القانون كجزء من الأمن القومي: لماذا تضعف الانتقائية الدولة؟
في يونيو 2026 ناقش مجلس القضاء الأعلى وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي مسودة تقرير لمراقبة محاكمات الفساد الكبرى تناولت 170 قضية خلال الفترة من أغسطس 2024 إلى يوليو 2025. تناول النقاش جودة الأدلة والضمانات الإجرائية، ولم يكن إعلانًا عن حصيلة إدانات جديدة. هذا الفارق مهم؛ فالدولة لا تُقاس قدرتها القانونية بعدد الموقوفين وحده، وإنما بقدرتها على نقل القضية من الاشتباه إلى حكم يمكن الدفاع عن عدالته. المصدر: برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، 21 يونيو 2026.
تضع هذه المراجعة مسألة تبدو قضائية في صلب الأمن القومي. حين يصبح القانون متوقعًا على الضعيف وقابلًا للتفاوض عند صاحب النفوذ، تتغير حسابات المواطن والموظف والمستثمر: أيهما يحميه أكثر، الامتثال للقاعدة أم الاقتراب ممن يستطيع تعطيلها؟ لا تثبت عينة المحاكمات المذكورة حجم الانتقائية في العراق، لكنها تتيح مدخلًا أكثر جدية من تبادل الاتهامات لفحص كيفية بناء الدليل واتخاذ القرار. والمطلوب تفسير الصلة بين تفاوت الإنفاذ وبين قدرة الدولة، ثم تحديد ما يمكن إصلاحه وقياسه دون تحويل القضاء إلى أداة حملة سياسية.
الانتقائية تغيّر قيمة الحماية
يقرر الدستور العراقي المساواة أمام القانون في المادة 14، ويقيد المساس بالحرية بقرار قضائي مختص في المادة 15، ويثبت استقلال القضاء وقرينة البراءة في المادة 19. هذه ليست ضمانات منفصلة عن حفظ الأمن؛ إنها تحدد السلطة التي تملك الإكراه والشروط التي تمنع تحوله إلى امتياز خاص. ومن ثم لا يصبح تجاوز الإجراء انتصارًا للدولة لمجرد أن الشخص المستهدف مكروه أو أن الاتهام خطير. فالقاعدة التي تسمح بتعطيل الضمانة اليوم يمكن استخدامها ضد شخص آخر غدًا. دستور العراق، المواد 14 و15 و19.
تنتج الانتقائية أثرًا مختلفًا عن مجرد ضعف التنفيذ. إذا كانت مؤسسة تعاني نقص المحققين فتتأخر ملفات متشابهة وفق معيار معلن، فالمشكلة أساسًا في القدرة. أما إذا تقدمت القضية أو توقفت بتغير صلات أطرافها، فإن القاعدة العملية تصبح الحصول على حماية خارج المؤسسة. في هذه الحالة لا يُكافأ الممتثل بالضرورة، ولا يتحمل المخالف بالضرورة كلفة فعله. هذا تفسير لآلية محتملة، لا حكم بأن كل تأخير عراقي سببه تدخل سياسي؛ فالتمييز بين نقص الموارد والتدخل يتطلب تتبعًا للملفات وقراراتها، وليس قراءة نيات المسؤولين.
النتيجة الأمنية لهذه الآلية تتجاوز الدعوى نفسها. شخص يعتقد أن شكواه لن تُسمع إلا بواسطة وسيط سيصبح أكثر اعتمادًا على ذلك الوسيط في النزاع المقبل. ومن يملك تعطيل المساءلة يستطيع عرض الحماية بوصفها خدمة سياسية أو اجتماعية. هكذا قد تنتقل وظيفة ضبط السلوك من مؤسسة عامة إلى علاقة خاصة. لا يلزم أن يختفي القانون كي يحدث ذلك؛ يكفي أن يصبح تطبيقه غير قابل للتوقع. ولذلك فإن توحيد معايير الإنفاذ يعالج، في تقديري، أحد دوافع الطلب على الحماية خارج الدولة، وإن كان لا يزيل بمفرده أسباب السلاح غير المنضبط أو ضعف الخدمات.
الردع يحتاج احتمالًا معقولًا للمساءلة
تخلص مراجعة المعهد الوطني للعدالة في الولايات المتحدة إلى أن يقين الوقوع في قبضة العدالة أكثر أثرًا في الردع عمومًا من زيادة شدة العقوبة. هذه خلاصة لأبحاث الجريمة، وليست تقديرًا تجريبيًا للفساد العراقي. فائدتها هنا اختبار الفرضية الشائعة القائلة إن تشديد النص يكفي لتغيير السلوك. إذا ظن المخالف أن علاقة نافذة ستمنع التحقيق أصلًا، فقد لا تغيّر العقوبة الأشد حسابه كثيرًا. أما إن أصبح المرور بإجراء مهني متسق احتمالًا جديًا، فإن الكلفة المتوقعة للمخالفة تتغير قبل الوصول إلى الحكم. المعهد الوطني للعدالة: خلاصات الردع.
ولا يبرر هذا الاستنتاج الاعتقال الواسع لإظهار الحزم. فالاحتمال المطلوب هو احتمال المساءلة القانونية الصحيحة، وليس احتمال التعرض لقرار اعتباطي. زيادة عدد القضايا الضعيفة قد تستهلك وقت المحققين والقضاة، وتؤخر القضايا القابلة للإثبات، وتدفع المؤسسة إلى البحث عن اعتراف سريع عوض بناء ملف متين. والبراءة ليست فشلًا أمنيًا إذا صححت اتهامًا غير مثبت؛ الفشل أن تتكرر إحالات معيبة دون تعلم مؤسسي. لهذا ينبغي قراءة معدلات الإدانة مع أسباب البراءة ونوعية الأدلة ومدد الاحتجاز، لا جعل ارتفاع نسبة واحدة غاية مستقلة.
تسمح هذه الزاوية بإعادة قراءة ورشة مراقبة المحاكمات. قيمة فحص جودة الإثبات والإحالة لا تقف عند تحسين أداء المحكمة؛ فهي تساعد على معرفة الموضع الذي تضيع فيه القضية بين الأجهزة. ومع ذلك لا يجوز الانتقال من رصد خلل في ملف إلى تعميم اتهام على مؤسسة كاملة. يلزم فصل الأخطاء المهنية عن التعطيل المتعمد، وتوفير مسار لتصحيح الأولى ومساءلة الثاني. وهذا الفصل يحمي الموظف الجاد أيضًا؛ إذ لا يستقيم طلب الاستقلال المهني منه ثم محاسبته سياسيًا على كل نتيجة لا ترضي جمهورًا غاضبًا.
استرداد المال ليس مرادفًا لإعلان العقوبة
في 27 يونيو 2026 أُطلق، بالتعاون بين القضاء العراقي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تقرير عن استرداد الأصول والأموال يتناول المسارات الجنائية والمدنية. يلفت هذا المجال إلى فارق عملي بين معاقبة الفاعل وإعادة المورد العام إلى المجتمع. إعلان التقرير لا يثبت مبلغًا مستردًا، ولا يجيز الخلط بين مال جرى تحديد موقعه ومال جُمّد ومال عاد فعلًا. لكنه يوضح لماذا يحتاج تقييم مكافحة الفساد إلى تتبع مصير الأموال، إلى جانب مصير المتهم. إطلاق تقرير استرداد الأصول في العراق.
يعني ذلك، بالنسبة للعراق، أن تُبنى سلسلة واضحة للمسؤولية عن الوثائق والأصول والقرارات، مع احترام الحقوق وطرق الطعن. فقد تبدو حملة ناجحة إعلاميًا بينما تبقى الملكية محل نزاع أو تنخفض قيمة أصل أثناء إدارته. وفي المقابل قد تكون نتيجة استرداد مدروسة أقل إثارة لكنها أنفع ماليًا. لا أعرض هنا حكمًا قانونيًا على دعوى معينة، بل أقترح معيارًا للسياسة العامة: ما الذي عاد فعلًا، وبأي كلفة ومدة، وما الذي منع تكرار الخلل الذي سمح بخروجه؟ لا تكفي الإجابة عن أحد هذه الأسئلة لإغلاق الملف المؤسسي.
تظهر هنا حدود مقارنة الردع الأمريكية بالعراق. فالأبحاث التي تميز بين احتمال القبض وشدة الجزاء لا تحسم كيفية إصلاح سجلات العقود، ولا تعالج وحدها تداخل النفوذ السياسي والإدارة. والعقوبة تؤدي وظائف أخرى، منها حماية المجتمع من استمرار بعض الأفعال وتحقيق العدالة، لا تختزل في الردع. الدرس القابل للنقل أضيق: قبل المطالبة بعقوبات أكبر، يجب فحص المسافة بين النص واحتمال تطبيقه بصورة عادلة. وما يصلح للاختبار في العراق هو أثر تحسين هذه المسافة على سلوك المؤسسات، لا استيراد أرقام تأثير من بيئة قانونية واجتماعية مختلفة.
قياس الاتساق من دون محاكمة الناس بالبيانات
أقترح بدء مراجعة مؤسسية محدودة لمسار نوع واحد من القضايا، يختاره القضاء والجهات المختصة وفق أهميته وإمكان مقارنة ملفاته. تسجل المراجعة تاريخ الإحالة، ونوع الأدلة المتاحة، وسبب التأجيل أو الغلق، ومدة كل مرحلة، والقرار النهائي. ثم تقارن الملفات المتقاربة في التعقيد والوقائع، لا الأعداد الخام بين المحافظات. ارتفاع التأخير في مكان ما قد يعكس عبئًا أكبر أو نقص اختصاص، وليس بالضرورة محاباة. وظيفة المؤشر أن يحدد أين يحتاج القرار إلى تفسير وتدقيق، لا أن يصدر اتهامًا آليًا.
ولكي لا تتحول المراجعة إلى وسيلة ضغط جديدة، ينبغي أن تبقى بيانات الأشخاص محمية، وأن تتاح النتائج العامة بعد إزالة ما يكشف هوياتهم أو يضر التحقيق. يكون فحص الحالات الحساسة عبر صلاحيات قانونية محددة، مع سجل لمن اطلع ولماذا، لا عبر نشر أسماء متهمين لم تصدر بحقهم أحكام نهائية. كما يحتاج تصحيح البيانات إلى إجراء معلوم؛ فالخطأ في ربط اسم بقضية قد ينتج حرمانًا حقيقيًا وإن بدا على الشاشة مجرد خلل تقني. الاتساق المطلوب يشمل حقوق صاحب الملف كما يشمل التزام الموظف.
أما على مستوى الإدارة، فيمكن ربط نتائج المراجعة بتغييرات محددة: تدريب على موضع ضعف متكرر في الإثبات، أو إعادة توزيع موظفين عند اختناق موثق، أو إحالة تدخل مثبت إلى مساره القانوني. ولا يصح تعميم العلاج نفسه على الحالات الثلاث. تزداد صدقية الإصلاح حين يعلن المسؤول ما الذي تغير بعد المراجعة، وما بقي غير محسوم، ومتى يعاد القياس. بذلك يصبح نشر المعلومات التزامًا قابلًا للمتابعة، بدل أن يكون إعلانًا جديدًا عن نزاهة المؤسسة لا يستطيع المواطن اختباره.
يبقى القيد السياسي حاضرًا: قد ترغب الأطراف النافذة في تطبيق صارم على خصومها واستثناء حلفائها، وقد يطالب الجمهور بنتيجة سريعة قبل اكتمال الدليل. مقاومة الضغطين تحتاج قواعد مؤسسية مستقرة وحماية للعاملين داخلها، مع رقابة لا تعطل استقلال القضاء. في تقديري، يبدأ التحسن حين يصبح تفسير الاستثناء أصعب من اتباع القاعدة، وحين يستطيع المواطن معرفة طريق الاعتراض دون أن يبحث عن صاحب نفوذ. هذا هدف تدريجي يمكن اختباره في إجراءات محددة، ولا يحتاج إلى وعد غير واقعي بإنهاء الانتقائية دفعة واحدة.
الأمن الذي ينتجه القانون هو القدرة على إنهاء النزاع بقرار عام يمكن تبريره والطعن فيه، ثم تنفيذه على أساس معلوم. أما حين تتحدد النتيجة مسبقًا بقوة الأطراف، فإن الدولة تنفق مواردها لتدير تفاوت القوة بدل أن تحد منه. قيمة مراجعة ملف قضائي، مهما بدت هادئة، أنها قد تقرب العراق خطوة من النوع الأول؛ بشرط أن تُقاس بالتغيير الذي أحدثته في الإجراء، لا بعدد العناوين التي صنعتها.
الاستشهاد بالمقال
علي زويد. القانون كجزء من الأمن القومي: لماذا تضعف الانتقائية الدولة؟. 26 تشرين الأول 2026. https://alizuweid.com/articles/iraq-rule-of-law-selective-enforcement-security/
