المدن والممرات والسكك: كيف تغير البنية التحتية ميزان القوة الاقتصادي؟
عندما أقر البنك الدولي في حزيران 2026 تمويلًا بقيمة 900 مليون دولار لممرات الطرق العراقية، أشار إلى أن النقل البري يستحوذ على أكثر من 90% من نشاط النقل في البلد. وحدد المشروع محورًا شماليًا باتجاه تركيا وآخر غربيًا باتجاه سوريا والأردن. إعلان تمويل ممرات الطرق هذا قرار تمويل، لا إعلان اكتمال. لكنه يضع أمام العراق مسألة أعمق من سرعة الشاحنات: عندما تتغير سهولة الوصول إلى الأسواق، تتغير معها المواقع التي تستطيع الإنتاج والمنافسة.
قد تستفيد مدينة من طريق جديد يتيح لمصانعها البيع في محافظات أخرى، بينما تجد بلدة على الطريق نفسه أن منتجات المدن الأكبر أصبحت تنافسها داخل سوقها الصغيرة. كلاهما اتصل بالشبكة؛ لكن نتيجة الاتصال ليست واحدة. ولذلك، فإن تقييم البنية التحتية يحتاج إلى سؤالين متلازمين: هل يرتفع الناتج والرفاه على المستوى الوطني؟ وكيف تتوزع المكاسب والخسائر بين الأماكن والسكان؟ الخلط بين السؤالين يسمح باعتبار كل مدينة يمر بها الممر مدينة رابحة، حتى قبل معرفة قدرتها على الاستفادة منه.
السوق التي تصل إليها المدينة
تقدم دراسة ديف دونالدسون وريتشارد هورنبيك، المنشورة سنة 2016، مدخلًا مفيدًا. فقد درست توسع السكك الأميركية بين 1870 و1890 من خلال تغير الوصول إلى الأسواق، وربطته بارتفاع قيم الأراضي الزراعية. لم تقتصر المقارنة على وجود محطة داخل المقاطعة؛ إذ حسبت أثر شبكة السكك والمجاري المائية في كلفة الوصول بين المقاطعات. دراسة الوصول إلى الأسواق هذه نتيجة تاريخية ضمن نموذج وبيانات محددة، وليست نسبة عائد جاهزة لأي خط عراقي.
تكمن فائدة هذا المنهج في تغيير وحدة الحساب. فإذا تحسنت وصلة بعيدة وأصبح الوصول إلى سوق كبيرة أرخص، قد يستفيد منتج لم تُنشأ قربه محطة جديدة. وبالعكس، قد توجد المحطة قريبًا، لكن يصعب استخدامها بسبب كلفة نقل البضاعة إليها أو غياب الخدمة التي يحتاجها المنتج. ومن ثم، فإن طول الخط داخل حدود المحافظة لا يكفي لقياس نصيبها الاقتصادي من المشروع. ما ينبغي اختباره هو عدد الأسواق التي تستطيع منشآتها خدمتها، وكلفة الوصول إليها، وشروط المنافسة فيها.
ويمنح مشروع تحديث السكك العراقية مجالًا عمليًا لهذا الاختبار. فالتمويل الذي أُقر في حزيران 2025، بقيمة 930 مليون دولار، يشمل تأهيل 1047 كيلومترًا من الخط القائم بين أم قصر والموصل عبر بغداد، مع مكونات للأسطول والصيانة والتطوير المؤسسي. نطاق مشروع السكك يهم التحليل هنا ارتباط مدن ومناطق إنتاج بشبكة قائمة؛ ولا يفترض أن الأعمال اكتملت أو أن كل نقطة على المسار ستستقبل النشاط نفسه.
أقترح أن يبدأ التقييم العراقي من رحلات اقتصادية يمكن تعريفها: مادة أولية تنتقل إلى مصنع، ومحصول يصل إلى معمل غذائي، وعامل يصل إلى مكان عمله. تُحسب كلفة الرحلة كاملة قبل الاستثمار وبعده، بما فيها التحميل والوصلات المحلية والانتظار. ثم يُسأل إن كان التحسن يسمح بنشاط لم يكن مجديًا سابقًا، أم يخفض كلفة نشاط قائم، أم ينقل نشاطًا من مدينة إلى أخرى. هذه نتائج مختلفة، ولا يصح جمعها كلها تحت عنوان وظائف جديدة للاقتصاد الوطني.
كما تختلف وظيفة السكة عن وظيفة الطريق المحلي. قد تناسب الخدمة السككية حركة منتظمة وكبيرة بين عقد محددة، فيما يحتاج المنتج الصغير إلى تجميع شحناته والوصول إلى تلك العقد أولًا. ومن غير المجدي أن يُطلب من كل وسيلة أداء الوظيفة نفسها. الاختيار المقترح هو مقارنة ترتيبات متكاملة، تتضمن النقل المحلي والمناولة والخدمة الرئيسية، على أساس الطلب الفعلي. عندها يمكن معرفة إن كانت الأولوية لزيادة سعة الخط، أو لمرفق تحميل، أو لوصلة قصيرة تعطل استخدام استثمار أكبر.
حين تقوى المراكز وتضعف بعض الأطراف
تختبر التجربة الصينية افتراض أن الاتصال يوزع الصناعة تلقائيًا. وجد بنجامين فابر، في دراسة منشورة سنة 2014 عن شبكة الطرق الوطنية الرئيسية، انخفاضًا في نمو الناتج ببعض المقاطعات الطرفية التي اتصلت بالمراكز الكبيرة، مقارنة بمقاطعات طرفية لم تتصل، مع دور بارز لتباطؤ نمو الإنتاج الصناعي. استند البحث إلى استراتيجية إحصائية تعالج عدم عشوائية اختيار المسارات. الدراسة الأصلية النتيجة تخص عينة وفترة ومؤسسات بعينها؛ ولا تقول إن الطرق أضرت بالصين كلها.
الآلية المحتملة مهمة للعراق. عندما تنخفض كلفة النقل، تستطيع منشأة كبيرة أن تخدم سوقًا بعيدة من موقعها الحالي بدل إنشاء مصنع داخلها. يربح المستهلك من توافر خيارات أو أسعار أفضل، لكن المنتج المحلي الأضعف قد يفقد زبائنه. لذلك لا تعني زيادة حركة البضائع بالضرورة زيادة التصنيع في كل مدينة على المسار. كما لا يثبت انخفاض الإنتاج المحلي أن المشروع عديم المنفعة؛ فقد ترتفع منفعة المستهلك أو فرص العمل في مكان آخر. يحتاج الحكم إلى معرفة من ربح، ومن خسر، وما إمكان الانتقال إلى نشاط بديل.
وهذا يختلف عن النقاش الذي تناولته في جدوى طريق التنمية والخدمة اللوجستية. فحتى إذا أصبح الممر موثوقًا ومجديًا تجاريًا، يبقى توزيع النشاط داخله مسألة مستقلة. قد تتحسن مؤشرات العبور الوطنية، بينما تتركز العقود والمهارات والخدمات في عدد محدود من المدن. لا يعالج هذا الاحتمال بتوزيع منطقة صناعية متماثلة على كل محافظة؛ لأن تشابه المنشآت لا يخلق طلبًا مختلفًا عليها، وقد ينتج منافسة على الاستثمارات نفسها بدل تكامل اقتصادي.
في تقديري، الأجدى هو اختبار وظيفة محددة لكل موقع مرشح. فقد تكون قيمة موقع ما في تجميع الإنتاج الزراعي وخدمته، وقيمة آخر في الصيانة أو التدريب أو الربط بين وسائل النقل. هذه أمثلة لفرضيات ينبغي فحصها، لا توصيفات جاهزة لمحافظات بعينها. ويحتاج اعتماد أي وظيفة إلى منشآت راغبة في استخدامها، ومهارات ومرافق لازمة، وتقدير واقعي للسوق. إعلان التخصص قبل هذا الفحص يحول الخطة المكانية إلى أسماء جذابة على خريطة استثمارية.
ويجب أن تظل كلفة التكيف ظاهرة. إذا واجهت منشآت صغيرة منافسة أشد بعد تحسين الاتصال، فقد يكون تدريب العمال وتسهيل انتقالهم أو مساعدتهم على تحسين الإنتاج أكثر فائدة من حماية غير محددة الأجل. لكن اختيار الأداة يتوقف على سبب الضعف: غياب تمويل، أو مهارة، أو خدمة أساسية، أو منتج لا يجد طلبًا كافيًا. لا يستطيع الطريق وحده معالجة هذه القيود، ولا ينبغي تحميله مسؤولية إصلاحها جميعًا من دون تخصيص الجهات والموارد اللازمة.
المدن المتوسطة والأرض والعمل
أعاد تقرير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، الصادر في حزيران 2026، الاهتمام إلى المدن الوسيطة ووظائفها التي تربط المراكز الكبرى بالمناطق الأصغر والريف. وميز بين وظائف اقتصادية وخدمية متعددة، بدل افتراض أن جميع هذه المدن يجب أن تصبح مراكز صناعية. تقرير المدن الوسيطة نطاق التقرير دول ومؤسسات تختلف عن العراق؛ لكن تصنيف المدينة بحسب وظيفتها يصلح نقطة بدء للتحقيق، من دون نقل أحجامه السكانية أو وصفاته التمويلية كما هي.
ففي التخطيط العراقي، يمكن أن يختبر الاستثمار علاقات مدينة بمحيطها قبل البحث عن منافسة عاصمة أخرى. إن استطاع مركز قائم توفير تعليم مهني أو علاج أو سوق منظم لمناطق قريبة، فقد يحسن إنتاجية إقليم أوسع من سكانه الإداريين. ويصبح النقل مفيدًا عندما يصل الناس إلى هذه الوظائف في وقت وكلفة مناسبين. أما محطة بعيدة عن العمران، لا تخدمها وسيلة وصول ميسورة، فقد تحسن شكل الشبكة الوطنية من دون أن تحسن الاستخدام اليومي لمعظم السكان.
وترتبط بذلك ملكية الأرض. إذا أدى تحسن الوصول إلى ارتفاع قيمة موقع، فمن يحصل على الزيادة؟ صاحب الأرض، أم المنشأة المنتجة، أم الخزينة التي مولت البنية؟ هذا سؤال توزيع مشروع، لا دليل بحد ذاته على فساد أو مضاربة في حالة عراقية محددة. وأقترح أن يسبق تخصيص أراضي المحطات والمناطق الخدمية إعلان واضح للملكية وشروط الانتفاع والتعويض. ثم تُراجع أدوات استرداد جزء من الزيادة للمصلحة العامة ضمن القانون، مع حماية السكان وأصحاب الحقوق من إزاحة لا تعوضهم بصورة عادلة.
وقد يغير ارتفاع الإيجار نتيجة المشروع على العامل أيضًا. يمكن أن يصبح الوصول إلى الوظيفة أسرع، بينما ترتفع كلفة السكن القريب منها إلى مستوى يستبعد المستفيد المفترض. لذلك ينبغي أن تجمع دراسة المنطقة بين كلفة النقل والسكن والدخل المتاح، لا أن تعرض كل قطاع منفصلًا. وتفيد هنا بيانات الجغرافيا السكانية في تحديد من يستطيع الوصول إلى الفرصة الجديدة فعلًا، ومن يحتاج إلى نقل عام أو خدمة محلية ليشارك فيها.
اختبار القوة الاقتصادية بعد الإنشاء
أقترح أن تنشر وزارتا التخطيط والنقل، مع الحكومات المحلية والجهات القطاعية، خط أساس للمواقع المتأثرة قبل بدء الخدمة الجديدة. يشمل ذلك كلفة الوصول إلى الأسواق، ونشاط المنشآت وتشغيلها، وأجور العمال وكلفة سكنهم، واستخدام الأرض. يُكرر القياس بعد التشغيل، مع مقارنة مناطق متشابهة لم تتأثر بالدرجة نفسها. لا يجعل هذا التصميم السببية مضمونة؛ لكنه أفضل من نسبة كل نمو يقع قرب الطريق إلى الطريق، أو إغفال انتقال منشأة من موقع عراقي إلى آخر.
ويجب حساب المكاسب الوطنية من دون تكرار. فالوظيفة التي انتقلت بين محافظتين ليست وظيفتين، وزيادة قيمة الأرض ليست دائمًا إنتاجًا جديدًا، ووفر النقل لا يُضاف مرة ثانية إذا كان محتسبًا ضمن زيادة أخرى في المنفعة. يحتاج هذا العمل إلى مراجعة مستقلة لافتراضات التقييم، وإلى إظهار النتائج بحسب فئات الدخل والمناطق. عندئذ يمكن تبرير مساعدة منطقة تتحمل كلفة التكيف، حتى لو بقي صافي منفعة المشروع على البلد موجبًا.
يتغير ميزان القوة الاقتصادي حين تستطيع مدن أكثر إنتاج سلع وخدمات قابلة للاستمرار، وحين تتسع الخيارات أمام العامل والمنتج والمستهلك. عدد الكيلومترات دليل على حجم أصل أُنشئ؛ أما قوة الاقتصاد فتحتاج دليلًا على استخدامه وتوزيع أثره. والعراق يستطيع أن يحول استثماراته الجديدة إلى شبكة مدن متكاملة، بشرط أن يقيس ما يحدث بين المدن وداخلها، لا ما يعبر حدود البلد فقط.
الاستشهاد بالمقال
علي زويد. المدن والممرات والسكك: كيف تغير البنية التحتية ميزان القوة الاقتصادي؟. 19 تشرين الأول 2026. https://alizuweid.com/articles/iraq-cities-railways-economic-power/
