القوة الوطنية الشاملة: كيف تقاس قدرة دولة على الصمود والتأثير؟
في 8 أبريل 2026، ربط البنك الدولي تراجع آفاق النمو الإقليمي بتعطل الملاحة في مضيق هرمز والأضرار التي لحقت بالبنية الأساسية. بالنسبة إلى العراق، يضع هذا التقييم سؤال القوة الوطنية في موضع عملي: ما قيمة المورد الكبير إذا ضاق الطريق الذي ينقله إلى السوق؟ ارتفاع سعر سلعة تملكها الدولة لا يعني بالضرورة زيادة قدرتها على الإنفاق عندما تتعطل الكميات التي تستطيع بيعها. وقد تتحول صدمة خارج الحدود إلى ضغط على الموازنة والخدمات من دون أن تتغير مساحة البلاد أو أعداد سكانها أو موجودات جيشها. البنك الدولي، 8 أبريل 2026.
لا يثبت تقرير أبريل وحده حالة الملاحة في أكتوبر، ولا يجوز استخدام توقعاته كأنها نتائج اقتصادية نهائية. لكنه يكشف نوع الاختبار الذي تحتاجه قراءة القوة: قدرة بلد على تحويل موارده إلى وظائف مستمرة حين تتبدل شروط استخدامها. والمشكلة العراقية هنا أوسع من امتلاك النفط أو السلاح؛ إنها تتعلق بمقدار ما يبقى متاحًا من القرار والتمويل والخدمة تحت الضغط، وبالوقت اللازم لاستعادة ما تعطل، وبالكلفة التي يدفعها المجتمع خلال ذلك.
الثروة المتاحة والقدرة القابلة للاستخدام
وفق تقديرات البنك الدولي لعام 2025، مثّل النفط 53% من الناتج المحلي الحقيقي العراقي، و88% من إيرادات الحكومة، و91% من صادرات السلع. المقامات مختلفة: الأولى تخص الإنتاج، والثانية التمويل العام، والثالثة التجارة السلعية؛ فلا تُجمع النسب ولا تصف الشيء نفسه. لكنها، عند قراءتها معًا، تبين كيف يمكن لاضطراب في نشاط واحد أن ينتقل عبر أكثر من قناة. انخفاض الصادرات قد يضغط على التمويل، وتأخر التمويل قد يؤجل الصيانة، وتأجيل الصيانة قد يضعف الإنتاج والخدمة لاحقًا. هذه سلسلة محتملة ينبغي اختبار حلقاتها بالبيانات، وليست حكمًا بأن كل تراجع خدمي سببه النفط. البنك الدولي: عرض الاقتصاد العراقي.
تحتاج القوة الوطنية الشاملة، في التعريف العملي الذي أستخدمه هنا، إلى ثلاثة أمور متلازمة: موارد يمكن تعبئتها، ومؤسسات تحولها إلى نتائج، وهامش خيارات يحول دون فرض قرار واحد على الدولة عند الأزمة. يدخل الجيش والاقتصاد والمعرفة والسكان والدبلوماسية في هذه القدرة، لكن جمع أحجامها لا يكفي لقياسها. قد يملك قطاع مالًا كافيًا وتظل صلاحية إنفاقه موزعة بطريقة تؤخر الاستجابة. وقد تتوافر أجهزة حديثة من دون صيانة أو كوادر أو إمداد مستمر. ما يعطل التحويل في الحالتين لا يظهر بالضرورة في جداول الموجودات.
ميّزت دراسة لمؤسسة RAND صدرت عام 2000 بين الموارد الوطنية والأداء الوطني والقدرة العسكرية. يفيد هذا التمييز في فصل ما تملكه الدولة عن كيفية تشغيله وما تستطيع إنتاجه منه. لكنه ليس مقياسًا جاهزًا لترتيب العراق، ولا يلغي الحاجة إلى فحص الحقوق والخدمات والاعتماد المتبادل. يمكن أن ترتفع قدرة مؤسسة محددة بينما تزيد هشاشة الاقتصاد الذي يمولها؛ لذلك لا ينبغي أن تتحول قوة جزء من الدولة إلى افتراض بقوة الكل. RAND: Measuring National Power in the Postindustrial Age.
يظهر الفرق بوضوح في الإنفاق العسكري. يوضح معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام أن الإنفاق مدخل، وليس قياسًا مباشرًا للقدرة العسكرية أو الأمن. زيادة الموازنة قد تسد نقصًا حقيقيًا، وقد تذهب إلى كلفة أعلى للحصول على النتيجة نفسها؛ ولا يمكن الفصل بين الاحتمالين من رقم الإنفاق وحده. يلزم فحص ملاءمة المشتريات للمهمة، واستمرار الصيانة والتدريب، وقدرة الإدارة على تصحيح الإخفاق. هذا تقييم مؤسسي للنتائج، وليس دعوة إلى كشف تفاصيل تشغيلية يمكن أن تعرض المؤسسات للخطر. SIPRI: المصادر والمنهج.
الصمود يُقاس بالمدة والبدائل، لا بحجم المخزون وحده
البلد الذي يستطيع امتصاص انقطاع قصير قد لا يستطيع تحمل انقطاع أطول، حتى لو بقي مخزونه المعلن كبيرًا. تتوقف قيمة الاحتياط على سرعة الوصول إليه وملاءمته للحاجة وإمكان تعويض ما يُستهلك منه. لذلك يجب أن يقترن كل تقدير للصمود بمدة وفرضية واضحة: ما الوظيفة التي نريد استمرارها، وتحت أي صدمة، ولأي أفق زمني؟ قولنا إن منظومة «جاهزة» من دون تحديد هذه الشروط يمنح انطباعًا يتجاوز ما اختُبر بالفعل. كما أن القدرة على إبقاء خدمة في العاصمة لا تثبت تلقائيًا قدرتها على الوصول إلى منطقة بعيدة.
تقدم النرويج مثالًا على تحويل مورد متقلب إلى ترتيب مالي أكثر قابلية للاستمرار: تُحوّل الإيرادات النفطية الصافية إلى صندوقها السيادي، ويسترشد السحب بالعائد الحقيقي المتوقع، المقدّر بـ3%. هذا وصف لقاعدتها، وليس نسبة مقترحة للعراق. الدرس القابل للفحص هو الفصل بين ورود الإيراد وقرار إنفاقه، بحيث لا تصبح كل زيادة مؤقتة في الموارد التزامًا دائمًا. أما نقل القاعدة رقميًا فيتجاهل اختلاف حجم المدخرات والحاجات الخدمية والالتزامات القائمة. وزارة المالية النرويجية: تقرير صندوق التقاعد الحكومي، مارس 2026.
ولا يعفي الصندوقُ الدولةَ من المخاطر؛ فالادخار المالي يعرضها بدوره لتقلب قيمة الأصول، ولا ينتج ماءً أو دواءً عند تعطل سلسلة التوريد لمجرد ظهوره في الميزانية. القوة المالية تحتاج آلية وصول إلى السلع والخدمات في الوقت المناسب. بالنسبة إلى العراق، تبدأ المقارنة المفيدة بفحص الالتزامات التي يصعب تعديلها، والإنفاق الذي يمكن تأجيله من دون ضرر متراكم، والحد الأدنى الواجب حمايته من الصيانة والخدمات. إنشاء وعاء ادخاري من دون قاعدة إنفاق ورقابة لا يثبت تحقق هذه القدرة.
البديل كذلك ليس مجرد وجود مورد ثانٍ في عقد. قد يعتمد الموردان على الممر نفسه، أو على مصدر تمويل واحد، أو على تجهيز يصعب استبداله. عندئذ يكون التنوع اسميًا أكثر منه فعليًا. وتظهر القيمة الاستراتيجية للاستثمار عندما يقلل نقطة الاعتماد المشتركة، لا عندما يضيف أصلًا آخر يحمل الهشاشة نفسها. لكن تكرار كل شيء احتياطيًا باهظ الكلفة؛ المطلوب تحديد الوظائف التي يسبب توقفها ضررًا يتجاوز كلفة حمايتها، مع مراجعة هذا التقدير دوريًا.
من الأصول المنفصلة إلى مؤسسات تعمل معًا
تتجه استراتيجية أمن المجتمع الفنلندية، المعتمدة في يناير 2025، إلى حماية الوظائف الحيوية بتعاون السلطات والقطاع الخاص والمنظمات والمواطنين. أهمية المقارنة هنا في طريقة تنظيم المسؤولية. فلا يكفي أن تكون المؤسسة قوية داخل اختصاصها إذا كانت الوظيفة التي تؤديها تعتمد على جهة لا تشاركها المعلومات أو لا تملك صلاحية التصرف عند التعطل. ولا يثبت اعتماد الاستراتيجية وحده نجاح كل استجابة؛ يظل التنفيذ والاختبار هما موضع التقييم. لجنة الأمن الفنلندية: استراتيجية أمن المجتمع.
في العراق، يمكن فحص هذه العلاقة من دون البدء بإعادة هيكلة شاملة: تُختار وظيفة عامة محددة، ثم تُراجع الجهة التي تمولها وتشغلها وتراقبها والجهات التي تعتمد عليها. إذا تبين أن التعطل ناتج عن غياب صلاحية معلومة، فلن تعالجه مشتريات إضافية. وإذا كان سببه نقصًا ماديًا مثبتًا، فلن تعوضه لجنة تنسيق جديدة. قوة التشخيص أنه يمنع استعمال العلاج نفسه لكل مشكلة، ويجعل مسؤولية التحسين قابلة للتحديد بدل توزيعها على عبارة «تعاون جميع المؤسسات».
تدخل الثقة العامة في هذا الحساب من خلال أثر قابل للملاحظة، لا بوصفها زينة أخلاقية للقدرة الصلبة. وضوح المعلومات والإجراءات يتيح للناس والشركات ترتيب البدائل والإبلاغ عن الخلل، بينما يدفع تناقض الرسائل بعضهم إلى قرارات احتياطية مكلفة. لكن وجود اعتراض اجتماعي لا يعني ضعف الدولة بذاته؛ قد يكشف معلومات لا تصل عبر التسلسل الإداري. الاختبار الأدق هو قدرة المؤسسات على الاستماع والتصحيح وإنفاذ القانون بصورة متوقعة، مع حماية حق الاعتراض السلمي. التماسك الذي يمنع ظهور الخبر السيئ قد يخفي الهشاشة بدل أن يعالجها.
كيف يصبح القياس أداة للقرار العراقي؟
أقترح أن تبدأ القراءة الوطنية للقوة بتقدير كل وظيفة حيوية عبر القدرة المتاحة، واعتمادها على الخارج أو على مورد منفرد، ومدة استمرارها عند الصدمة، وزمن تعافيها، وكلفة المحافظة عليها. هذه أبعاد مقترحة للتقييم، وليست مؤشرًا محسوبًا أو ترتيبًا دوليًا جديدًا. لا تكون النتيجة درجة واحدة تخفي الفروق، بل صورة تبين أين يغير التمويل أو التنظيم أو الاتفاق الخارجي مقدار القدرة الفعلية. وقد تكون الأولوية لإصلاح نقطة ضعف صغيرة تتحكم في أصول كبيرة، قبل إضافة أصول لا تستطيع العمل مستقلّة عنها.
يتطلب ذلك مسؤولية واضحة عن البيانات. على وزارة المالية أن تبين قدرة الالتزامات العامة على التحمل تحت فرضيات معلنة؛ وعلى الوزارات القطاعية أن تقدم قياسات استمرار الخدمة والتعافي؛ وعلى جهات التنسيق الاستراتيجي أن تفحص العلاقات بين هذه القياسات. ويجب أن تظهر الفجوات وعدم اليقين صراحة. الرقم غير المتاح لا يُستبدل بدرجة تقديرية تبدو دقيقة؛ يُسجل بوصفه نقصًا يحد من الثقة في القرار، ويُحدد من يستطيع استكماله وبتكلفة معقولة.
أما التأثير الخارجي فلا يستنتج من الصمود الداخلي وحده. فقدرة العراق على توسيع خياراته ترتبط أيضًا بجودة الاتفاقات وموثوقية تنفيذها وتنوع العلاقات التي يمكن استمرارها في ظروف مختلفة. الاعتماد المتبادل قد يمنح منفعة ونفوذًا، وقد يتحول إلى انكشاف إذا انعدم البديل. لذلك لا يكون الهدف قطع كل اعتماد، بل تقدير كلفة الخروج من العلاقة وكلفة استمرارها عند تغير الشروط. والاستقلال الأوسع هو امتلاك خيارات قابلة للتنفيذ، لا إعلان الاكتفاء في مجالات لا تتوافر لها قدرة حقيقية.
القوة الوطنية الشاملة تظهر عندما تبقى الموارد قابلة للاستخدام والمؤسسات قابلة للعمل والخيارات مفتوحة تحت الضغط. وقد كشفت وقائع 2026 التي ناقشها البنك الدولي أن المسافة بين امتلاك المورد والوصول إلى عائده يمكن أن تتسع بسرعة. ما يحتاجه العراق هو جعل هذه المسافة قابلة للقياس والمعالجة: حماية الوظائف الأشد أثرًا، واختبار البدائل، وربط المال بالنتائج، ثم مراجعة ما لم يعمل. عندها يصبح الصمود أساسًا للتأثير، بدل أن يبقى حجم الدولة على الورق أكبر من قدرتها المتاحة عند الحاجة.