انتقل إلى المحتوى

البيئة الاستراتيجية والجغرافيا السياسية للعراق

طريق التنمية والممرات: عندما تصبح اللوجستيات جزءا من الأمن القومي

علي زويد

بقلم علي زويد · · 9 دقائق قراءة

في 28 أيلول 2026، نشر البنك الدولي نتائج دراسة جديدة عن الممر العابر لقزوين. قدّرت الدراسة أن الاستثمار في البنية يمكن أن يرفع حجم التجارة عبر المسار إلى أكثر من ثلاثة أمثاله، وأن إقرانه بإصلاحات كفاءة النقل والتجارة يمكن أن يرفعه إلى أربعة أمثال بحلول 2040. هذه سيناريوهات مشروطة وليست حركة تجارية تحققت. عرض نتائج الدراسة وما يهم العراق في الفارق بين السيناريوهين هو أن السكة والميناء والطريق لا تحدد النتيجة وحدها؛ إذ تدخل طريقة تشغيلها والعبور بينها في حساب الجدوى نفسه.

يمنح هذا النقاش طريق التنمية سؤالًا أكثر فائدة من المقارنة بين خطوط مرسومة على خرائط آسيا وأوروبا: ما الخدمة التي يستطيع العراق بيعها، ولمن، وبأي كلفة يمكن استمرارها؟ الممر مشروع أمن قومي عندما يزيد قدرة الاقتصاد على الإنتاج والتبادل وتحمل التعطل، ويمنح الدولة خيارات قابلة للاستخدام. أما جعل الصفة الاستراتيجية بديلًا عن اختبار الطلب والتمويل فقد يحول مشروعًا واعدًا إلى التزام طويل لا يعرف الجمهور شروطه. وفي تقديري، الدفاع الجاد عن طريق التنمية يبدأ بتحديد ما يجب أن ينجح في كل مرحلة، وما القرار المناسب إذا لم يتحقق.

ما الذي تموله القرارات بالفعل؟

أقر البنك الدولي في 24 حزيران 2025 تمويلًا بقيمة 930 مليون دولار لمشروع توسيع السكك العراقية وتحديثها. ويشمل نطاقه تأهيل 1047 كيلومترًا من الشبكة القائمة بين أم قصر والموصل عبر بغداد، إلى جانب الأسطول والصيانة والإصلاح المؤسسي. إعلان مشروع السكك هذا تمويل أُقر لمشروع محدد، ولا يثبت اكتمال الأعمال أو تمويل جميع مكونات طريق التنمية. كما أن تحسين شبكة قائمة يخدم احتياجات مختلفة عن إنشاء كل الروابط الجديدة التي يتطلبها ممر دولي كامل.

وفي 4 حزيران 2026، وافق البنك على تمويل آخر بقيمة 900 مليون دولار لممرات الطرق العراقية. يركز المشروع على محور شمالي نحو الحدود التركية ومحور غربي نحو سوريا والأردن، بمرحلة أولى تشمل مقاطع من E1 وE2 وطرقًا مختارة في إقليم كردستان. إعلان مشروع ممرات الطرق لا ينبغي جمع مبالغ التمويل ثم عرض حاصلها بوصفه كلفة الممر كله أو ما صُرف منه. الموافقة، والتعاقد، والصرف، واستلام الأصل، وبدء الخدمة، مراحل مختلفة، ولكل منها دليلها.

ولهذا التمييز أثر على ترتيب الاستثمار. فالمقطع الذي يصل إنتاجًا عراقيًا بسوق عراقية قد يقدم منفعة قبل اكتمال رحلة من الخليج إلى أوروبا. أما المقطع الذي لا يجد استخدامًا اقتصاديًا إلا بعد اكتمال عدة وصلات خارجية، فتزداد حساسيته للتأخير خارج سيطرة الحكومة العراقية. أقترح تقييم الحالتين بصورة منفصلة، حتى لا تُحجب منفعة داخلية قابلة للتحقق خلف توقعات ترانزيت بعيدة، ولا تُمنح وصلة معزولة عائدًا افتراضيًا يفترض اكتمال كل ما حولها في موعد واحد.

ويستحق مسار التعاون السياسي القراءة بالدقة نفسها. أعلنت وزارة النقل القطرية اجتماع المجلس الوزاري الرباعي الأول بشأن طريق التنمية وتطوير ميناء الفاو في آب 2024، بمشاركة العراق وتركيا وقطر والإمارات. بيان الاجتماع الوزاري الاجتماع واقعة تعاون مهمة، لكن بيانه ليس إغلاقًا ماليًا ولا عقد شراء لخدمة نقل. المنفعة تأتي عندما تتحول المشاركة إلى التزامات قابلة للفحص: من ينشئ الوصلة، ومن يشغلها، وما شروط النفاذ والتسعير وتسوية النزاع؟ هذه التفاصيل هي التي تسمح للشاحن باتخاذ قرار تجاري.

الشحنة تختار خدمة كاملة

في دراسة منشورة في American Economic Review سنة 2013، استخدم ديفيد هاملز وجورج شاور بيانات الواردات الأميركية والاختيار بين الشحن الجوي والبحري لتقدير قيمة الوقت. قدّرا أن يومًا إضافيًا في النقل يعادل كلفة تتراوح بين 0.6% و2.1% من قيمة السلعة، مع حساسية أكبر لتجارة الأجزاء والمكونات. دراسة الوقت بوصفه حاجزًا تجاريًا لا يجوز نقل هذه النسب إلى العراق كتعرفة فعلية أو خسارة محسوبة. ما تثبته الدراسة ضمن نطاقها أن الوقت قيمة اقتصادية تختلف باختلاف السلعة، ويمكن أن يغير اختيار وسيلة النقل.

وعليه، لا تكفي عبارة «المسار الأقصر» لإثبات أن طريق التنمية هو الخيار الأفضل لكل شحنة. فقرار الشركة يجمع أجرة النقل، والمناولة والتخزين، وكلفة بقاء المال في البضاعة، واحتمال التأخر، وتواتر الخدمة. وقد تقبل سلعة عالية الحساسية للموعد سعرًا أعلى مقابل انتظام أكبر، بينما تحتاج سلعة ثقيلة منخفضة القيمة إلى اقتصاديات حجم مختلفة. لذلك يجب أن تنطلق دراسة الطلب من أنواع البضائع ومصادرها ووجهاتها، لا من نسبة مفترضة يقتطعها المشروع من رقم التجارة العالمية.

والاختبار التجاري الأدق هو مقارنة رحلة كاملة برحلة كاملة. ينبغي أن تُحسب مدة الانتقال من مصدر البضاعة إلى مستلمها، بما فيها تبديل الوسائط والانتظار في المرافئ والحدود، وعلى أساس مستوى خدمة متماثل. وإذا استُخدمت تجربة نقل واحدة لإثبات الإمكان الفني، فلا يصح تحويل أفضل زمن سجلته إلى وعد دائم للسوق. يحتاج قرار الاستثمار إلى توزيع الأزمنة والكلف عبر رحلات وظروف متعددة، وإلى معرفة حجم الطلب الذي سيبقى بعد انتهاء أي تخفيض ترويجي في الأسعار.

وينقل ذلك إدارة الحدود إلى صلب جدوى الممر. تستطيع الدولة أن تحسن الطريق ثم تفقد جزءًا من أثره عند اختلاف الوثائق أو تأخر قرار العبور. وفي المقابل، قد يحقق إصلاح إجراء متكرر منفعة لشبكة قائمة قبل اكتمال التوسعة. المسألة التي يناقشها تحليل الحدود العراقية هي كيفية توحيد الخدمة مع حفظ الرقابة والاختصاصات. أما هنا، فالنتيجة الاستثمارية هي أن كلفة الإصلاح المؤسسي وزمنه يجب أن يدخلا البرنامج المالي منذ البداية، بدل تأجيلهما إلى ما بعد تسلم المنشآت.

درس قزوين، والجزء الواقع خارج العراق

تختلف حالة الممر العابر لقزوين عن العراق؛ فهي تجمع دولًا متعددة ووصلات برية وبحرية وشبكات تشغيل متباينة. يدعو التقرير الجديد إلى تنسيق أقوى بين البلدان والمشغلين وإلى تكامل خدمات النقل والبيانات. متطلبات تشغيل الممر لا تصلح تقديرات نموه أهدافًا عراقية جاهزة، كما أنها لم تتحول بعد إلى نتائج نهائية يمكن نسبتها للإصلاح. الدرس القابل للاختبار هو أن تجزؤ المسؤولية يرفع صعوبة تقديم خدمة واحدة للزبون، حتى عندما تمتلك كل دولة جزءًا صالحًا من البنية.

وقد ظهر هذا الاعتماد على وصلات خارجية في قرار ملموس خلال 2026. ففي 31 آذار، وافق البنك الدولي على قرض بقيمة ملياري دولار لمشروع عبور سككي جديد لمضيق إسطنبول، وحدد اختناق البوسفور بوصفه قيدًا على عدة ممرات، بينها طريق التنمية العراقي. قرار تمويل INRAIL القرار ليس إثباتًا لزوال الاختناق اليوم. لكنه يبين أن جاهزية الجزء العراقي لا تكفي وحدها لتقرير موعد الخدمة وسعتها حتى أوروبا؛ فهناك استثمارات وجداول تشغيل وقرارات تقع خارج اختصاص بغداد.

ومن هذه الزاوية، قد تكون العلاقة بين الممرات تعاونًا ومنافسة في الوقت نفسه. يمكن لوصلة تخدم مسارًا آخر أن ترفع كفاءة جزء مشترك، بينما تنافس خدماته على بعض الزبائن. وفي المقابل، لا يضمن التعاون السياسي تخصيص سعة كافية لكل مشروع إذا ارتفع الطلب على الوصلة المشتركة. لذلك أقترح أن تشمل الاتفاقات قواعد النفاذ إلى الشبكة وتخصيص السعات ومعالجة التعطل، وأن تُختبر جدوى العراق تحت أكثر من توقيت لاكتمال الوصلات. لا يحتاج ذلك إلى وعد بأن الممر سيزيح جميع البدائل، بل إلى إثبات أنه يضيف خيارًا مجديًا يمكن الحفاظ عليه.

الجدوى التي تبقى بعد الافتتاح

تضع وثيقة تقييم مشروع الطرق العراقي، المعدة في آذار 2026، قيدًا مهمًا على التمويل الخاص. فهي تميز بين إيرادات المطارات التي يغلب عليها النقد الأجنبي، ورسوم الطرق بالعملة المحلية التي تتأثر برغبة المستخدم وقدرته على الدفع. وثيقة المشروع، ص5، الهامش 17 لذلك لا يمكن نقل نموذج تمويل أصل إلى آخر لمجرد نجاح توقيع عقده. وأي ضمان حكومي للطلب أو الإيراد يحتاج إلى تقدير كلفته عند انخفاض الحركة، لا الاكتفاء بالحالة التي يفترض فيها المستثمر استخدامًا مرتفعًا ومستقرًا.

وفي تقديري، ينبغي أن تُعرض للموازنة التزامات الإنشاء والتشغيل والصيانة والضمانات في تقييم واحد، مع بيان من يتحمل مخاطر الطلب والصرف والتأخير. رأس المال الخاص لا يجعل الخطر يختفي؛ قد ينقله العقد إلى جهة أخرى أو يعيده إلى الخزينة بشروط أقل ظهورًا. وينبغي كذلك الفصل بين الإيراد التجاري للمشغل والمنفعة العامة، كتحسن وصول المنتجين إلى الأسواق. فقد يستحق مشروع دعمًا عامًا لآثاره الاقتصادية، لكن هذا يحتاج إلى تبرير شفاف وحدود معلومة، لا إلى إخفاء الدعم داخل ضمان مفتوح.

ولا تنتقل قيمة البضاعة العابرة كلها إلى الدخل العراقي. ما يستحق القياس هو القيمة المحلية المضافة في النقل والتخزين والصيانة والخدمات والإنتاج المرتبط بالممر، بعد احتساب المدخلات المستوردة والكلف. ومن الممكن أن يرتفع حجم العبور بينما تبقى هذه القيمة محدودة إذا اقتصر الدور المحلي على خدمات قليلة. لذلك أقترح اختبار كل منطقة لوجستية أو صناعية مقترحة على أساس طلب منشآت يمكن تحديدها واحتياجاتها من الكهرباء والماء والمهارات، قبل احتساب وظائفها المتوقعة ضمن عائد الممر.

كما توزع المنشآت منافعها وأعباءها على جماعات مختلفة. قد يربح المصدر من وصول أسرع، بينما يتحمل السكان كلفة نزع أرض أو ازدحام أو تلوث. وفي تقييم الاستثمار، ينبغي أن تُحسب هذه الآثار وأن تُعرض مع إجراءات التعويض والسلامة والوصول المحلي. وإذا تحسن مسار الشاحنات على حساب تنقل العمال أو وصول القرى إلى الخدمات، تكون الدراسة قد أغفلت جزءًا من الاقتصاد الذي يفترض أن تخدمه. لا تتحقق صفة المشروع الوطني من موقعه على الخريطة، وإنما من القدرة على تبرير توزيع كلفته ومنفعته.

أقترح، تبعًا لذلك، أن تعتمد الجهات العراقية المعنية بالنقل والتخطيط والمالية قرارات توسع متتابعة، يسبق كلًا منها تحقق مستقل من الطلب والخدمة والتمويل. تبدأ الأولوية بالمقاطع التي تخدم حركة داخلية يمكن قياسها وتزيل عائقًا معلومًا، مع تصميم يسمح بالاتصال الإقليمي لاحقًا. ثم يُربط الالتزام بالمرحلة التالية بأدلة على استخدام المرحلة السابقة واتفاقات تشغيل الوصلات المكملة. هذا معيار مقترح للقرار، وليس ادعاء بأن دراسات عراقية منشورة حددت بالفعل هذه العتبات أو اجتازتها.

ويُستكمل ذلك بنشر بيان دوري يفصل التمويل الموافق عليه عما صُرف، والأعمال المستلمة عن الخدمة الفعلية، والوظائف المؤقتة عن العمل المستدام. كما ينبغي ربط عقود التشغيل والصيانة بمستوى خدمة يمكن مراجعته، مع استمرار الرقابة على شروط المنافسة. بذلك يستطيع المواطن والبرلمان والقطاع الخاص متابعة المشروع بالوقائع نفسها، وتصبح إعادة ترتيب مرحلة أو تأجيل توسعة غير مجدية تصحيحًا مسؤولًا، لا اعترافًا سياسيًا بالفشل يُمنع الإعلان عنه.

قيمة طريق التنمية للأمن القومي العراقي ستتحدد بما يجعل الاقتصاد قادرًا على فعله حين تصبح التجارة أصعب، وبما يضيفه إلى الإنتاج في الظروف العادية. فإذا نجحت مرحلة في خدمة العراقيين وفي تقديم رحلة يعتمد عليها الزبون، فقد صنعت أساسًا صالحًا للتوسع. أما أرقام الحركة البعيدة، مهما كانت جذابة، فتبقى فرضيات إلى أن تتحول إلى عقود وخدمات ونتائج يمكن فحصها.

علي زويد - باحث في الشؤون الاستراتيجية والأمن القومي

المصادر والمراجع الأساسية

البنك الدولي، الممر العابر لقزوين، 28 أيلول 2026؛ مشروع السكك العراقية، 2025؛ ممرات الطرق العراقية، 2026؛ وزارة النقل القطرية، الاجتماع الرباعي، 2024؛ هاملز وشاور، الوقت بوصفه حاجزًا تجاريًا، 2013؛ مشروع عبور إسطنبول السككي، 2026؛ وثيقة تقييم مشروع الطرق العراقي، آذار 2026.

الاستشهاد بالمقال

علي زويد. طريق التنمية والممرات: عندما تصبح اللوجستيات جزءا من الأمن القومي. 15 تشرين الأول 2026. https://alizuweid.com/articles/iraq-development-road-logistics-national-security/

عم تبحث؟

ابحث في المحتوى المنشور على الموقع.