الجغرافيا السكانية: أين يعيش العراقيون ولماذا يهم ذلك استراتيجيا؟
في تحديثها المؤرخ في 31 آب 2026، سجلت مصفوفة تتبع النزوح التابعة للمنظمة الدولية للهجرة بقاء نحو 213,900 شخص نازحين في العراق ضمن رصدها للنزوح المرتبط بالجفاف. هذا تقدير لحالة النزوح المتبقية في ذلك التاريخ، وليس عدد من نزحوا حديثًا خلال السنة، ولا مجموع النازحين لجميع الأسباب. بيانات المنظمة الدولية للهجرة تكشف هذه الحركة لماذا لا يكفي أن تعرف الدولة عدد سكانها: يجب أن تعرف أين يقيمون الآن، وما الذي يدفعهم إلى الانتقال، وأين ستظهر حاجتهم التالية إلى مدرسة أو عمل أو ماء.
في شباط 2025، أعلنت وزارة التخطيط أن تعداد 2024 أحصى 46,118,793 نسمة. إعلان النتائج الأساسية هذا رقم مرجعي لتعداد 2024، لا تقدير لسكان تشرين الأول 2026. أهميته الاستراتيجية لا تأتي من الحجم وحده، وإنما من القدرة على ربط الناس بموارد المكان والخدمات والفرص. فإذا كانت الموازنة تعتمد توزيعًا سكانيًا قديمًا، بينما تتحرك الأسر أسرع من تحديث السجلات، تستطيع الدولة أن تنفق أكثر ويبقى جزء من احتياجاتها خارج الحساب.
بلد حضري، لكن المدن ليست وحدة واحدة
تعرض هيأة الإحصاء ونظم المعلومات الجغرافية نتائج التعداد بنسبة 70.2% للسكان في الحضر و29.8% في الريف. عرض الهيأة لنتائج التعداد أي إن نحو سبعة من كل عشرة عراقيين يعيشون في مناطق مصنفة حضرية. غير أن هذا التصنيف لا يجعل مركز بغداد وبلدة صغيرة وطرفًا عمرانيًا حديثًا حالات متماثلة. تتوقف كلفة الخدمة وفرصة العمل على كثافة السكان واتصالهم بالمرافق، لا على وضع كلمة «حضر» بجوار اسم المنطقة.
ويجب التمييز بين المدينة والمحافظة أيضًا. فعدد سكان محافظة بغداد، مثلًا، لا يجوز تقديمه بوصفه عدد سكان المدينة ضمن أي حدود نختارها، ثم مقارنته بمدينة أجنبية بحدود بلدية أضيق. وقد تتغير المقارنة إذا استُخدمت المنطقة المبنية أو مجال التنقل اليومي. لا أتخذ هنا أرقام المحافظات المتداولة أساسًا لترتيب المدن، لأن اختلاف الجداول والحدود والفترات قد ينتج ترتيبًا مضللًا. الخطوة الأولى قبل الحساب هي إعلان الوحدة الجغرافية وتاريخ البيانات التي يمثلها كل رقم.
يوفر تعريف المنطقة الحضرية الوظيفية، الذي طورته منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية والاتحاد الأوروبي، معالجة لهذه المشكلة: المدينة مع منطقة التنقل اليومي المرتبطة بها، بما يعكس الامتداد الاقتصادي الفعلي. منهج المناطق الحضرية الوظيفية لا أقترح استبدال حدود الإدارة العراقية بهذا التعريف، بل إضافة طبقة تحليلية إليها. فقد تنتمي المدرسة والمستشفى ومكان العمل إلى وحدات إدارية مختلفة، بينما يستخدمها سكان مجال واحد؛ والتخطيط المنفصل لكل وحدة قد يغفل هذه العلاقة.
من هنا تصبح المسافة التي يقطعها المواطن أهم أحيانًا من عدد المنشآت داخل منطقته. قد تتوافر عيادة قريبة لا تقدم الخدمة المطلوبة، أو مدرسة يمكن الوصول إليها بالسيارة لكن لا يستطيع الطفل بلوغها بأمان. أقترح أن تُقاس التغطية بزمن الوصول وكلفته واستمرارية الخدمة، إلى جانب عدد المرافق. وعند مقارنة المناطق، ينبغي فصل ضعف السعة عن ضعف الوصول وعن ضعف الجودة؛ لأن بناء منشأة جديدة لا يعالج بالضرورة العائق الذي يمنع الناس من استخدام منشأة قائمة.
الاستقرار السكاني قرار اقتصادي وبيئي
تشير بيانات النزوح المرتبط بالجفاف إلى أن العلاقة بين الماء والسكان تتحول إلى مسألة تخص التخطيط الحضري أيضًا. لكن الانتقال لا يفسر بعامل بيئي واحد في كل حالة؛ فقد يتداخل تراجع الدخل مع الديون والتعليم والخدمات وشبكات الأقارب. وبيانات الرصد لا تعزل مقدار مساهمة كل عامل. لذلك ينبغي التمييز بين معرفة مكان أسرة نازحة، ومعرفة السبب الدقيق لقرارها، والتنبؤ بالمكان الذي ستستقر فيه. لكل سؤال بيانات ومنهج مختلفان.
كما لا يساوي بقاء الأسرة داخل محافظتها بقاء احتياجاتها في المكان نفسه. انتقالها من قرية إلى مركز قضاء قد لا يغير المجموع السكاني للمحافظة، لكنه يغير الطلب على المدارس والصرف الصحي والسكن داخلها. وإذا اقتصر توزيع التمويل على حصة إجمالية للمحافظة، فقد لا يظهر الضغط الجديد إلا بعد ازدحام الصفوف أو ارتفاع الإيجارات. وهذه نتيجة تحليلية لطبيعة الحركة الداخلية، وليست ادعاء بأن جميع حالات الجفاف اتخذت اتجاهًا واحدًا أو انتهت إلى المدن الكبرى.
أرى أن الاستجابة تحتاج إلى حسابين متزامنين. في منطقة المنشأ، يُفحص إمكان استمرار سبل العيش وكلفة الماء والخدمة والتكيف. وفي منطقة الاستقبال، تُقدر حاجات السكان الجدد والمقيمين السابقين معًا. تمويل طرف واحد يترك الآخر يتحمل أثر القرار: دعم البقاء حيث لا تتوافر مقوماته قد يؤجل خسارة أكبر، وإهمال مناطق الاستقبال قد يحول انتقالًا اضطراريًا إلى حرمان مستمر. ولا ينبغي أن تصبح المساعدة مشروطة بإجبار الأسرة على البقاء أو العودة؛ فسلامة الاختيار وحقوقها جزء من الحل.
ويظهر ذلك في معنى الأمن القومي نفسه. تركز السكان في مكان معرض لتعطل خدمة أساسية يجعل أثر التعطل واسعًا، لكن الكثافة قد تتيح أيضًا تقديم الخدمة بكلفة أقل للفرد إذا أحسن تنظيمها. لا يوجد حكم مسبق بأن التجمع خطر وأن الانتشار أمان. المطلوب اختبار قدرة الماء والكهرباء والنقل والصحة على الاستمرار عند الضغط، وتحديد البدائل على مستوى السياسة العامة، من دون نشر تفاصيل حساسة عن نقاط الضعف. التوزيع السكاني مدخل لتقدير القدرة المدنية على الصمود، لا لتصنيف السكان تهديدًا.
السكن لا ينفصل عن العمل
عند إطلاق سياسة الإسكان الوطنية 2025–2030 في تشرين الأول 2025، عرضت الأمم المتحدة تقديرًا لعجز سكني يتراوح بين 2.5 و3.5 ملايين وحدة. بيان إطلاق سياسة الإسكان هو نطاق تقديري منشور آنذاك، لا قياس جديد للعجز اليوم. واتساع النطاق سبب إضافي لعدم اختزال السياسة في رقم واحد للوحدات التي ينبغي إنشاؤها؛ فموضع المسكن وقدرة الأسرة على دفع كلفته يحددان مقدار ما يعالجه من الحاجة.
إذا بُني السكن بعيدًا عن العمل والخدمات، قد ينخفض سعر الأرض ويرتفع ما تدفعه الأسرة يوميًا للنقل والوقت. وإذا اقتصر الدعم على التملك، فقد لا يصل إلى من يحتاج إيجارًا قريبًا من فرصة عمل غير مستقرة. لذلك أقترح مقارنة بدائل الإسكان بكلفة العيش الكلية، وبنوع الأسر التي تستطيع الانتفاع بها. ويجب أن تدخل احتمالات انتقال العمل وتغير حجم الأسرة في التقييم، بدل افتراض أن وحدة مكتملة البناء تمثل بالضرورة استقرارًا اقتصاديًا مكتملًا.
وتساعد تجربة توياما اليابانية على تحديد ما يمكن قياسه. فقد جمعت المدينة التخطيط العمراني بالنقل العام وشجعت السكن حول ممراته. ويسجل تقرير للبنك الدولي ارتفاع نسبة سكان تلك الممرات من 28% في 2005 إلى 39% في 2019. دراسة توياما، ص2 هذه مقارنة زمنية لحالة مدينة تواجه الشيخوخة وتراجع السكان؛ لا تجربة عشوائية تثبت أثر كل إجراء منفرد، ولا هدفًا عدديًا ينبغي نسخه في العراق.
تختلف نقطة البداية العراقية؛ فتركيب الطلب على المدارس والسكن والعمل ليس تركيب مدينة يابانية متقدمة في الشيخوخة. ما يفيد من التجربة هو اختبار السكن والنقل والخدمة كقرار واحد، وقياس من أصبح أقرب إلى ما يحتاجه. ولا يفرض ذلك سكة خفيفة في كل مدينة. قد تكون حافلات منتظمة أو تعديل مسار أو تحسين الوصول مشيًا أكثر ملاءمة، بحسب الكثافة والقدرة المالية. اختيار التقنية يأتي بعد تعريف المشكلة والسكان المستفيدين، لا قبل ذلك.
ولا يعني الاهتمام بالمدن ترك الريف خارج الاستثمار. النسبة الريفية تقارب ثلاثة أعشار السكان، وهي كافية لإبطال تصور أن كل خدمة يجب أن تُركز في المدن الكبرى. لكن تحقيق العدالة لا يقتضي نسخة متماثلة من كل مرفق في كل قرية. يمكن اختبار مراكز خدمة تخدم تجمعات متعددة مع نقل يمكن الاعتماد عليه، وخدمات متنقلة عندما تناسب طبيعة الحاجة. ويجب أن يدخل وقت النساء وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة في الكلفة، لا أن يُفترض أن جميع الأسر تمتلك وسيلة انتقال خاصة.
من خريطة السكان إلى قرار الموازنة
أكدت وزارة التخطيط، في بيان اليوم العالمي للسكان المنشور في تموز 2026، تحويل مخرجات التعداد إلى سياسات وربط التعليم والتدريب باحتياجات سوق العمل ضمن خطة التنمية الوطنية. بيان وزارة التخطيط هذه وجهة سياسة معلنة، لا دليل على اكتمال التنفيذ. والاختبار العملي الذي أقترحه هو أن يستطيع صانع القرار تفسير سبب تمويل مدرسة أو شبكة ماء في موقع معين، بالاعتماد على طلب سكاني حديث وفجوة خدمة موثقة.
يبدأ ذلك بربط بيانات التعداد المجمعة بسجلات المدارس والصحة والمياه والنشاط الاقتصادي، على وحدات جغرافية متوافقة. ثم تُحدَّث مؤشرات الطلب بين التعدادات من سجلات الولادات والالتحاق وحركة السكن ومسوح محددة. لا ينبغي نسخ تقدير إلى آخر ثم التعامل معه كأنه تعداد جديد؛ يجب أن يظل مصدر كل تحديث وحدوده واضحين. كما ينبغي إتاحة المؤشرات المجمعة للبحث، مع حماية بيانات الأشخاص ومنع نشر تفاصيل يمكن أن تكشف الأسر الصغيرة أو تعرضها للتمييز.
وأقترح أن تفصل صيغة تخصيص الاستثمار بين ثلاثة اعتبارات: عدد المستفيدين، وحجم الحرمان، وكلفة تقديم الخدمة في المكان. الاعتماد على العدد وحده قد يترك المناطق قليلة السكان أمام كلفة لا تستطيع تحملها؛ والاعتماد على الفقر وحده قد يغفل نموًا سريعًا يولد عجزًا جديدًا. أما الكلفة فيجب فحصها حتى لا تكافئ التخطيط المبعثر أو المصروفات غير المبررة. هذه مبادئ مقترحة لصيغة قابلة للنقاش والتجريب، وليست بديلًا عن القواعد القانونية القائمة أو أرقامًا جاهزة لتوزيع الموازنة.
ويمكن البدء بتجربة محدودة تجمع منطقة استقبال سكاني ومنطقة منشأ ومدينة متوسطة، من دون افتراض أنها تمثل العراق كله. يُنشر خط الأساس، وقرار الاستثمار، والنتيجة بعد التشغيل: من تحسن وصوله إلى الخدمة، وبأي كلفة، ومن بقي مستبعدًا؟ ثم يُصحح التصميم قبل التوسع. ويكمل هذا الاختبار تحليل المدن والممرات والبنية التحتية؛ إذ لا تصبح الشبكة أصلًا منتجًا لمجرد اتصال المواقع، بل عندما يستطيع الناس استخدام فرصها.
التعداد يمنح العراق مرجعًا مشتركًا، لكنه لا يجمد المجتمع عند يوم العد. قوة الدولة في هذا المجال هي أن تلاحظ تغير المكان قبل أن يتحول إلى أزمة خدمة أو خسارة فرصة، وأن تتيح للناس الاستقرار والانتقال بشروط كريمة. فالخريطة الاستراتيجية المفيدة هي التي تستطيع تفسير حياة السكان الفعلية، ثم تغيير القرار العام على أساسها.
الاستشهاد بالمقال
علي زويد. الجغرافيا السكانية: أين يعيش العراقيون ولماذا يهم ذلك استراتيجيا؟. 19 تشرين الأول 2026. https://alizuweid.com/articles/iraq-population-geography-strategic-planning/
