من يملك القرار السيادي في الدولة الدستورية؟
حين يقال إن اتفاقًا أمنيًا أو قرارًا خارجيًا «قرار سيادي»، تُستخدم العبارة أحيانًا كأنها تنهي السؤال عن الجهة التي اتخذته. لكنها تفتحه. ففي العراق، حيث أعاد بيان مجلس النواب في 30 أيلول 2026 طرح الانتقال من مهمة التحالف إلى تعاون قائم على المصالح المشتركة، تصبح معرفة مسار القرار جزءًا من حماية الاستقلال نفسه. لا تكفي وطنية الغاية لإثبات صحة الاختصاص، ولا تجعل أهمية الملف صاحبه خارج حدود التفويض. [1]
قد يبدو توزيع الصلاحيات عائقًا أمام السرعة، خصوصًا في الأزمات. غير أن القرار الذي لا يعرف الناس من أجازه، ومن قدّر كلفته، ومن يراجع نتائجه، يحمل مخاطرة أخرى: يستطيع كل طرف ادعاء الفضل عند النجاح وإحالة المسؤولية إلى غيره عند الإخفاق. ولهذا يختلف سؤال من يمثل العراق في اجتماع عن سؤال من يملك إقرار التزام طويل الأمد باسمه. الأول قد تكون إجابته شخصًا مفوضًا؛ أما الثاني فيقتضي النظر إلى سلسلة مؤسسات وقواعد وإجراءات.
الشعب مصدر الشرعية، والاختصاص ليس ملكية شخصية
تربط المادة الخامسة من الدستور العراقي مصدر السلطات وشرعيتها بالشعب، وتحدد ممارسة هذه السلطة عبر الاقتراع والمؤسسات الدستورية، مع السيادة للقانون. وتنظم المادة 47 السلطات الاتحادية على أساس الفصل بين التشريعية والتنفيذية والقضائية. لا تعني النتيجة وجود ثلاثة أصحاب لسيادات متنافسة، وإنما توزيع وظائف الدولة حتى لا تصبح إرادة شخص أو أغلبية مؤقتة هي المعيار الوحيد لمشروعية التصرف. [2]
الانتخاب يمنح تفويضًا مهمًا، لكنه لا يمنح كل سلطة جميع الصلاحيات. البرلمان لا يصبح قيادة تنفيذية لأن أعضاءه منتخبون، والحكومة لا تستغني عن التشريع لأنها حصلت على الثقة. وكذلك لا يتولى القضاء اختيار السياسة الأفضل اقتصاديًا أو دبلوماسيًا لمجرد امتلاكه سلطة الرقابة على المشروعية. يتطلب الفصل النافع معرفة وظيفة كل جهة، لا تحويل الفصل إلى امتناع دائم عن التعاون أو استخدام الاختصاص لإلقاء العبء على الآخرين.
يمكن قراءة المادة 78، التي تجعل رئيس مجلس الوزراء المسؤول التنفيذي المباشر عن السياسة العامة والقائد العام للقوات المسلحة، إلى جانب المادة 80 الخاصة بمجلس الوزراء، لا بدلًا منها. فالمجلس يخطط السياسة وينفذها، ويعد مشروع الموازنة، ويتفاوض بشأن الاتفاقات والمعاهدات ويوقعها أو يخوّل من يقوم بذلك. معنى القيادة هنا أن هناك مسؤولية مباشرة عن العمل التنفيذي داخل إطار دستوري، وليس أن كل قرار تترتب عليه نتيجة أمنية يدخل تلقائيًا في اختصاص شخص واحد.
قرار الحرب يكشف الفرق بين القيادة والتفويض
تجعل المادة 61/تاسعًا الموافقة على إعلان الحرب وحالة الطوارئ بأغلبية الثلثين بناءً على طلب مشترك من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء. وتنص على مدة لحالة الطوارئ وموافقة على تمديدها، وعلى عرض الإجراءات والنتائج أمام البرلمان بعد انتهائها. هذا مثال محدد على أن القدرة التنفيذية الاستثنائية لا تلغي مصدر الإذن ولا المراجعة اللاحقة. وقراءة هذه القواعد لا تعني مساواة كل إجراء أمني أو تعاون تدريبي بإعلان حرب؛ لكل تصرف وصفه القانوني الذي ينبغي تحديده أولًا.
هذا التمييز مهم عمليًا. عندما تختلط إدارة مهمة قائمة بإنشاء التزام جديد، قد تتوسع الصلاحية من دون أن ينتبه أحد إلى لحظة الانتقال. يمكن أن يبدأ الأمر بترتيب فني محدود، ثم تضاف إليه كلفة مالية أو مدة أو ضمانات تغير طبيعته. الحل الذي أقترحه هو أن ترفق المؤسسة المختصة بالقرار بيانًا موجزًا عن أساسه القانوني، ونطاق التفويض، وحدوده الزمنية والمالية، والجهة التي يجب الرجوع إليها إذا تغيرت هذه الحدود.
ويظهر الأمر نفسه في المعاهدات. فالتفاوض والتوقيع، وتنظيم المصادقة قانونًا، والتصديق الدستوري، مراحل لا يجوز اختزالها في صورة توقيع. المادة 61/رابعًا تشترط أغلبية الثلثين للقانون الذي ينظم عملية المصادقة على المعاهدات والاتفاقيات، بينما تتناول المادة 73 تصديق رئيس الجمهورية بعد موافقة مجلس النواب. لا يصح تحويل العبارة الأولى إلى قاعدة مبسطة تقول إن كل اتفاق، مهما كان نوعه، يحتاج تلقائيًا التصويت ذاته؛ يلزم فحص النص القانوني وطبيعة الالتزام والإجراءات المقررة له. [2]
أما الموازنة فتجعل القرار قابلًا للاختبار بطريقة أخرى. تستطيع مؤسسة إعلان هدف واسع، لكن الموارد التي يتطلبها يجب أن تدخل مسارًا ماليًا معلومًا. تنص المادة 62 على تقديم مجلس الوزراء مشروع الموازنة والحساب الختامي إلى مجلس النواب. لذلك ينبغي أن تُقرأ الالتزامات الاستراتيجية مع كلفتها المتكررة والصيانة والتدريب، لا مع ثمن البداية فقط. هذه قراءة تحليلية للعلاقة بين التفويض والقدرة على التنفيذ؛ ليست حكمًا على عقد بعينه أو ادعاء بوجود التزام غير قانوني محدد.
ما الذي تعلمنا إياه أزمة بريطانية؟
في أيلول 2019، قضت المحكمة العليا البريطانية بالإجماع بأن تعطيل البرلمان بناءً على مشورة رئيس الوزراء كان غير مشروع، لأنه عرقل وظائف البرلمان بلا تبرير معقول. وأبطلت أثر التعطيل. لم تحسم المحكمة السياسة المناسبة للخروج من الاتحاد الأوروبي؛ راجعت حدود الأداة التي استخدمتها الحكومة في ذلك النزاع. [3]
قيمة المثال للعراق في السؤال الذي يطرحه على مؤسساتنا، لا في استيراد الحكم البريطاني. قد تختلف أغلبية المواطنين والنواب بشأن مضمون سياسة ما، ومع ذلك تبقى هناك حاجة إلى جهة تستطيع اختبار مشروعية الإجراء الذي يمنع النقاش أو يغير شروطه. حين تحمي الرقابة إمكانية القرار المؤسسي، فهي لا تنازع المجتمع حق الاختيار؛ تحمي القواعد التي تجعله قابلًا للممارسة من جهاته المختصة.
لكن المقارنة لها حدود واضحة. يقوم النظام البريطاني على تاريخ دستوري وترتيبات لا تطابق الدستور العراقي المكتوب أو اتحاديته. في العراق، تعرض المادتان 93 و94 اختصاصات المحكمة الاتحادية العليا وأثر قراراتها، ويجب أن يُبحث كل نزاع ضمن هذا الإطار. كما أن وجود طريق قضائي لا يعوّض نقص المعلومات لدى البرلمان، ولا يحول المحكمة إلى جهاز يحسب عائد كل مشروع أو يختار كل شريك خارجي. سلامة القرار تحتاج وظائف متعددة تؤدى في وقتها، لا مؤسسة واحدة يُلقى عليها إصلاح كل خلل.
التنسيق الذي يحفظ المسؤولية
هناك اعتراض معقول: قد تستغرق هذه الإجراءات وقتًا لا تملكه الدولة. الجواب ليس تجاهل الكلفة الزمنية، وإنما التمييز بين إعداد يمكن إنجازه مسبقًا وتقدير لا بد منه عند وقوع الحدث. تستطيع الحكومة والبرلمان الاتفاق على متطلبات معلومات واضحة، وآجال للمراجعة، ومسارات تحفظ السرية المشروعة، من دون تحويل الاستعجال إلى إعفاء مفتوح. ويمكن إعداد بدائل وتقييمات قانونية في الظروف العادية كي لا تبدأ المؤسسة من الصفر عندما يضيق الوقت.
وفي المقابل، قد يصبح الإفراط في الموافقات وسيلة لتبديد المسؤولية أو للابتزاز بين الجهات. لذلك لا أدعو إلى إضافة توقيع جديد لكل توقيع قائم. المطلوب إزالة الموافقات التي لا تؤدي وظيفة قانونية أو رقابية، مع تثبيت نقطة واضحة للإذن ونقطة واضحة للمحاسبة. إذا طُلب رأي جهة، ينبغي أن يعرف الجميع هل هو استشارة أم موافقة ملزمة، وهل يوقف الإجراء أم يواكبه. الغموض في هذه الفروق يستهلك الوقت من دون أن ينتج حماية دستورية إضافية.
في تقديري، يكون القرار العراقي أقدر على الاستمرار عندما تملك المؤسسة المنفذة تفويضًا محددًا، وتملك المؤسسة الرقابية معلومات تكفي لاختباره، ويملك القضاء مجالًا لمراجعة المشروعية وفق اختصاصه. وقد تكون النتيجة رفض اتفاق، أو تعديله، أو إقراره. لا تحدد البنية الدستورية النتيجة مسبقًا، لكنها تقلل احتمال أن يتحول التزام باسم العراق إلى شأن لا يعرف العراقيون من يتحمل مسؤوليته.
لا يملك أحد القرار السيادي بوصفه ملكية شخصية. تمارس المؤسسات وظائفه نيابة عن المجتمع ووفق القانون. وتظهر قوة الدولة حين تستطيع أن تنسب القرار إلى جهة مختصة، وتشرح سبب اتخاذه، وتراجع أثره، ثم تصحح مساره من دون أن يصبح كل خلاف عليه نزاعًا على وجود الدولة نفسها.
الاستشهاد بالمقال
علي زويد. من يملك القرار السيادي في الدولة الدستورية؟. 21 تشرين الأول 2026. https://alizuweid.com/articles/constitutional-state-sovereign-decision/
