انتقل إلى المحتوى

البيئة الاستراتيجية والجغرافيا السياسية للعراق

الحدود الطويلة: من خط على الخريطة إلى منظومة أمن واقتصاد

علي زويد

بقلم علي زويد · · 8 دقائق قراءة

في 9 تشرين الأول 2026، أعلن اتحاد جمعيات النقل البري في منطقة التعاون الاقتصادي للبحر الأسود، BSEC-URTA، إجراء مباحثات مع سلطات شمال العراق لتسريع العبور، بعد تراجع حديث في حركة الترانزيت، خصوصًا المتجهة إلى الكويت. هذه شهادة جهة مشاركة في قطاع النقل، لا إحصائية وطنية تحدد مقدار التراجع أو أسبابه. لكنها تكشف مشكلة تستحق الفحص: قد يتوافر الطريق وقرار السماح بالعبور، ثم تفقد الخدمة زبائنها لأن الإجراءات لا تعمل بالانتظام المطلوب. بيان الاتحاد

في النقاش العراقي، تحضر الحدود غالبًا عندما يقع اختراق أمني أو يُعلن ضبط شحنة. غير أن التاجر النظامي، والسائق، والمنتج المحلي، والمسافر، يختبرونها يوميًا من خلال قواعد الدخول والخروج وتكاليف الامتثال. وما يحتاج إلى تفسير هو العلاقة بين الوظيفتين: كيف تستطيع الدولة منع الحركة غير المشروعة، مع جعل الحركة المشروعة أكثر وضوحًا وأقل كلفة؟ زيادة التشدد على الجميع قد ترفع الانتظار من دون أن تكشف المخالفة الأهم؛ وتخفيف التدقيق بلا معرفة قد يسرّع التجارة والجريمة معًا. الاختيار المؤسسي هو بناء قدرة تميّز بين الحالات وتتحمل مسؤولية قراراتها.

قاعدة واحدة وصلاحيات معلومة

بدأ تشغيل نظام النقل الدولي البري TIR في العراق في 1 نيسان 2025، وفق إعلان لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأوروبا. يقوم هذا الترتيب على نظام دولي للعبور الكمركي، ويتيح ربط الرحلة العراقية بشبكة أوسع من الدول. إعلان تشغيل TIR لكن أهلية استخدام النظام لا تثبت وحدها أن كل معبر يقدم الخدمة نفسها، أو أن كل رحلة تحقق زمنًا محددًا. الفارق بين الاتفاق الدولي وأداء الموظف والنظام المعلوماتي هو المكان الذي تتحول فيه السياسة إلى منفعة أو إلى عبء إضافي على المتعامل.

ويبدأ ضبط هذا الفارق من الدستور. فالمادة 110 تجعل رسم السياسة الكمركية من الاختصاصات الاتحادية الحصرية، بينما تدرج المادة 114 إدارة الكمارك ضمن الاختصاصات المشتركة، بالتنسيق مع حكومات الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في إقليم. دستور جمهورية العراق النصان لا يقدمان وحدهما دليل إجراءات جاهزًا لكل خلاف. لكن قراءتهما معًا تمنع اختزال المسألة في خيارين متقابلين: توحيد الدولة أو الاعتراف بتعدد مستويات الإدارة. المطلوب تحويل الاختصاصات إلى مسؤوليات معلومة، وقواعد بيانات متسقة، وتسوية قانونية للاختلافات، حتى لا يحمل صاحب البضاعة كلفة نزاع لم يصنعه.

وتسجل صفحة وزارة المالية الخاصة بأسيكودا الانتقال من التصريح الورقي إلى الإلكتروني منذ مطلع 2025، كما تميز بين وظائف منجزة وأعمال ربط قيد الاستكمال ومواعيد تطبيق مقترحة. سجل الوزارة لمشروع أسيكودا لا أتعامل مع هذه الصفحة بوصفها تدقيقًا شاملًا لحالة جميع المنافذ في تشرين الأول 2026؛ ففيها بيانات مراحل سابقة. قيمتها أنها تظهر أن الأتمتة مجموعة وظائف متفاوتة النضج. تسجيل البيان إلكترونيًا لا يثبت تلقائيًا اكتمال تبادل بيانات الفحص والمنشأ والدفع، ولا يعفي الجهة المختصة من إعلان ما يعمل فعليًا وما يتطلب معالجة.

أرى أن وحدة الإجراء تُختبر عند اختلاف الجهة أو المكان: هل تُقبل الوثيقة الصحيحة مرة واحدة؟ هل يعرف المتعامل أساس الرسم وسبيل الاعتراض عليه؟ وهل يُسجل تعديل القرار بحيث يمكن مراجعته؟ هذه أسئلة حوكمة، لا دعوة لإلغاء صلاحيات الفحص أو الرقابة. وعندما تتفق المؤسسات على تعريف المعاملة ومراحلها، يمكن تحديد سبب التأخير ومعالجته. أما شراء أجهزة وربط مكاتب من دون اتفاق على من يقرر ومن يصحح، فيجعل الخطأ ينتقل إلكترونيًا بسرعة أكبر.

ما الذي تقيسه المضبوطات؟

أحصى تقرير مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة عن العراق والمنطقة ضبط أكثر من 4.1 أطنان من أقراص الكبتاغون في العراق خلال 2023. وحدد التقرير نطاقه الزمني في 2019–2023، ونشر في تموز 2024. تقرير اتجاهات الاتجار بالمخدرات الرقم يثبت حجم ما أُبلغ عن ضبطه في سنة محددة؛ لا يمثل حجم السوق كله، ولا مستوى التهديد الحالي. وقد ترتفع المضبوطات بسبب تحسن الكشف، أو اتساع الاتجار، أو تغير التسجيل، أو اجتماع هذه العوامل. لذلك يصعب بناء حكم على أمن الحدود من اتجاه هذا المؤشر وحده.

ويلفت التقرير نفسه إلى تداخل النزاع والفساد والجماعات المسلحة ذات المصالح العابرة للحدود مع اقتصاد المخدرات. خلاصات التقرير الدلالة المؤسسية أوسع من مكان الاعتراض: إذا امتلكت الشبكة حماية أو قدرة على غسل العائد، فقد تبقى مربحة رغم خسارة بعض شحناتها. ولهذا ينبغي وصل الرقابة الحدودية بالتحقيق المالي والقضاء ومكافحة الفساد، وفق صلاحيات قانونية واضحة. ولا يثبت هذا التحليل تورط جهة بعينها؛ إنه يحدد ما يجب اختباره عند تقييم أثر سياسة المكافحة.

وثمة قيد آخر على استخدام الأرقام. زيادة عدد الأشخاص الموقوفين لا تخبرنا وحدها بنوعية القضايا أو اكتمال أدلتها أو نتائجها القضائية. ومن المعقول أن تُراجع المؤسسات المختصة مسار القضية من الإحالة إلى القرار النهائي، في بيانات مجمعة تحمي الحقوق وسرية التحقيق. بذلك يصبح بالإمكان اكتشاف إن كان الخلل في جمع الدليل أو التنسيق أو الإجراءات، بدل مكافأة جهاز على كثرة الإحالات ومعاقبة آخر على بطء لم يتسبب فيه. المطلوب قياس نتيجة قانونية قابلة للاستمرار، لا نشاط إداري منفصل عن أثره.

وهذا يفسر كذلك ضرورة فصل فئات العبور. فالمستورد النظامي، وطالب الحماية، وضحية الاتجار بالبشر، والمشتبه في ارتكابه جريمة، لا يدخلون في مسار قانوني واحد. أقترح أن يكون وضوح الإحالة وحماية حق الاعتراض جزءًا من تقييم إدارة الحدود، لا ملاحظة ملحقة بالتقرير الأمني. فالتصنيف الخاطئ يضر الأشخاص، ويستهلك الموارد التي يفترض تخصيصها لفهم المخاطر. ولا تحتاج مناقشة هذا المستوى من السياسة إلى نشر تفاصيل انتشار أو وسائل كشف يمكن استغلالها للإضرار بالبلد.

ما الذي تغيّر في مالابا؟

تعرض وثيقة للبنك الدولي تجربة معبر مالابا بين كينيا وأوغندا خلال مسح امتد من تشرين الثاني 2011 إلى آذار 2012. انخفض متوسط تأخر العبور، بحسب الوثيقة، من 24 ساعة إلى أربع ساعات بعد إجراءات شملت التنسيق والتصريح المسبق وتعديل تنظيم العمل، قبل بدء إعادة تشكيل المنشآت ماديًا. تجربة مالابا، الملحق G، ص154 هذه نتيجة تاريخية محددة، وليست وصفًا لأداء المعبر اليوم أو وعدًا بأن إصلاحًا عراقيًا سيحقق النسبة نفسها.

تستحق التجربة الاهتمام لأن التحسن سبق المبنى الجديد. لكنها لا تعزل إحصائيًا أثر كل إجراء عن غيره، ولا تلغي شروط التعاون الإقليمي والسوق التي أحاطت بها. تختلف البيئة العراقية في التهديدات والعلاقات مع الجوار وتوزيع الاختصاصات. ما يمكن نقله هو ترتيب الاختبار: تحديد الإجراء المعطل، والتوافق بين الجهات التي تنفذه، وقياس النتيجة قبل توسيع الاستثمار. وما لا يمكن نقله هو افتراض أن اجتماعًا تنسيقيًا يكفي حيث لا توجد قدرة على إلزام الأطراف أو محاسبة من يعطل الاتفاق.

كما لا تعني السرعة دائمًا أن المكسب وصل إلى الاقتصاد. إذا انخفضت كلفة الانتظار وبقي دخول سوق النقل أو التخليص محصورًا بمتعاملين قليلين، فقد يحتفظ مقدم الخدمة بجزء كبير من الوفر. هذه فرضية اقتصادية ينبغي اختبارها بالأسعار وعدد مقدمي الخدمة وشروط الترخيص، لا اتهامًا عامًا للقطاع. لذلك أقترح إشراك المنتجين والتجار الصغار، إلى جانب الناقلين الكبار، في تقييم الإصلاح. فهم يستطيعون بيان ما إذا كان زمن أسرع قد خفض الكلفة التي يدفعونها، أم نقل التأخير إلى مرحلة أخرى.

وفي المقابل، قد يفرض تبادل البيانات كلفة على منشأة صغيرة تفتقر إلى مهارات أو اتصال مستقر. معالجة هذه الكلفة لا تكون بإعادة المعاملة إلى الغموض؛ بل بإرشادات موحدة وخدمة مساعدة ومسار اعتراض واضح. وينبغي أن تظل هذه الخدمات متاحة وفق شروط متساوية، حتى لا يتحول التعقيد الرقمي إلى سوق وسيط إلزامي. نجاح الأتمتة يقاس أيضًا بمن يستطيع الامتثال لها بنفسه، وبعدد الأخطاء التي يمكن تصحيحها من دون توقف طويل أو نفوذ شخصي.

من الإنجاز المعلن إلى خدمة يمكن فحصها

يوفر دليل دراسة زمن الإفراج لمنظمة الجمارك العالمية، بإصداره الرابع لعام 2025، أساسًا مناسبًا لهذا الاختبار. فهو يقيس المدة من وصول البضاعة إلى الإفراج المادي عنها، ويؤكد مشاركة الجهات الحدودية المختلفة وتحليل مراحل الإجراء. منهج دراسة زمن الإفراج فائدته للعراق أن يتوقف احتساب النجاح عند بوابة كل مؤسسة على حدة، بينما تبقى الشاحنة عالقة في الانتقال بينها. ولا يعني الاستناد إلى المنهج أن دراسة وطنية مكتملة نُفذت بالفعل؛ ذلك يحتاج إلى دليل منشور مستقل.

أقترح أن تتولى الجهات الكمركية وهيئة المنافذ، بالتنسيق مع حكومة الإقليم والجهات القطاعية المعنية، دراسة عينة معلنة المنهج من المعاملات، وتتابع زمنها وكلفتها وأسباب إعادتها. تُقارن الحالات المتشابهة، ويُفصل التأخير المتصل بالتدقيق عن نقص الوثائق أو تعطل الخدمة. ثم يُكلف المسؤول عن كل سبب بخطة تصحيح وأجل مراجعة. ولا ينبغي إعلان ترتيب للمنافذ قبل ضبط اختلاف البضائع وحجم الحركة؛ فالمقارنة غير العادلة قد تدفع الإدارة إلى تحسين الرقم عبر تجنب المعاملات الصعبة.

ويحتاج هذا العمل إلى مسارين متكاملين للمساءلة. يُنشر للجمهور ما يخص شروط الخدمة والرسوم والنتائج المجمعة، وتُتاح للرقابة المختصة تفاصيل النزاهة والمخالفات ضمن القانون. أما المعلومات الشخصية والتجارية الحساسة فتُحمى بصلاحيات وصول محددة. لا تعارض بين إمكان معرفة سبب تأخر المعاملة وبين حماية بيانات صاحبها. ويمكن لهذا التنظيم أن يجعل السياسة الحدودية أكثر قابلية للتصحيح، من دون تحويل الشفافية إلى كشف غير محسوب أو تحويل السرية إلى إعفاء من المحاسبة.

تؤكد ملاحظة الناقلين في تشرين الأول أن تشغيل ترتيب دولي لا ينهي العمل المؤسسي؛ إذ قد تحتاج إجراءات العبور إلى إصلاح بعد بدء التشغيل نفسه. والاختبار العراقي الأهم هو أن يجد الملتزم بالقانون منفعة ملموسة من التزامه، وأن تواجه المخالفة رقابة وأدلة وقضاءً يعمل بعضها مع بعض. عندها تصبح الحدود قدرة للدولة على تنظيم العلاقة مع الخارج، وتدعم استقلال القرار داخل بيئة إقليمية مترابطة، بدل أن تبقى مصدر كلفة لا يعرف أحد مسؤوليتها كاملة.

علي زويد - باحث في الشؤون الاستراتيجية والأمن القومي

المصادر والمراجع الأساسية

BSEC-URTA، بيان 9 تشرين الأول 2026؛ UNECE، تشغيل TIR في العراق؛ الدستور العراقي، المادتان 110 و114؛ وزارة المالية، أسيكودا؛ UNODC، تقرير العراق والمنطقة 2019–2023؛ البنك الدولي، تجربة مالابا، الملحق G؛ منظمة الجمارك العالمية، دليل زمن الإفراج 2025.

الاستشهاد بالمقال

علي زويد. الحدود الطويلة: من خط على الخريطة إلى منظومة أمن واقتصاد. 15 تشرين الأول 2026. https://alizuweid.com/articles/iraq-land-borders-security-economy/

عم تبحث؟

ابحث في المحتوى المنشور على الموقع.