العراق كدولة ربط أم كساحة عبور؟
في 2 تشرين الأول 2026، أعلنت وزارة الطاقة التركية أن بغداد وأنقرة تعملان على اتفاق أوسع بعد عقد نقل النفط الموقع في آب. وشمل النقاش بنية النفط والغاز والتكرير والبتروكيمياويات والكهرباء، مع طموح معلن لتطوير دور جيهان كمركز للطاقة. بيان وزارة الطاقة التركية هذه أهداف وتوجهات تفاوضية، وليست مشروعات ثبت اكتمالها. لكنها تستحق أن تُقرأ من الجانب العراقي بسؤال محدد: عندما تتوسع الشبكة التي يشارك فيها العراق، أي وظائف اقتصادية وحقوق قرار تتوسع معه، وأيها تبقى في الطرف الآخر؟
ناقشتُ في مقال طريق التنمية والممرات الطلب التجاري والخدمة وكلفة الالتزامات. أما المسألة هنا فتتجاوز جدوى الرحلة إلى موقع الدولة داخل العلاقة. أقصد بدولة الربط، في هذا التحليل، دولة تقدم اتصالًا ذا قيمة، وتشارك في قواعده، وتستطيع حماية منفعتها عند اختلاف الشركاء. وأقصد بساحة العبور وضعًا تتحمل فيه الأرض والسكان جانبًا من الكلفة، بينما تبقى قرارات الاستخدام والعائد والبدائل بعيدة عن قدرتهم على التأثير. هذا تمييز تحليلي، لا تصنيف دولي ثابت ولا حكم مسبق على كل مشروع عراقي.
زيادة الاتصال لا تعني زيادة القدرة على الاختيار
وجدت دراسة لغيتا غوبيناث وبيير أوليفييه غورينشا وأندريا بريسبتيرو وبيتيا توبالوفا، منشورة ضمن أوراق صندوق النقد في 2024، أن دولًا غير منحازة تؤدي دورًا متزايدًا في وصل كتل تجارية متباعدة سياسيًا. لكنها حذرت من أن هذا التحول لا يثبت بالضرورة تنويعًا فعليًا أو تراجعًا في الاعتماد الاستراتيجي. دراسة تغير الروابط العالمية إنها نتيجة بحثية تخص بيانات ونموذجًا محددين، وليست إعلانًا أن العراق صار إحدى هذه الدول أو أن المرور بين الأطراف يمنحه استقلالًا تلقائيًا.
والآلية تستحق الفحص: قد تتعدد البلدان التي تمر عبرها السلعة، بينما يبقى مصدر مكونها الأساسي أو ممولها أو مشتريها النهائي واحدًا. وعندئذ يتغير مسار الاعتماد أكثر مما تتغير درجته. بالنسبة إلى العراق، أقترح أن تُقرأ خريطة العلاقات بحسب الوظيفة، لا بعدد الأعلام في مراسم التوقيع. تنويع المشتري لا يعوض بالضرورة احتكار خدمة النقل، وتعدد المشغلين لا يوفر بديلًا إذا اعتمدوا جميعًا على منفذ واحد. الاستقلال النسبي يحتاج إلى بديل يمكن استخدامه بكلفة ووقت محتملين، لا إلى خيار مرسوم لم يدخل التشغيل.
تساعد هنا دراسة هنري فاريل وأبراهام نيومان عن استخدام الاعتماد المتبادل للإكراه. تربط الدراسة القدرة على استثمار مركزية الشبكة بالاختصاص الفعلي على نقاطها الرئيسية وبوجود مؤسسات قادرة على استخدام ذلك الاختصاص. الدراسة المنشورة في International Security، 2019 موضوعها الأساسي شبكات مالية ومعلوماتية؛ لا يجوز نقل نتائجها إلى طريق بري وكأنهما متماثلان. لكن التمييز بين وجود الأصل داخل الحدود والقدرة المؤسسية على تقرير استخدامه مناسب لفحص الادعاء بأن الموقع الجغرافي وحده مصدر نفوذ.
ولا أستنتج من ذلك أن هدف العراق يجب أن يكون تعطيل الآخرين أو تحويل كل اتصال إلى وسيلة ضغط. فالزبون الذي يخشى قرارًا اعتباطيًا سيبحث عن بديل حتى إن كان أعلى كلفة. ويمكن للدولة أن تزيد وزنها عبر خدمة قابلة للاستمرار وقواعد تحمي أطرافها، مع الاحتفاظ بصلاحياتها القانونية. الفرق هو بين حق معلوم في اتخاذ إجراء استثنائي، مع أساس ومراجعة، وبين قابلية الخدمة للتوقف تبعًا لصراع لا يعرف المتعامل حدوده. الأول يمكن إدخاله في تقدير المخاطر؛ والثاني يقوض الثقة التي يحتاجها مشروع الربط نفسه.
العقد يحدد ما لا تظهره الخريطة
يوضح اتفاق النفط المعلن في 1 آب 2026 هذا الفارق. بحسب وزارة الطاقة التركية، وقعت BOTAŞ مع سومو وشركة نفط الشمال اتفاق نقل لمدة سنة، وخُصصت للشركتين العراقيتين سعة مقدارها 750 ألف برميل يوميًا. بيان الاتفاق السعة المخصصة ليست كمية ثبت تصديرها يوميًا. كما أن مدة العقد أقصر كثيرًا من عمر البنية التي يستخدمها؛ لذلك يصبح تجديد القواعد وشروط النفاذ جزءًا من أمن المسار، إلى جانب سلامته الفنية.
لا يتيح البيان المنشور وحده الحكم على جميع الرسوم أو شروط التعويض أو آليات فض النزاع. ومن غير المسؤول افتراض أنها عادلة أو مجحفة من دون النصوص ذات الصلة. ما يمكن اقتراحه هو معيار المراجعة: هل يستطيع العراق معرفة كلفة الاستخدام وتعديلها المتوقع، وحقوقه عند الانقطاع، وشروط التجديد والخروج؟ وهل ترتبط التزامات الشراء أو النقل بقدرة فعلية على التوريد؟ كلما اتسعت الفجوة بين مدة الاستثمار ومدة الحق المضمون في استخدام الوصلة المكملة، زادت أهمية معالجة هذا الخطر قبل الالتزام بتوسعة جديدة.
وقد يتضمن التعاون الواسع منافع حقيقية يصعب الحصول عليها في اتفاق ضيق. شركة تملك خبرة وتشغيلًا وسوقًا يمكن أن تضيف قيمة للشريك العراقي. لكن جمع التمويل والتشغيل والتسويق في علاقة واحدة يستدعي بيانًا أوضح لتوزيع المخاطر، لأن تغيير أحد عناصرها قد يؤثر في البقية. أقترح أن تُختبر البدائل على مستوى الوظائف: ما الذي يمكن إسناده إلى مقدم آخر، وما الذي يستلزم استثمارًا بديلًا، وما الذي يتوقف على موافقة دولة أخرى؟ هذا الاختبار يمنع مساواة كثافة الشراكة بوجود احتكار، أو مساواة كثرتها بزوال التبعية.
ويجب أن تكون للعلاقة الخارجية قاعدة داخلية يمكن تنفيذها. فالمادة الثامنة من الدستور تربط علاقات العراق بحسن الجوار والمصالح المشتركة والتعامل بالمثل واحترام الالتزامات الدولية. الدستور العراقي أرى أن ترجمة ذلك في مشروعات الربط تبدأ بتحديد الجهة التي تلتزم، والجهة التي تنظم، ومن يراجع النتيجة. وإذا اختلفت مؤسسات الدولة، ينبغي أن يُحل الاختلاف بإجراءات معلومة بدل أن يُحمّل للشريك أو المنتج أو السكان. وحدة القرار هنا لا تعني إلغاء الاختصاصات، وإنما منع التعهد بما لا تستطيع الجهات المعنية تنفيذه معًا.
البلطيق وفيتنام يختبران فكرتين مختلفتين
في 9 شباط 2025، أكد اتحاد مشغلي شبكات نقل الكهرباء الأوروبية مزامنة شبكات إستونيا ولاتفيا وليتوانيا مع أوروبا القارية، بعد إنهاء اتصالها المتزامن بالمنظومة الروسية والبيلاروسية. إعلان إتمام المزامنة لم تحقق الدول الثلاث خيارها عبر الاكتفاء الذاتي المنعزل، وإنما عبر ترتيب اتصال بديل. وهذا يسمح بتمييز مهم للعراق: تقليل الاعتماد على علاقة محددة قد يتطلب تعاونًا خارجيًا أكبر، بشرط اختلاف قواعده ومخاطره وإمكان التحكم فيه.
غير أن كلفة بناء البديل لا تختفي خلف النتيجة السياسية. كانت المفوضية الأوروبية قد سجلت، في كانون الأول 2023، منحًا تتجاوز 1.23 مليار يورو للمشروع من مرفق توصيل أوروبا للطاقة. بيان التمويل والتنسيق وتختلف البيئة العراقية عن عضوية سوق أوروبية مشتركة وأطرها التنظيمية والتمويلية. لذلك يصلح المثال لإثبات أن البديل يحتاج إلى مؤسسة وتمويل وتحضير، ولا يصلح وعدًا بأن إنشاء خط عراقي جديد سيمنح النتيجة ذاتها أو يبرر تجاهل كلفته.
أما فيتنام فتختبر الفرق بين مرور التجارة وتحول الإنتاج. درست تاتيانا شولتسه وواينينغ شين ست دول آسيوية في ورقة لصندوق النقد صدرت في حزيران 2025. وجدت الورقة، للفترة 2018–2022، أدلة على زيادة المكون المحلي في صادرات فيتنام إلى الولايات المتحدة في قطاعات استراتيجية، مقارنة ببديل إحصائي، فيما بقيت الأدلة أقل حسمًا للدول الخمس الأخرى. دراسة إعادة توزيع التجارة، الملخص والنتائج هذه ورقة بحثية، لا إجماع نهائي، لكنها تبين لماذا يجب فحص ما يُنتج داخل البلد بدل الاكتفاء بارتفاع صادراته الإجمالية.
لا أستنتج أن العراق يستطيع تكرار المسار الصناعي الفيتنامي بمجرد إنشاء ممر؛ فالدراسة لا تختبر العراق، والشروط الإنتاجية والأسواق والمؤسسات مختلفة. ما يمكن تطبيقه هو طريقة الفصل بين وظائف الاقتصاد. ينبغي التمييز بين أجرة نقل سلعة أجنبية، وخدمة عراقية متخصصة، ومصنع يستخدم مدخلات مستوردة ليضيف إنتاجًا محليًا. ويمكن أن تكون الأنشطة الثلاثة مفيدة، لكن اختلافها يغير حجم المهارات والدخل والاعتماد الخارجي. لذلك فإن عبارة «بلد ربط» تحتاج إلى حسابات نشاط محددة قبل أن تصبح وصفًا اقتصاديًا مقنعًا.
وتحمل المقارنتان قيدًا آخر: اختيار شريك جديد أو جذب إنتاج جديد لا يلغي التعرض لقرارات الخارج. قد ينتقل الخطر إلى سوق نهائية أو معيار تقني أو شرط تمويل مختلف. أرى أن النجاح لا يقاس باختفاء الاعتماد، وهو معيار غير واقعي، بل بقدرة المؤسسات على رؤيته وتوزيعه والتعامل مع انقطاع محدد. وتشمل هذه القدرة حماية البيانات التجارية ووضوح حق التدقيق واستمرار المهارات المحلية، حتى يستطيع الجانب العراقي تفسير أداء الشبكة من دون الاعتماد الكامل على تقرير مشغل واحد.
اختبار عراقي لدولة الربط
أقترح أن تعتمد الجهات العراقية المعنية بالنقل والطاقة والمالية والتخطيط تقييمًا مشتركًا لكل مشروع اتصال كبير، يربط العائد بحقوق القرار. يُقاس ما يبقى في الاقتصاد من أجور وأرباح وخدمات وإنتاج محلي، بعد خصم المدخلات والكلف ذات الصلة. ويُفحص مقدار الحركة أو الإيراد المعتمد على شريك واحد، والوقت والكلفة اللازمان لتفعيل بديل. ثم تُراجع حدود الصلاحيات التعاقدية والتنظيمية العراقية عند التعطل أو تغيير المشغل. هذه مؤشرات مقترحة، وليست نتائج تدقيق تزعم أن المشروعات الحالية اجتازتها أو فشلت فيها.
ومن المهم ألا تُجمع المؤشرات في درجة واحدة تخفي المفاضلات. قد يكون مشروع مربح شديد التركّز، ومشروع أقل ربحًا مفيدًا كبديل احتياطي. القرار المناسب يتوقف على مقدار الكلفة الإضافية التي تتحملها الخزينة، وعلى احتمال التعطل وأثره، لا على وصف أي مسار احتياطي بأنه ضرورة استراتيجية بلا حدود. كما ينبغي إعلان ما إذا كانت المنفعة المقدرة تخص المشغل أو الموازنة أو المنتجين والسكان؛ فهذه حسابات مترابطة لكنها ليست حسابًا واحدًا، وقد تتحسن إحداها على حساب الأخرى.
وأقترح أن تُعرض نتائج هذا التقييم على الجهات الرقابية المختصة قبل الالتزامات طويلة الأجل، مع نشر خلاصة تحمي الأسرار التجارية وتكشف الافتراضات والكلف العامة. يتضمن ذلك مراجعة منافع المحافظات التي تمر فيها المشروعات وإمكان وصول الأعمال المحلية إلى فرصها، لا استنتاج رضا السكان من وجود المنشأة قربهم. وتتصل هذه المتطلبات بـإدارة الحدود والعبور، لأن القاعدة الدولية لا تنفذ نفسها عند وصول المعاملة إلى مؤسسة عراقية. الثقة الخارجية تحتاج إلى انتظام داخلي تستطيع الدولة إثباته.
العراق لا يختار بين الانفتاح والسيادة على نحو مجرد. إنه يختار شروط انفتاح تزيد قدرته على التصرف، أو شروطًا تزيد الحركة من دون زيادة مماثلة في قدرته. وبيان التعاون الذي صدر مطلع تشرين الأول فرصة لطرح هذا الفرق قبل تثبيت ترتيبات جديدة. يصبح العراق دولة ربط حين يستطيع أن يبين ما يضيفه، وما يكسبه، وما يفعله إذا تغيرت الظروف؛ أما الخريطة، مهما كثرت خطوطها، فلا تجيب عن هذه الأسئلة نيابة عنه.
الاستشهاد بالمقال
علي زويد. العراق كدولة ربط أم كساحة عبور؟. 19 تشرين الأول 2026. https://alizuweid.com/articles/iraq-connector-state-transit-sovereignty/
