التعاون المنظم بين جهتين أكثر كفاءة من جهاز كبير تتنافس أجزاؤه بصورة غير مرئية.

وهناك خطر مقابل في المبالغة بالتنسيق. فإذا أضفنا موافقة عليا إلى كل قرار بدعوى توحيد المرجعية، فقد ننشئ عنق زجاجة ونضعف الاختصاصات المهنية. كما قد تتحول لجنة التنسيق إلى جهة تنفيذ جديدة لا يعرف القانون حدودها. البديل هو تحديد ما يحتاج حسمًا مشتركًا فعلًا، وترك القرارات الاعتيادية لصاحب الاختصاص، مع إحالة النزاع المحدد إلى جهة معلومة. وضوح المسار يقلل الحاجة إلى التدخل الشخصي، ولا يمنع التعاون عند الضرورة.

إصلاح يجعل القرار قابلًا للتتبع

أقترح أن تبدأ المعالجة في ملف عام محدد برسم مساره الفعلي: من طلب القرار، ومن قدم المعلومات، ومن أجاز الالتزام، ومن يستطيع وقفه، ومن راجع النتيجة. ثم يقارن هذا المسار بالاختصاصات المنشورة. لا يستلزم ذلك افتراض سوء النية؛ فقد يكشف تأخرًا سببه نص متعارض أو غياب تفويض واضح. وقد يكشف ممارسة لا سند لها. الفرق مهم لأن الأول يحتاج إصلاحًا تنظيميًا أو قانونيًا، بينما تتطلب المخالفة معالجة ومساءلة وفق الإجراءات المختصة.

وتكون الخطوة التالية تقليل الاستثناءات غير المعللة، لا إلغاء المرونة الضرورية. يسجل الاستثناء وسببه ومدته وصاحب صلاحية إقراره وآثاره المالية، وتراجع أنماطه دوريًا. فإذا أصبح الاستثناء هو المسار المعتاد، فإما أن القاعدة سيئة وتحتاج تعديلًا معلنًا، أو أن هناك تجاوزًا يحتاج تصحيحًا. أما إبقاء قاعدة معطلة واستثناء دائم فيخلق سوقًا للوساطة ويضعف المساواة بين المتعاملين. هذه نتيجة متوقعة ينبغي اختبارها، لا رقمًا مثبتًا عن حجم الفساد في العراق.

ومن المهم قياس الإصلاح بما يحدث للمسؤولية، لا بعدد الهيئات الملغاة. هل أصبح صاحب القرار معلومًا؟ هل انخفض تكرار الموافقات المتناقضة؟ هل يمكن الطعن في الرفض وفق القانون؟ وهل تظهر الالتزامات للجهات المخولة بمراقبتها؟ ويمكن أن تؤدي الإجابات إلى الإبقاء على هيئة مستقلة مع توضيح علاقتها بغيرها، أو تعديل تفويض، أو وقف ممارسة غير مشروعة. ولا يصح تحديد الحل مسبقًا ثم جمع الأدلة التي تؤيده فقط.

وعليه، لا تتحقق وحدة القرار العراقي بأن تقول مؤسسة واحدة كل شيء، بل بأن تُعرف حدود كل سلطة وتُربط القدرة على الإلزام بمسؤولية قابلة للفحص. المؤسسات المستقلة قد تقوي هذا النظام، والمراكز غير المسؤولة قد تضعفه حتى داخل هيكل موحد ظاهريًا. معالجة الازدواج تبدأ عندما يصبح المسار الحقيقي مرئيًا للرقابة المختصة، وتتوقف الحاجة إلى موافقات مستترة. عندها يمكن أن يعمل التنوع المؤسسي لمصلحة الدولة، بدل أن يتحول الغموض إلى مورد تتنافس عليه مراكز القرار.

علي زويد - باحث في الشؤون الاستراتيجية والأمن القومي

المصادر والمراجع الأساسية

  1. دستور العراق — الهيئات المستقلة والرقابة والقيادة
  2. البنك الدولي — تقرير التنمية في العالم 2017: الحوكمة والقانون
  3. مكتب المحاسبة الحكومي الأميركي — إعادة التنظيم وتبادل المعلومات
  4. صندوق النقد — مشاورات العراق 2025: تقرير الخبراء
الاستشهاد بالمقال

علي زويد. المؤسسات الموازية ومشكلة ازدواج القرار. 25 تشرين الأول 2026. https://alizuweid.com/articles/iraq-parallel-institutions-dual-decision/

عم تبحث؟

ابحث في المحتوى المنشور على الموقع.