انتقل إلى المحتوى

الدولة والسيادة والقرار الاستراتيجي

الفيدرالية والأمن: كيف توزع الاختصاصات من دون تفكيك السيادة؟

علي زويد

بقلم علي زويد · تاريخ المقال: · 8 دقائق قراءة

أعلنت وزارة شؤون البيشمركة في إقليم كردستان عن اجتماع أمني في بغداد يوم 6 سبتمبر 2026، شارك فيه مسؤولون اتحاديون وإقليميون لبحث التنسيق، بما فيه عمل الألوية المشتركة والتدريب. الإعلان يثبت حصول اجتماع وفق رواية الجهة المشاركة، ولا يثبت أن الخلافات انتهت أو أن الأداء تحسن بمقدار معلوم. لكنه يضع أمام العراقيين مسألة متكررة: كيف تستطيع سلطات متعددة أن تؤدي وظائف أمنية مختلفة داخل دولة واحدة، من دون أن يصبح كل احتكاك بينها اختبارًا جديدًا لوحدة الدولة؟ بيان وزارة شؤون البيشمركة.

يميل النقاش إلى جوابين مبسطين: إما جمع كل صلاحية في المركز باعتباره ضمان السيادة، أو التعامل مع كل صلاحية محلية باعتبارها حقًا لا يخضع للتنسيق الوطني. لا يكفي أي منهما لفهم دستور اتحادي يوزع الوظائف ويثبت في الوقت نفسه وحدة الدولة. والمشكلة العملية ليست عدد الجهات وحده، بل معرفة من يقرر في كل نوع من المسائل، ومن ينفذ، ومن يتحمل النتيجة، وكيف يُحسم الخلاف قبل أن يتحول إلى تعطيل. اجتماع التنسيق مهم بقدر ما ينتج قواعد قابلة للاستمرار بعد تغير الأشخاص أو توتر العلاقات السياسية.

قراءة الصلاحيات معًا

تصف المادة الأولى من الدستور العراق بأنه دولة اتحادية واحدة. وتجعل المادة 110 رسم سياسة الأمن الوطني وتنفيذها، بما يشمل إنشاء القوات المسلحة وإدارتها لحماية الحدود والدفاع عن العراق، اختصاصًا اتحاديًا حصريًا. وفي المقابل تعطي المادة 121، خامسًا، حكومة الإقليم اختصاص إنشاء وتنظيم قوى الأمن الداخلي، ومنها الشرطة والأمن وحرس الإقليم. قراءة أحد النصين وإهمال الآخر تنتج صورة ناقصة: الاعتراف بالإدارة الأمنية الإقليمية لا يلغي الاختصاص الوطني، والاختصاص الوطني لا يمحو تلقائيًا كل وظيفة إقليمية. الدستور العراقي، المواد 1 و110 و121.

ويحتاج الاستناد إلى المادة 115 إلى الدقة نفسها. فهي تتناول الاختصاصات غير الحصرية وأولوية القانون الإقليمي في الخلاف بشأن الصلاحيات المشتركة؛ لا تمنح أولوية عامة تُسقط الاختصاصات الاتحادية الحصرية. كذلك لا يصح نقل حكم متعلق بالإقليم إلى محافظة غير منتظمة في إقليم دون فحص المادة 122 والإطار القانوني المختص. هذه قراءة لبنية النص، وليست حسمًا لكل نزاع دستوري أو تشريعي قائم. فائدتها إبعاد النقاش عن استعمال كلمة «فيدرالية» وكأنها تفويض مفتوح لأي مستوى، أو وكأنها استثناء مؤقت لا يترتب عليه تنظيم فعلي للسلطة. الدستور، المواد 115 و121 و122.

حين تتداخل الأعمال اليومية، يصبح السؤال عن طبيعة الوظيفة أكثر فائدة من السؤال عمن يملك المكان وحده. فالمعلومة المحلية، وحماية منشأة، والتحقيق في جريمة، وتقدير تهديد خارجي، ليست أعمالًا متطابقة حتى لو حدثت في مساحة واحدة. يمكن أن تتطلب مشاركة جهات متعددة، لكن المشاركة لا تعني غياب جهة مسؤولة عن القرار النهائي ضمن اختصاصها. وأي ترتيب عملي ينبغي أن يوضح هذا الفرق، لأن عبارة «مسؤولية مشتركة» قد تتحول إلى عذر تتبادل المؤسسات بواسطته اللوم عندما تتأخر الاستجابة أو يقع تجاوز على حقوق الناس.

ما الذي يجعل التنسيق مؤسسة؟

يوحي اجتماع سبتمبر بإمكان استمرار قنوات العمل رغم الخلاف السياسي، لكنه لا يكفي وحده لتقييم متانتها. أرى أن اختبار التنسيق يكون في وجود إجراءات معروفة للتواصل وتسجيل القرار وتسوية الاعتراض، لا في كثرة اللقاءات. ولا يتطلب الإعلان عن هذه المبادئ كشف تفاصيل عمليات أو مواقع أو قدرات حساسة. يمكن للمواطن والبرلمان معرفة الجهة التي تتحمل مسؤولية الشكوى أو الإنفاق أو الرقابة، بينما تبقى المعلومات التي يضر كشفها بالأمن محمية. السرية المهنية والوضوح المؤسسي يؤديان وظيفتين مختلفتين ولا يلزم أن يتعارضا.

يتطلب الأمر أيضًا التمييز بين التعاون المؤقت وتقاسم مسؤولية دائم. قد تتفق جهتان على إجراء عاجل لمعالجة وضع محدد؛ لكن تكرار الترتيب من دون أساس واضح قد يصنع واقعًا تتجاوز فيه الممارسة النص. وفي الاتجاه المعاكس، قد يؤدي الإصرار على انتظار تسوية كل خلاف سياسي إلى تعطيل تعاون لازم لحماية السكان. المخرج الذي أقترحه هو اتفاقات تنفيذية محددة الغرض والمدة والمراجعة، ضمن الصلاحيات القانونية القائمة، مع إحالة ما يتجاوزها إلى الجهة المختصة بدل تغطيته بتعبير فضفاض عن التفاهم.

وتبرز المساءلة المالية بوصفها جزءًا من المسألة الأمنية. عندما توجد مهمة متفق عليها، يجب أن يعرف المراجع من يمولها، وما الذي يثبت تنفيذ الالتزام، وكيف تمنع ازدواجية احتساب النفقة. لا يعني ذلك نشر تفاصيل تمس الأفراد أو الجاهزية، بل تمكين الرقابة المختصة من تتبع علاقة المال بالمهمة. أما تحويل الإنفاق إلى خلاف على الهوية وحدها، فيجعل التحقق المهني تابعًا للتفاوض السياسي. يمكن أن تكون المطالبة بالشفافية مشروعة، لكن معيارها ينبغي أن يطبق على الجهات المعنية بصورة متسقة، لا أن يستخدم انتقائيًا لإضعاف طرف.

درس ألماني محدود وقابل للفحص

يقدم القانون الأساسي الألماني مثالًا على تنظيم المساعدة بين مستويات الحكم. فالمادة 35 تقرر المساعدة المتبادلة، وتحدد طلب الإسناد في الكوارث أو الحوادث الجسيمة، وتنظم تدخل الاتحاد عندما يتجاوز الخطر ولاية واحدة، مع قيد لإنهاء التدابير. قيمة المثال أن وجود سلطات متعددة لا يترك بدء المساعدة وانتهاءها لتقدير غير مقيد. وهو مثال على تصميم قانوني، لا دليل منفرد على أن الفيدرالية أنتجت جميع نتائج الأمن الألماني أو أن الإجراءات تُطبق دائمًا بلا خلاف. القانون الأساسي الألماني، المادة 35.

ما يمكن للعراق تعلمه هو ضرورة تعريف سبب الانتقال من العمل المحلي إلى الإسناد الأوسع، والجهة التي تطلبه، والجهة التي تراجعه، والشرط الذي ينهيه. أما نقل توزيع الصلاحيات الألماني نفسه فغير سليم؛ فالدستوران مختلفان، والسياق العراقي يتضمن علاقات سياسية وتاريخية وتنظيمات أمنية لا تطابق الولايات الألمانية. لذلك ينبغي أن تبدأ المقارنة من سؤال عراقي محدد، مثل كيفية تجنب تحول استثناء طارئ إلى ترتيب دائم، لا من افتراض أن نجاح مؤسسة أجنبية يجعل نسخها علاجًا عامًا.

وتساعد المقارنة في كشف خطأ مقابل أيضًا: الخوف من تغول المركز لا يبرر ترك المخاطر العابرة للحدود الإدارية بلا صاحب قرار. فالخطر قد يتجاوز نطاق الجهة التي رصدته، بينما تكون المعرفة التفصيلية موجودة لديها. لهذا تحتاج الدولة إلى جمع المعرفة وتنسيق القرار مع الحفاظ على مسؤولية كل مستوى. وقد يكون الامتناع عن تبادل معلومة ضرورية بسبب تنازع الصلاحيات كلفته على السكان أكبر من كلفة النزاع الإداري نفسه. الحل المؤسسي هو تنظيم المشاركة والضمانات مسبقًا، وليس إلغاء الحماية القانونية عند أول أزمة.

السيادة تقاس بقابلية تنفيذ القرار المشروع

أقترح أن تبدأ مراجعة عراقية مشتركة بمجموعة محددة من الوظائف التي تتكرر عند حدود الاختصاص، وأن تنتج وصفًا مكتوبًا لمسؤولية القرار والتنفيذ والتمويل والرقابة في كل منها. يشارك القانونيون والمهنيون من الجهات المعنية، وتُعرض النتائج التي تحتاج تشريعًا على المسار التشريعي. لا يكون الهدف إعادة تفسير الدستور عبر وثيقة إدارية، بل إظهار مواضع الوضوح ومواضع الخلاف بدل إخفائها. فمعرفة أن مسألة لم تُحسم أفضل من افتراض اتفاق غير موجود ثم اكتشافه أثناء أزمة.

ويجب اختبار الترتيبات عبر مراجعات مؤسسية لا تتضمن نشر معلومات تشغيلية حساسة: هل وصلت الشكوى إلى الجهة المختصة؟ هل استُخدم مسار الاعتراض؟ هل جرى تنفيذ القرار في المدة المعتمدة؟ هل سجلت النفقة مرة واحدة وبالجهة الصحيحة؟ هذه أسئلة عن سلامة الإدارة يمكن تقييمها دون وضع خريطة علنية لنقاط الضعف الأمنية. كما ينبغي أن تنتهي المراجعة بتعديل محدد عندما يظهر خلل، لا باجتماع آخر يعيد تأكيد أهمية التنسيق. وتظل الرقابة على التجاوزات جزءًا من جودة الأداء، وليست قضية تؤجل حتى اكتمال التفاهم السياسي.

هناك شرط يتجاوز العلاقة بين بغداد وأربيل: أن تنتمي القوة داخل كل مستوى إلى المؤسسة العامة لا إلى الولاء الحزبي أو الشخصي. تضع المادة التاسعة القوات المسلحة والأجهزة الأمنية تحت القيادة المدنية وتحظر دورها في تداول السلطة. لذلك لا يكفي نقل القرار من مركز إلى إقليم أو العكس إذا بقيت قاعدة التعيين والمساءلة غامضة. توزيع السلطة دستوريًا يفقد معناه عندما لا يستطيع المستوى الذي مُنح الاختصاص ضمان التزام أجهزته بقراره المشروع. الدستور العراقي، المادة 9.

ولا يستقيم بناء الثقة باشتراط الثقة الكاملة قبل أي عمل. يمكن إنشاء ضمانات صغيرة قابلة للتحقق، مثل ثبات قنوات الاعتراض، وتوثيق أسباب القرار، ومراجعة الالتزامات في موعد معلوم. هذه الإجراءات لا تعالج وحدها الخلاف على الموارد أو التمثيل أو الأرض، لكنها قد تمنع انتقال كل خلاف إلى كامل العلاقة الأمنية. وما ينبغي تجنبه هو تحميل ترتيبات التنسيق وعدًا بحل سياسي شامل، أو الحكم عليها بالفشل لأنها لم تنجز ما لم تُصمم أصلًا لإنجازه.

تحافظ الفيدرالية على السيادة عندما توزع وظائف الدولة من دون أن تجعل تنفيذ القرار المشروع رهينة مساومة جديدة في كل مرة. ويصبح خطر التفكك أكبر حين تبقى الصلاحيات معلنة والمسؤوليات الفعلية غير محددة. ما يستحق المتابعة بعد اجتماع أمني ليس صورة المشاركين، بل ما إذا كان المواطن قد أصبح يعرف من يحمي حقه، وما إذا كانت المؤسسات تعرف كيف تتعاون وتختلف داخل قاعدة واحدة.

علي زويد - باحث في الشؤون الاستراتيجية والأمن القومي

المصادر والمراجع الأساسية

  1. اجتماع أمني رفيع المستوى في بغداد — Kurdistan Regional Government, Ministry of Peshmerga Affairs (2026-09-06)
  2. دستور جمهورية العراق لعام 2005 — مجلس القضاء الأعلى العراقي (2005)
  3. القانون الأساسي الألماني: المساعدة بين الاتحاد والولايات — German Federal Ministry of Justice / Federal Office of Justice
الاستشهاد بالمقال

علي زويد. الفيدرالية والأمن: كيف توزع الاختصاصات من دون تفكيك السيادة؟. 28 تشرين الأول 2026. https://alizuweid.com/articles/iraq-federalism-security-sovereignty/

عم تبحث؟

ابحث في المحتوى المنشور على الموقع.