انتقل إلى المحتوى

الدولة والسيادة والقرار الاستراتيجي

الشرعية والثقة: لماذا تحتاج القوة إلى قبول مؤسسي؟

علي زويد

بقلم علي زويد · تاريخ المقال: · 8 دقائق قراءة

في نتائج مسح الثقة المنشورة في يونيو 2026، أفادت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بأن 40% من المشاركين عبر دول المنظمة المشاركة في المسح يبدون ثقة مرتفعة أو مرتفعة نسبيًا بحكوماتهم الوطنية، مقابل 43% بثقة منخفضة أو معدومة. البيانات جُمعت في 2025، ولا تشمل العراق. أهميتها للعراق ليست استيراد النسبة، وإنما ملاحظة أن امتلاك مؤسسات مستقرة نسبيًا لا يغني عن سؤال قبول الناس بها. وتذكر النتائج أن الثقة بالشرطة والمحاكم تكون أعلى من الثقة بالحكومة الوطنية في معظم البلدان المشاركة. OECD: نتائج مسح الثقة 2026.

يفرض هذا التفاوت التمييز بين الحكومة والمؤسسة، وبين الرضا عن قرار وبين الاعتراف بحق الجهة المختصة في اتخاذه ضمن القانون. يمكن لمواطن أن يرفض سياسة حكومية ثم يلجأ بثقة إلى المحكمة للطعن فيها. ويمكنه، في المقابل، أن يؤيد قرارًا شعبيًا لكنه لا يثق بأن الإجراء سيبقى عادلًا عندما يتغير الطرف المستفيد. بالنسبة للعراق، تصبح المسألة أمنية حين يؤثر هذا الفرق في استعداد الناس للاحتكام إلى مؤسسات عامة، وفي كلفة تنفيذ القرار، وفي قدرة الدولة على الاستمرار خلال خلاف سياسي أو ضغط اجتماعي.

الشرعية لا تختزل في التصفيق

يقرر الدستور العراقي في المادة الخامسة أن الشعب مصدر السلطات وشرعيتها، يمارسها بالاقتراع وبالمؤسسات الدستورية. لا يساوي هذا النص بين رضا لحظي وبين شرعية كل إجراء، ولا يجعل وجود سلطة منتخبة إعفاءً من القواعد. فالانتخاب يحدد طريقًا لاكتساب السلطة، بينما يظل استخدامها مقيدًا بالاختصاصات والحقوق والإجراءات. لذلك فإن قياس الثقة لا يحل محل الشرعية الدستورية، كما أن الاستناد إلى الشرعية لا يلغي الحاجة إلى تفسير الأداء ومحاسبته. الخلط بين المستويين يسمح إما بتقديس القرار أو بنزع المشروعية عن كل قرار غير محبوب. الدستور العراقي، المادة 5.

المؤسسة الموثوقة تستطيع أن تتخذ قرارًا مكلفًا على بعض الناس وتوضح أساسه وتتيح الاعتراض عليه. أما المؤسسة التي تعتمد على الرضا الآني فقد تؤجل القرار الضروري أو تطبقه على فئة يسهل الضغط عليها. هذا فرق تحليلي بين الثقة والتأييد؛ الأولى تتعلق بتوقع سلوك منضبط حتى عند الخلاف، والثاني قد يرتبط بمنفعة مباشرة أو موقف سياسي. وبناء عليه، لا ينبغي أن يكون هدف مؤسسة أمنية تعظيم شعبيتها بأي وسيلة، بل أن يعرف المواطن حدود سلطتها وأن يجد مسارًا فعليًا عندما تتجاوزها.

تتضح كلفة الخلط عندما تُعامل الشكوى باعتبارها اعتداءً على هيبة الدولة. قد تكشف الشكوى خطأ فرديًا أو إجراءً معيبًا أو توقعًا غير واقعي لدى المشتكي، ولا يمكن معرفة ذلك قبل فحصها. إغلاق الطريق أمامها يحرم المؤسسة من معلومة، ويدفع النزاع إلى وسائط أخرى أقل قابلية للتحقق. لكن استقبالها لا يعني تصديق كل ادعاء أو إدانة الموظف مسبقًا. الشرط المهني هو حماية مقدمها من الانتقام وحماية الموظف من الاتهام غير المثبت، ضمن إجراء يعرف الطرفان مراحله والجهة المسؤولة عنه.

القوة والقبول يؤديان وظيفتين مختلفتين

تشرح وزارة الداخلية البريطانية مبدأ العمل الشرطي بالقبول العام من خلال الحياد والتعاون مع الجمهور وقصر القوة على القدر الضروري. وتوضح أن المقصود قبول عام، لا حق الفرد في الانسحاب من تطبيق القانون متى شاء. يهم هذا التمييز العراق لأن الحديث عن الثقة قد يُفهم خطأً بوصفه اشتراط موافقة كل شخص قبل إنفاذ القانون. القاعدة العامة ملزمة، لكن طريقة تطبيقها تستطيع أن توسع التعاون أو تضعفه. هذه مبادئ معلنة، وليست شهادة بأن الشرطة البريطانية تلتزم بها في كل واقعة. وزارة الداخلية البريطانية: العمل الشرطي بالقبول العام.

المثال البريطاني نفسه يختبر حدود الاكتفاء بالمبدأ. ففي مارس 2023 خلصت مراجعة كيسي المستقلة إلى وجود عنصرية وكراهية للنساء ورهاب للمثلية على مستوى مؤسسي داخل شرطة العاصمة. يتعلق الاستنتاج بمؤسسة محددة وفي زمن التقرير، ولا يصف كل أجهزة الشرطة البريطانية أو نتيجة إصلاحاتها حتى اليوم. لكنه يبين أن تقاليد معلنة في القبول والحياد لا تمنع انحراف الثقافة الداخلية، وأن لغة المؤسسة عن نفسها تحتاج إلى اختبار مستقل. التقرير النهائي لمراجعة كيسي، 2023.

الدرس للعراق ليس نسخ شكل الشرطة البريطانية أو افتراض تطابق مشكلات المجتمعين. الجزء القابل للنقل هو ربط الادعاء المؤسسي بآلية تسمح بفحصه، حتى حين تكون النتيجة محرجة. وإذا اقتصرت الرقابة على التحقق من وجود تعليمات مكتوبة، فقد تبقى الممارسة المخالفة مستقرة خلفها. يلزم فحص ما يحدث للشكوى بعد تسجيلها، وهل توجد عوائق أمام الشهود، وهل يتعلم الجهاز من نمط يتكرر. كما ينبغي أن تميز المراجعة بين إثبات خلل وبين قياس مدى انتشاره؛ فلا تكفي واقعة واحدة للحكم على الجميع، ولا يكفي وصفها بالفردية لإغلاق البحث.

لماذا لا تكفي الخدمة الجيدة وحدها؟

تشير نتائج OECD إلى ارتباط الثقة بتصور الناس عن جودة صنع القرار والانفتاح والنزاهة. هذا ارتباط مسحي، وليس تجربة تثبت أن إجراءً واحدًا سيرفع الثقة بنسبة محددة في العراق. ويمكن استخلاص فرضية تستحق الاختبار: قد تتحسن خدمة مباشرة بينما يبقى الاعتقاد بأن القرارات الكبرى تُتخذ بطريقة غير عادلة. لذلك لا ينبغي استعمال افتتاح مشروع أو تقصير معاملة دليلًا تلقائيًا على قبول مؤسسي شامل. لكل مؤسسة تجربتها مع المواطنين، ولكل مستوى من القرار أسئلته عن توزيع الكلفة والمنفعة. OECD: محركات الثقة وحدود القراءة السببية.

في الحالة العراقية، تقترح هذه الفرضية فصل تقييم التعامل اليومي عن تقييم عدالة السياسة. قد يجيب مراجع دائرة بأنه عومل باحترام، ثم يعترض على شرط استحقاق يستبعده؛ وقد يقبل الشرط لكنه يتضرر من إذلال أثناء تطبيقه. إذا جُمعت الإجابتان في سؤال واحد عن «الرضا»، ضاعت إمكانية العلاج المحدد. كذلك لا تكفي زيادة عدد المراجعين الراضين إذا كان الأكثر تضررًا قد توقفوا عن مراجعة المؤسسة أصلًا. ينبغي أن تشمل المعرفة من يستخدم الخدمة ومن يتجنبها وأسباب ذلك، مع حماية المشاركين من أي أثر على معاملاتهم.

ويجب ألا تُحمّل المؤسسات الأمنية مسؤولية إنتاج الرضا عن كل سياسة اقتصادية أو اجتماعية. دورها يختلف عن دور الحكومة في توزيع الموارد، وإن كانت تتأثر بالاحتجاج على تلك السياسات. تؤكد المادة التاسعة من الدستور خضوع القوات للسلطة المدنية وعدم تدخلها في الشؤون السياسية أو تداول السلطة. تحويلها إلى جهة تدافع عن شعبية المسؤول يطمس هذا الحد، بينما يحميها الفصل المهني من أن تتغير علاقة الناس بها مع كل دورة سياسية. وهذا لا يعفي القيادة المدنية من المساءلة؛ بل يوضح من يقرر ومن ينفذ وما الحدود التي تضبط الطرفين. الدستور، المادة 9.

قبول يمكن التحقق منه

أقترح أن تبدأ المؤسسات العراقية المعنية بمسار ضيق ومعلن لمراجعة تجربة المواطن في إجراءات متكررة، لا بحملة علاقات عامة وطنية. يُختار الإجراء بحسب عدد المتأثرين واحتمال المساس بحقوقهم، ثم تُفحص وضوح أسبابه، وإمكان معرفة مدته، وطريقة الاعتراض، وسلوك الموظف، ومآل الشكوى. تجمع المعلومات جهة تملك استقلالًا مهنيًا وصلاحية وصول مناسبة، وتنشر نتائج عامة لا تكشف الأفراد. الهدف معرفة موضع قابل للإصلاح، وليس إنتاج ترتيب دعائي بين مؤسسات تتعامل مع أعباء ومخاطر مختلفة.

إذا أظهرت المراجعة ارتفاع الشكاوى بعد فتح قناة آمنة، فلا يصح إعلان أن الأداء ساء تلقائيًا؛ فقد تكون القناة كشفت ما كان مخفيًا. وإذا انخفضت الشكاوى، فقد يعني ذلك تحسنًا أو خوفًا أو صعوبة وصول. لهذا يحتاج المؤشر إلى قراءة مع زمن المعالجة ونوعية النتائج وتجربة من تقدموا ومن امتنعوا. ويجب أن يكون نشر الأرقام مصحوبًا بتفسير منهجي مختصر، لا بتبرير جاهز لكل نتيجة. الثقة في القياس تنشأ حين تعترف المؤسسة باحتمالات لا تخدم صورتها أيضًا.

والإجراء التصحيحي ينبغي أن يغير العلاقة الفعلية: تسبيب قرار كان غامضًا، أو إزالة شرط لا سند له، أو حماية موظف رفض تدخلًا، أو إحالة تجاوز مثبت إلى المساءلة. أما التدريب العام الذي لا يتصل بخلل محدد فقد يستهلك الوقت دون أثر يمكن فحصه. وأرى أن معيار النجاح الأول هو تنفيذ التصحيح المعلن في موعد معلوم، ثم التحقق من عدم تكرار المشكلة بالشكل نفسه. لا يعني ذلك أن الجمهور سيمنح ثقته فورًا؛ فتجارب متراكمة قد تحتاج سلسلة من الوقائع المتسقة قبل أن تتغير التوقعات.

تظل القوة ضرورية في مواجهة العنف وحماية الحقوق، ولا يستنتج من هذا التحليل أن الحوار يغني عنها في كل حالة. لكن استخدامها المشروع يجب أن يبقى قابلًا للمراجعة وفق القانون، وألا تتحول الاستجابة الاستثنائية إلى طريقة إدارة دائمة. فالقبول المؤسسي لا يطلب من الدولة التنازل عن سلطتها، بل يطلب منها أن تجعل حدود تلك السلطة وغاياتها قابلة للفهم. وعندما يفشل إجراء في تحقيق غرضه أو يصيب غير المعنيين، تكون القدرة على الاعتراف والتصحيح جزءًا من الكفاءة، لا تنازلًا عن الهيبة.

لا تمنح النسب الدولية العراق وصفة جاهزة ولا حكمًا على ثقة مواطنيه. ما تمنحه هو سبب لقياس العلاقة بدل افتراضها، ولتمييز المؤسسة عن صاحب المنصب، والطاعة عن الاقتناع بعدالة الإجراء. القوة التي تحتاج في كل مرة إلى تعطيل الاعتراض كي تُنفذ قرارًا تستهلك ما تحتاجه للاستمرار. أما المؤسسة التي تستطيع سماع الاعتراض وتصحيح الخطأ مع إنفاذ القانون، فتمنح الدولة موردًا أصعب شراءً من المعدات: قبولًا يبقى ممكنًا حتى عند الخلاف.

علي زويد - باحث في الشؤون الاستراتيجية والأمن القومي

المصادر والمراجع الأساسية

  1. نتائج مسح OECD لمحركات الثقة في المؤسسات العامة 2026 — OECD (2026-06-29)
  2. دستور جمهورية العراق لعام 2005 — مجلس القضاء الأعلى العراقي (2005)
  3. تعريف العمل الشرطي بالقبول العام — UK Home Office (2012-12-10)
  4. مراجعة كيسي المستقلة لثقافة شرطة العاصمة البريطانية ومعاييرها — Baroness Casey Review / Metropolitan Police (2023-03-21)
الاستشهاد بالمقال

علي زويد. الشرعية والثقة: لماذا تحتاج القوة إلى قبول مؤسسي؟. 29 تشرين الأول 2026. https://alizuweid.com/articles/institutional-legitimacy-trust-and-force/

عم تبحث؟

ابحث في المحتوى المنشور على الموقع.