انتقل إلى المحتوى

الدولة والسيادة والقرار الاستراتيجي

احتكار القوة المشروعة: ماذا يعني فعلا في دولة اتحادية؟

علي زويد

بقلم علي زويد · تاريخ المقال: · 6 دقائق قراءة

قد يقف المواطن العراقي أمام شرطي محلي، أو قوة اتحادية، أو جهاز أمن تابع لإقليم، ويظن أن تعدد الجهات يعني بالضرورة تعدد السيادة. وقد يسمع في المقابل دعوة إلى توحيد القوة فيفهمها بوصفها مطالبة بإدارة كل شأن أمني من بغداد. لا يحسم أي من التصورين المشكلة. فالدستور نفسه يجمع اختصاصًا اتحاديًا بسياسة الأمن الوطني مع مسؤوليات إقليمية للأمن الداخلي. المطلوب معرفة متى يكون التعدد توزيعًا مشروعًا للعمل، ومتى يتحول إلى قدرة على تجاهل القانون أو إصدار أوامر متعارضة. [1]

الفارق لا يظهر من لون الزي أو اسم التشكيل وحده. يظهر حين تقع مخالفة ويُطلب معرفة من أصدر الأمر، أو حين تتجاوز واقعة حدود اختصاص جهة واحدة، أو عندما يحتاج المواطن إلى الاعتراض على إجراء. إن بقيت هذه الأسئلة بلا جواب ملزم، يصبح تعدد الأجهزة مشكلة سيادية حتى لو حملت جميعها أسماء رسمية. وإن كانت الإجابات محددة وقابلة للتنفيذ، فقد يخدم التوزيع سرعة الاستجابة والمعرفة المحلية من دون أن ينشئ حقًا مستقلًا في استعمال القوة.

وحدة المرجعية لا تعني جهازًا واحدًا

تحظر المادة التاسعة من الدستور تكوين ميليشيات عسكرية خارج إطار القوات المسلحة، وتخضع القوات المسلحة والأجهزة الأمنية لقيادة السلطة المدنية. وتقرر المادة 110/ثانيًا الاختصاص الاتحادي بوضع سياسة الأمن الوطني وتنفيذها، بما يشمل إنشاء القوات المسلحة وإدارتها لحماية الحدود والدفاع عن العراق. وفي الوقت نفسه، تحمل المادة 121/خامسًا حكومة الإقليم مسؤولية ما تتطلبه إدارته، ومنها إنشاء وتنظيم قوى الأمن الداخلي من شرطة وأمن وحرس الإقليم. قراءة مادة وإسقاط الأخرى تنتج جوابًا ناقصًا. [1]

يمكن، بناءً على ذلك، فهم احتكار القوة المشروعة باعتباره حصر الإذن باستخدامها والمساءلة عنها داخل النظام القانوني العام. لا يعني أن موظفًا واحدًا يقرر كل حالة، أو أن جهازًا واحدًا ينفذ جميع الوظائف. لكنه يعني ألا يستطيع أي جهاز تحويل اختصاصه إلى حصانة من الرقابة، وألا يستند استعمال القوة إلى ولاء شخصي أو حزبي يعلو على الوظيفة القانونية. هذا معيار للتحليل المؤسسي، ولا يحسم بمفرده الخلافات القانونية المتعلقة بكل تشكيل أو منطقة.

ويجب أن نحافظ على فرق آخر: توزيع الاختصاص يختلف عن تفويض مهمة مؤقتة. قد تملك جهة وظيفة أصلية بموجب القانون، فيما تساعد جهة أخرى عند الضرورة وفق شروط محددة. إذا لم يُكتب نطاق المساعدة ومدتها ومسؤولية مراجعتها، قد يصبح الاستثناء دائمًا، وتضيع الحدود بين حماية النظام العام والعمل العسكري. لا تحل هذه المشكلة زيادة الاجتماعات وحدها؛ تحلها قواعد يعرف منها المشاركون متى يبدأ دور كل مؤسسة ومتى ينتهي.

ألمانيا: تعدد منظم وقيود على الانتقال بين الوظائف

توضح البنية الألمانية أن الفيدرالية لا تستلزم تعددًا مفتوحًا في سلطة القوة. يجعل القانون الأساسي الدفاع من وظائف القوات المسلحة الاتحادية، ويقيد استخدامها في غير الدفاع بالحالات التي يجيزها الدستور صراحة. وفي الوقت نفسه، يحتفظ للولايات بمسؤوليات واسعة، وينظم المساعدة بين السلطات في حالات محددة. تجمع القواعد بين التوزيع الإقليمي والقيود على تحويل القوة العسكرية إلى أداة يومية للإدارة الداخلية. [2]

لا تثبت النصوص وحدها أن كل تنسيق ألماني ناجح أو أن كل استعمال للقوة سليم. لكنها تقدم تصميمًا يمكن فحصه: المهمة العسكرية ليست بديلًا تلقائيًا عن المهمة الشرطية، والمساعدة لا تمحو الجهة الأصلية، والتدخل الاستثنائي يحتاج أساسًا مستقلًا. الدرس للعراق أن اختلاف الجهات لا ينبغي أن يترك المواطن أمام فراغ في المسؤولية، وأن توسيع دور قوة ما يجب أن يفسر أي قصور يعالجه ولماذا لا يكفي إصلاح الجهة المختصة أصلًا.

وتظل المقارنة محدودة باختلاف التاريخ الأمني والعلاقة بين المركز والأقاليم. لا يمكن نسخ حدود الصلاحيات الألمانية وإلصاقها بالنص العراقي، ولا افتراض أن درجة الثقة بين المؤسسات متساوية. ما يمكن نقله هو منهج الضبط: تعريف المهمة، وتحديد الإذن، وحماية الاختصاص الأصلي، ووجود جهة تفصل في النزاع. أما توزيع السلطات نفسه فيُبنى على الدستور العراقي والقوانين ذات الصلة وتسوية الخلاف عبر المؤسسات المختصة.

الصفة الرسمية لا تكفي لإضفاء المشروعية على الفعل

هناك خطأ مقابل للخلط بين تعدد الأجهزة وتعدد السيادة: الاعتقاد بأن أي استعمال للقوة يصبح مشروعًا لأن من نفذه جهة رسمية. يحتاج الفعل إلى غاية قانونية، واختصاص صحيح، واحترام الحقوق. ويعرض مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة مبادئ الضرورة والتناسب والاحتياط في إنفاذ القانون؛ فلا يكفي أن تكون القوة متاحة، أو أن يبدو استخدامها أسرع، حتى يصبح اللجوء إليها جائزًا. [3]

تغير هذه القاعدة طريقة تقييم الاحتكار. إذا حُصر السلاح مؤسسيًا لكن بقي المواطن عاجزًا عن معرفة سبب الإجراء أو تقديم شكوى، فقد تحسن جانب من السيطرة من دون أن تكتمل المشروعية. وإذا خافت المؤسسة من كل تحقيق بوصفه إضعافًا لمعنوياتها، تصبح الأخطاء أقل ظهورًا وأصعب تصحيحًا. حماية أفراد الأجهزة من الاتهام التعسفي مهمة أيضًا، ولذلك تحتاج المحاسبة إلى أدلة وإجراءات عادلة، لا إلى محاكمات إعلامية تحل محل التحقيق.

من الناحية العملية، يرتبط الأمن بالقدرة على التمييز. المخالف الفردي ليس مجتمعًا كاملًا، والاشتباه ليس إدانة، والنزاع السياسي ليس مبررًا لتغيير قواعد المعاملة. إنفاذ القانون بصورة قابلة للتوقع يجعل التعاون مع المؤسسة أقل مخاطرة على المواطن. هذه حجة عن آلية بناء الثقة، وليست ادعاء بوجود أثر رقمي محدد يمكن نسبته إلى إجراء واحد. ولا تعفي الثقة المؤسسة من الاستعداد أو التحقيق؛ تجعل هذه الوظائف أكثر اتصالًا بالمجتمع الذي يفترض أن تحميه.

ما الذي يمكن إصلاحه من دون مضاعفة الهياكل؟

أقترح أن تبدأ المراجعة العراقية من القرارات المشتركة التي تتكرر بين الجهات، لا من رسم هيكل جديد على الورق. في كل فئة من هذه القرارات، ينبغي أن تُعرف المؤسسة المسؤولة عن الإذن، والجهات التي يلزم التشاور معها، والسجل الذي يحفظ الأساس القانوني، وطريق الطعن أو التحقيق عند وقوع تجاوز. يمكن تنفيذ ذلك تدريجيًا في المجالات التي يوجد عليها اتفاق قانوني، بينما تحال مسائل الاختصاص المتنازع عليها إلى مسارها الدستوري.

ويحتاج التنسيق إلى حد أدنى مشترك من التعريفات والمعلومات. اختلاف تسمية الواقعة أو توقيت تسجيلها قد ينتج صورتين مختلفتين للحادثة نفسها، ثم يتحول الخلاف الإداري إلى نزاع سياسي. المقصود ليس تجميع كل بيانات المواطنين في مستودع مفتوح لجميع الأجهزة؛ بل تحديد المعلومات اللازمة لكل وظيفة، وحمايتها، وتسجيل من وصل إليها ولأي غرض. وحدة المرجعية القانونية لا تستلزم إلغاء الخصوصية أو رقابة الوصول إلى المعلومات.

أما التمويل فينبغي أن يسمح بتتبع العلاقة بين الموارد والمهمة. لا يفيد أن تمول الدولة وظيفة مرتين ثم تعجز عن تحديد من يتحمل تقصيرها، كما لا يجوز أن تتحول إعادة التنظيم إلى قطع مفاجئ للخدمة أو إهدار لحقوق المنتسبين. أي دمج أو نقل للصلاحيات يحتاج تشخيصًا للكلفة والقدرة وخطة تحفظ الوظائف الضرورية. وقد يكون توضيح المسؤولية وتبادل المعلومات أفضل من الدمج، وقد يثبت العكس في حالة أخرى؛ الأدلة هي التي تحدد الاختيار.

في تقديري، يبدأ التقدم الحقيقي حين لا يعود أحد قادرًا على استخدام اختلاف التشكيلات أو المستويات الإدارية للهروب من القانون، وحين لا تستخدم الدولة مطلب الوحدة لمحو اختصاص مشروع أو حق للمواطن. احتكار القوة المشروعة في دولة اتحادية هو قدرة النظام الدستوري على إخضاع جميع أدوات القوة لقواعد ملزمة، مع إبقاء توزيع الوظائف قابلًا للعمل. وحدة القرار النهائي تعني وحدة المسؤولية القانونية، ولا تستلزم تشابه كل مؤسسة مع الأخرى.

علي زويد - باحث في الشؤون الاستراتيجية والأمن القومي

المصادر والمراجع الأساسية

  1. دستور العراق — القوات المسلحة والاختصاصات الاتحادية والإقليمية
  2. القانون الأساسي الألماني — المواد 30 و35 و87أ
  3. UNODC — المبادئ العامة لاستخدام القوة في إنفاذ القانون
الاستشهاد بالمقال

علي زويد. احتكار القوة المشروعة: ماذا يعني فعلا في دولة اتحادية؟. 22 تشرين الأول 2026. https://alizuweid.com/articles/legitimate-force-federal-state/

عم تبحث؟

ابحث في المحتوى المنشور على الموقع.