الردع: كيف تمنع الدولة الحرب من دون خوضها؟
في إعلان قمة أنقرة الصادر في 8 تموز 2026، ربط حلف شمال الأطلسي الردع بقدرات عسكرية وصناعية، وأعلن مشتريات جديدة تتجاوز قيمتها خمسين مليار دولار. الإعلان يثبت قرارًا والتزامًا، لكنه لا يثبت أن المعدات وصلت أو أن خصمًا غيّر قراره بسببها. هذه المسافة بين إعلان القوة وتأثيرها هي ما يغيب حين يُختزل الردع في حجم الترسانة أو حدة الخطاب. إعلان القمة
بالنسبة إلى العراق، تطرح المسألة سؤالًا أشد صعوبة من سؤال شراء السلاح: كيف تمنع دولة الحرب وهي تتعامل مع أطراف متفاوتة القوة، ومصالح اقتصادية مكشوفة، وموارد تحتاجها الخدمات أيضًا؟ وما الذي يجعل التحذير مقنعًا من دون أن يتحول إلى وعد بتصعيد لا تستطيع الدولة تحمّله؟ يبدأ الجواب من تحديد السلوك المراد منعه، والجهة القادرة على اتخاذه، ثم بناء قدرة ورسالة تناسبان ذلك السلوك.
من امتلاك القوة إلى تغيير الحساب
يميز مايكل مازار في دراسته عن الردع بين منع فعل قبل وقوعه وإجبار طرف على تغيير سلوك قائم. ويميز كذلك بين حرمان المعتدي من تحقيق غايته وتهديده بكلفة لاحقة. هذه فروق عملية: منع اختراق لا يحتاج الأدوات نفسها التي يحتاجها إخراج قوة بعد استقرارها، وحماية وظيفة حيوية تختلف عن الوعد بمعاقبة من يعطلها. دراسة RAND
يمكن قراءة الفرق في مثال افتراضي غير عملياتي. إذا اعتقد طرف أن الضغط على مورد واحد سيوقف وظيفة عامة ويجبر الحكومة على التنازل، فإن توفير بديل مجرب يضعف توقعه بالحصول على المكسب. أما التهديد بعقوبة لاحقة فيعتمد على اعتقاده أن الحكومة ستنفذها وأن كلفتها تفوق ما يريد تحقيقه. الأول يغير قابلية النجاح، والثاني يغير ثمن المحاولة. وقد تحتاج الدولة كليهما، لكن استبدال القدرة الفعلية بعبارة تهديد لا يعالج الانكشاف الأصلي.
ولا تعمل الحسابات في فراغ. قد يقبل الطرف الآخر خسائر عالية إذا اعتقد أن بقاءه السياسي مهدد، أو إذا توقع أن التراجع سيكلفه داخليًا أكثر من المواجهة. لذلك لا يمكن تحويل الردع إلى معادلة ثابتة تجمع عدد الجنود وقيمة المشتريات. تقدير دوافع الطرف المقابل وحدود معلوماته جزء من القدرة المطلوبة، مع الاعتراف بأن هذا التقدير قد يخطئ.
هذا يفسر أيضًا لماذا تختلف رسالة واحدة باختلاف من يسمعها. إعلان دفاعي موجه إلى الداخل قد يُقرأ خارجيًا بوصفه استعدادًا للهجوم. والتزام واسع أمام الجمهور قد يضيق مساحة التسوية لاحقًا. لا يعني ذلك التزام الصمت، بل الفصل بين ما تحتاج الدولة إلى إظهاره لطمأنة المجتمع وما تحتاج إلى توضيحه للطرف المقابل لمنع سوء الفهم. الوضوح في الغاية وحدودها قد يكون أنفع من الغموض في كل شيء.
ما الذي يمكن نقله من تجربة التحالفات؟
يجمع إعلان أنقرة بين ضمان الدفاع الجماعي وتطوير قدرات متعددة ومساندة صناعية. الدرس الذي يمكن استخلاصه للعراق محدود: القدرة تحتاج منظومة إنتاج وصيانة وتمويل واتصال سياسي. أما الضمان الجماعي نفسه فيستند إلى التزامات بين أعضاء الحلف؛ لا يحصل عليه بلد آخر لمجرد اقتناء تجهيزات مماثلة. نقل السلاح من تجربة دولية أسهل من نقل المؤسسات والالتزامات التي تجعل استخدامه متوقعًا.
ولذلك ينبغي الفصل في تقييم أي شراكة دفاعية بين منفعة التدريب أو الإمداد، وبين افتراض دخول الشريك في أزمة مستقبلية. الاتفاق المعلن يحدد ما التزم به الطرفان؛ أما الاستنتاج بأن كل تعاون تقني يساوي ضمانًا أمنيًا فيضيف إلى الاتفاق ما قد لا يتضمنه. يتطلب القرار العراقي مقارنة حدود المساندة المحتملة بقدرات يمكن تشغيلها واستدامتها وطنيًا، وتجنب بناء وظيفة أساسية على وعد غير موثق.
تعود هنا مسألة القوة الوطنية الشاملة: جهاز متقدم بلا صيانة أو كوادر أو تمويل مستقر قد يرفع الكلفة من دون أن يضيف قدرة مكافئة. الإنفاق شرط لتكوين بعض القدرات، لكنه ليس قياسًا مباشرًا لنتيجتها. والاختيار بين منظومتين لا يحسمه ثمن الشراء وحده؛ بل العمر التشغيلي، والتدريب، وإمكان الإصلاح، ومدى الاعتماد على مورد واحد، والوظائف الأخرى التي سيزاحمها التمويل.
الردع العراقي يبدأ من وحدة المسؤولية
تنص المادة التاسعة من الدستور العراقي على خضوع القوات المسلحة والأجهزة الأمنية للسلطة المدنية، وتربط مهمتها بالدفاع عن العراق وتحظر تكوين ميليشيات عسكرية خارج إطار القوات المسلحة. هذا أساس قانوني لتنظيم القوة، وليس شهادة بأن كل متطلباته متحقق بالفعل. الدستور العراقي
وتترتب عليه نتيجة استراتيجية: لكي تكون الرسالة مفهومة، يجب أن يستطيع متلقيها تحديد الجهة التي تملك القرار وتتحمل مسؤوليته. تعدد التصريحات وحده لا يثبت تعدد القرار، لكن وجود التزامات متعارضة من جهات لا تضبط الدولة تصرفاتها قد يجعل الطرف المقابل يشك في قدرة الحكومة على تنفيذ اتفاق أو منع احتكاك. لذلك فإن ضبط المسؤولية وسلسلة القرار ليس تفصيلًا إداريًا يؤجل إلى ما بعد شراء القدرات؛ إنه جزء من مصداقيتها.
في التصور الذي أقترحه، يبدأ ترتيب الأولويات من مصالح محددة يمكن الدفاع عنها قانونيًا ومؤسسيًا: حماية السكان، وسلامة الإقليم، واستمرار الوظائف العامة، ومنع فرض قرارات على الدولة بالقوة. بعدها يُسأل عن الانكشاف الذي يسمح بابتزاز كل مصلحة، وعن الوسيلة الأقل كلفة لمعالجته. لا يلزم أن تكون المعالجة عسكرية دائمًا؛ فقد يكون تنويع الإمداد أو إجراء مالي احتياطي أكثر اتصالًا بمصدر الضغط المحدد.
لكن المرونة الخدمية ليست بديلًا عن الدفاع، كما أن الدفاع ليس بديلًا عنها. فوجود بدائل مدنية لا يمنع وحده انتهاكًا مسلحًا، بينما قد تحمي قوة عسكرية حدودًا وتبقى الدولة معرضة لشلل مالي أو لوجستي. القيمة في الربط بين الوظيفتين مع بقاء اختصاص كل مؤسسة واضحًا. ويتيح مقترح السياسة الدفاعية والرقابة المدنية مناقشة هذا التنظيم بوصفه مقترحًا، لا باعتباره قانونًا نافذًا أو وصفًا للأداء الحالي.
كيف نقيس نجاحًا يقوم على عدم وقوع الحرب؟
غياب الحرب نتيجة مرغوبة، لكنه لا يثبت وحده نجاح الردع؛ ربما لم تكن هناك نية للهجوم، أو تغيرت الأولويات لأسباب أخرى. وبالمقابل، لا تثبت واقعة احتكاك محدودة انهيار كل سياسة ردع. ينبغي تحديد الفعل الذي أرادت الدولة منعه، ثم مقارنة سلوك الطرف المقابل قبل الرسالة وبعدها، وفحص التفسيرات المنافسة. تظل المعلومات عن النوايا ناقصة، ولهذا تكون الأحكام الاحتمالية أدق من إعلان النصر على خطر غير محدد.
يمكن إخضاع عناصر الاستعداد لفحص أوضح: هل توجد مسؤولية معلنة عن القرار؟ هل جُرب استمرار الوظائف الأساسية في تمرين مؤسسي؟ هل تُراجع الالتزامات المالية طوال عمر القدرة؟ وهل تعمل قنوات اتصال عند التوتر؟ هذه أسئلة تقييم أقترحها، وليست نتائج اختبار منشورة عن العراق. وهي لا تكشف تفاصيل تشغيلية، لكنها تمنع الخلط بين إنجاز شراء وبين اكتمال قدرة.
تتبقى مفاضلة سياسية لا يلغيها أي سلاح. التهديد الشامل قد يبدو قويًا، لكنه يجعل التراجع مكلفًا ويعرض الدولة لاختبار أكبر من مصلحتها. أما الردع المحدد فيترك للطرف الآخر طريقًا واضحًا للامتناع، ويقرن التحذير باستعداد فعلي يتناسب مع الضرر المقصود منعه. بهذا المعنى تستطيع دولة متوسطة الموارد تحسين فرص منع الحرب من دون ادعاء القدرة على كسب كل مواجهة: تقلل المكاسب المتوقعة من الاعتداء، وتحمي قرارها من التشتت، وتحتفظ بالتسوية بوصفها نتيجة ممكنة للقوة المنضبطة.
