انتقل إلى المحتوى

الدولة والسيادة والقرار الاستراتيجي

السيادة في القرن الحادي والعشرين: الاستقلال لا يعني العزلة

علي زويد

بقلم علي زويد · تاريخ المقال: · 7 دقائق قراءة

في بيان صدر في 30 أيلول 2026، ربط مجلس النواب العراقي انتهاء مهمة التحالف الدولي باستمرار التعاون مع الدول الصديقة على أساس المصالح المشتركة. تستحق هذه الصلة التوقف عندها، لأن النقاش عن السيادة يميل أحيانًا إلى وضع الاستقلال والتعاون على طرفي نقيض. البيان يعرض اتجاهًا سياسيًا معلنًا، ولا يثبت بمفرده تفاصيل التنفيذ أو حجم الوجود الأجنبي المتبقي؛ لكنه يضع أمام العراق سؤالًا يتجاوز المناسبة: كيف نغير شكل العلاقة الخارجية بحيث تزيد قدرتنا على القرار بدل أن ننقل اعتمادنا من صيغة إلى أخرى؟ [1]

لا تستطيع دولة اختيار موقعها أو منابع مياهها أو الأسواق التي تحدد أسعار صادراتها. تستطيع، بدرجات متفاوتة، أن تؤثر في طريقة إدارة هذه العلاقات. لذلك لا أرى اختبار السيادة في عدد الاتفاقات التي نرفضها أو نوقعها، وإنما في القدرة التي تبقى للمؤسسات العراقية بعد التوقيع: هل تفهم التزاماتها؟ هل تملك بدائل قابلة للاستخدام؟ وهل تستطيع تحمل كلفة الاختلاف مع الشريك من دون تعطيل حاجات المجتمع الأساسية؟

الحق في القرار والقدرة على ممارسته

يتضمن الدستور العراقي نقطة انطلاق أكثر تركيبًا من شعار الاكتفاء بالذات. فالمادة الثامنة تجمع حسن الجوار وتسوية النزاعات سلميًا والمصالح المشتركة واحترام الالتزامات الدولية. وتضع المادة 110 رسم السياسة الخارجية والتفاوض بشأن المعاهدات ضمن الاختصاصات الاتحادية الحصرية. لا يجعل هذا التعاون تنازلًا تلقائيًا عن الاستقلال؛ يجعله ممارسة يجب أن تصدر عن مؤسسات مختصة، وأن تبقى قابلة للمساءلة داخل النظام الدستوري. [2]

المشكلة تبدأ عندما تتسع المسافة بين سلطة الدولة القانونية ووسائلها الفعلية. قد تملك حق رفض شرط تعاقدي، لكنها لا تعرف بديلًا للمورد أو لا تملك فنيين لتشغيل المعدات من دونه. وقد تملك منفذًا آخر على الخريطة، لكنه لا يستوعب الشحنات المطلوبة في الوقت المناسب. في الحالتين لا يختفي الحق القانوني؛ تضيق مساحة استخدامه. وهذه مسألة يمكن تحليلها عبر العقود والمهارات والوقت والكلفة بدل تحويلها إلى حكم على وطنية كل من يقبل التعاون أو يعترض عليه.

ومن هنا يفيد التمييز بين الاعتماد والتبعية. الاعتماد علاقة تحتاج فيها الأطراف موارد أو خدمات من غيرها، وقد يكون متبادلًا ومفيدًا. أما التبعية، بالمعنى التحليلي المستخدم هنا، فتظهر حين يصبح طرف قادرًا على فرض كلفة لا يستطيع الآخر تجنبها ضمن زمن مقبول. ليست كل علاقة غير متكافئة تبعية سياسية، لكن التركّز الشديد، وغياب البديل، وغموض الالتزام، عوامل تزيد احتمال تحول الخلاف التجاري أو الفني إلى ضغط على القرار العام.

الممرات تكشف معنى البديل الحقيقي

في 5 حزيران 2026 أعلن البنك الدولي الموافقة على تمويل بقيمة 900 مليون دولار لمشروع ممرات النقل الاقتصادية في العراق. ويشمل النطاق المعلن محورًا شماليًا باتجاه الحدود التركية ومحورًا غربيًا باتجاه سوريا والأردن. هذه موافقة تمويل ومراحل عمل مقررة، وليست شهادة بإنجاز الطرق أو تحقق العوائد. أهميتها لموضوع السيادة أن المشروع يتيح فحص الفرق بين تعدد الاتجاهات الخارجية وبين امتلاك قدرة عملية على استخدامها. [3]

فإذا اكتملت طريق ولم تتكامل معها إجراءات الحدود والصيانة ونظم الشحن، قد يبقى التحول بين المسارات صعبًا. وإذا امتلك العراق أكثر من طريق لكنه استورد جميع أنظمة تشغيلها من جهة واحدة بعقود لا تسمح بنقل المعرفة أو البيانات، يكون قد نوّع البنية الظاهرة وأبقى بعض نقاط الاعتماد. هذا احتمال تصميمي، وليس وصفًا لعقود المشروع المذكور؛ غايته تحديد ما ينبغي فحصه قبل إعلان أن الاستثمار أنتج استقلالًا اقتصاديًا إضافيًا.

كذلك لا تكون زيادة عدد الشركاء فضيلة بحد ذاتها. قد يؤدي توزيع منظومات متعارضة على موردين كثيرين إلى رفع كلفة الصيانة والتدريب وتعقيد التشغيل. البديل الذي يوسع القرار هو البديل المتوافق فنيًا والمتاح ماليًا، لا الاسم الإضافي في قائمة العلاقات. ولهذا يحتاج تقدير السيادة إلى فرق تستطيع الجمع بين الفحص القانوني والتجاري والهندسي، وإلى معلومات تصل إلى صاحب القرار قبل أن تصبح كلفة التراجع مرتفعة.

وتبرز في هذا الموضع قيمة الاستثمار المحلي. تدريب المهندسين، وحفظ السجلات لدى المؤسسة العراقية، وتحديد حقوق الوصول إلى البيانات، وتوفير الصيانة، أعمال قد تبدو أقل حضورًا من الاحتفال باتفاق جديد، لكنها تحدد من يستطيع تشغيل المرفق عند اختلاف المصالح. لا تعني هذه الإجراءات الاستغناء عن الخبرة الخارجية؛ تعني شراء خبرة ترفع القدرة العراقية بدل شراء خدمة لا تعمل إلا بحضور مقدمها الدائم.

النرويج: انفتاح له مكاسب وحدود

تقدم النرويج مقارنة مفيدة لأنها تشارك في السوق الأوروبية الداخلية عبر اتفاق المنطقة الاقتصادية الأوروبية الذي دخل حيز النفاذ في 1 كانون الثاني 1994. يشرح البرلمان النرويجي أن القواعد المشتركة تتجدد بإدراج تشريعات أوروبية ذات صلة، وأن ذلك يمر بآليات مشتركة وإجراءات داخلية. تتيح العلاقة وصولًا منظمًا إلى سوق واسعة، وتستلزم في الوقت نفسه قبول التزامات وتحديثات قانونية. ليست المسألة اختيارًا بين استقلال كامل بلا كلفة واندماج يمحو الدولة. [4]

ما أستخلصه من هذه البنية هو أن الدولة تستطيع استخدام التزام متبادل لتقليل عدم اليقين، لكنها تحتاج إلى معرفة الثمن المؤسسي لذلك. القاعدة المشتركة قد تقيد بعض الخيارات الوطنية، وقد تمنح الشركات والمواطنين حقوقًا أكثر استقرارًا في المقابل. تقييم الاتفاق يقتضي مقارنة هذين الأثرين ببديل واقعي، لا ببلد متخيل يدخل الأسواق ويعفي نفسه من قواعدها في الوقت ذاته.

لا تصلح التجربة النرويجية وصفة جاهزة للعراق. تختلف البيئة الأمنية، والقدرة الإدارية، وطبيعة الجوار، ومستوى الثقة بالقواعد. كما أن العراق لا يقف أمام خيار مطابق للعضوية في المنطقة الاقتصادية الأوروبية. الجزء القابل للاستفادة هو طريقة النقاش: عرض الالتزامات أمام المؤسسات المختصة، وتقدير المكاسب المقابلة، وتحديد ما تستطيع الدولة التأثير فيه وما تقبله مقابل منفعة أخرى. أما استعارة النتيجة الاقتصادية النرويجية بوصفها أثرًا للاتفاق وحده فتتجاوز الدليل.

سيادة يمكن تتبعها داخل المؤسسات

بالنسبة إلى العراق، أقترح أن يترافق كل التزام خارجي كبير مع تقييم معلن في حدود ما تسمح به السرية المشروعة. يوضح التقييم المشكلة التي يعالجها الاتفاق، والبدائل التي دُرست، والالتزامات المالية والتنظيمية، وما سيبقى من معرفة وقدرة داخل المؤسسة العراقية. ليست الغاية نشر التفاصيل الأمنية الحساسة، بل منع انتقال القرار من نقاش عام واسع إلى عقد لا يستطيع أحد تفسير تبعاته سوى أطراف قليلة.

ويحتاج هذا التقييم إلى متابعة بعد التوقيع. يمكن مقارنة زمن إنجاز الخدمة قبل المشروع وبعده، وكلفة الانتقال إلى مورد بديل، وقدرة الكادر المحلي على الاستمرار، ونسبة الالتزامات التي حُسمت من دون نزاع. هذه أمثلة لمقاييس مقترحة، وليست مؤشرات منشورة عن أداء العراق. فائدتها أنها تجعل النقاش قابلًا للتصحيح: إذا لم يحقق الاتفاق غايته، نعرف موضع الخلل بدل الاكتفاء بالتنازع حول عنوانه السياسي.

تبقى هناك مفاضلة لا يجوز إخفاؤها. بناء البدائل يكلف مالًا ووقتًا، وقد تكون المحافظة على سعة احتياطية غير مستخدمة أقل كفاءة في الظروف العادية. لكن غيابها قد يرفع الكلفة عند الأزمة. القرار الرشيد يحدد مقدار التأمين الذي يحتاجه المجتمع، ويوازن بينه وبين خدمات أخرى، ولا يطالب باستقلال مطلق في كل سلعة أو تقنية. كلما دق تعريف الاعتماد الحرج، أمكن توجيه الموارد إلى ما يحمي الاختيار فعلًا.

الانتقال من مهمة تحالف إلى ترتيبات تعاون جديدة ينجح حين تتغير قدرة الدولة العراقية، لا حين يتغير اسم العلاقة فقط. وفي تقديري، تكون السيادة أكثر رسوخًا عندما تعرف مؤسساتنا ما تريد، وتستطيع التفاوض عليه وتنفيذه ومراجعته، وتملك ما يكفي من البدائل كي لا يصبح الاختلاف مع الخارج أزمة داخلية شاملة. الانفتاح الذي يبني هذه القدرة يخدم الاستقلال؛ والانغلاق الذي يعطل التعلم والإنتاج قد يضيّقها.

علي زويد - باحث في الشؤون الاستراتيجية والأمن القومي

المصادر والمراجع الأساسية

  1. مجلس النواب العراقي — بيان 30 أيلول 2026
  2. دستور العراق — المادتان 8 و110
  3. البنك الدولي — تمويل ممرات النقل العراقية
  4. البرلمان النرويجي — اتفاق المنطقة الاقتصادية الأوروبية
الاستشهاد بالمقال

علي زويد. السيادة في القرن الحادي والعشرين: الاستقلال لا يعني العزلة. 20 تشرين الأول 2026. https://alizuweid.com/articles/sovereignty-independence-without-isolation/

عم تبحث؟

ابحث في المحتوى المنشور على الموقع.