انتقل إلى المحتوى

البيئة الاستراتيجية والجغرافيا السياسية للعراق

المياه العابرة للحدود كعامل جيوسياسي لا ملف خدمي فقط

علي زويد

بقلم علي زويد · · 8 دقائق قراءة

في بيان صدر في 16 تشرين الأول 2026، وضعت وزارة الخارجية التركية المياه إلى جانب طريق التنمية والطاقة والبنية التحتية والأمن ضمن مجالات التعاون التي تتوقع تسريعها مع العراق. لا يتضمن البيان تعهدًا مائيًا جديدًا أو مقدارًا للتدفق، لكنه يبين أن الماء يُناقش داخل علاقة سياسية واقتصادية واسعة. بيان الخارجية التركية بالنسبة إلى العراق، يفرض ذلك سؤالًا عمليًا: كيف تتحول أهمية المياه في اللقاءات إلى انتظام يمكن للمزارع ومحطة الإسالة والمدينة الاعتماد عليه، حتى عندما تتراجع الأمطار أو تتوتر العلاقات؟

المشكلة ليست اختيارًا بين التفاوض مع دول المنبع وإصلاح الإدارة الداخلية. يحتاج العراق إلى الاثنين، لكن لكل منهما نتيجة مختلفة. يمكن إصلاح شبكة توزيع من دون زيادة ما يدخل الحدود، ويمكن الحصول على إطلاق إضافي ثم فقد جزء من منفعته بسبب سوء التوقيت أو التلوث أو غياب قاعدة عادلة للتوزيع. أرى أن التقييم الاستراتيجي يجب أن يتتبع المسار كاملًا، من القرار خارج الحدود إلى الخدمة داخلها، ويحدد أي جزء من الضرر يرتبط بكل قرار. وإلا تحولت المسؤولية إلى اتهام متبادل لا يساعد على التفاوض أو الإصلاح.

كمية المياه لا تكفي لوصف الخطر

نشرت الأمم المتحدة في العراق، في 20 كانون الثاني 2026، مذكرة تذكر أن الاحتياطيات المائية هبطت إلى نحو أربعة مليارات متر مكعب قبل موجة الفيضانات التي تتناولها. هذا تقدير لمرحلة سابقة على النشر، وليس قياسًا لخزين تشرين الأول الحالي. مذكرة شح المياه والمخاطر المناخية يوضح تعاقب الشح والفيضانات لماذا لا يصح اختزال الأمن المائي في وجود الماء خلال سنة كاملة؛ فالمؤسسة تحتاج إلى استيعاب التفاوت بين ما يصل، وما تستطيع خزنه، وما يلزمها في موعد الاستخدام.

ولذلك أقترح قراءة الاعتماد المائي عبر ثلاثة أبعاد متلازمة: المقدار المتاح، وتوقيت وصوله، ونوعيته عند الاستخدام. قد يتساوى إجمالي الوارد السنوي في حالتين وتختلف الخسارة الزراعية إذا تأخر الماء عن مرحلة حساسة من نمو المحصول. وقد يرتفع التدفق من دون أن تتحسن خدمة الشرب إذا استمر التلوث بعد دخوله العراق. هذه أمثلة تحليلية وليست نتائج قياس وطني جديد؛ فائدتها أنها تحدد البيانات التي يحتاجها القرار بدل الحكم على الاتفاق من رقم إجمالي منفرد.

ويغير ذلك معنى القوة التفاوضية لدولة المصب. قدرتها محدودة على التحكم بما يقع خارج حدودها، لكنها تستطيع تقليل المفاجأة بواسطة الرصد والتنبؤ، وتوثيق الضرر، والتفاوض على إخطار مسبق وخطة تشغيل قابلة للمراجعة. والبيانات المشتركة لا تلغي تعارض المصالح؛ إنها تضيق مساحة الخلاف حول ما حدث بالفعل. قبل مطالبة الطرف الآخر بتفسير انخفاض معين، يجب فصل أثر الأمطار والتخزين والاستخدامات المختلفة قدر الإمكان، مع إعلان حدود المعرفة. فالادعاء الأوسع من الدليل قد يضعف مطلبًا عراقيًا مشروعًا.

القانون إطار للعمل، وليس جدول إطلاق جاهزًا

انضم العراق في آذار 2023 إلى اتفاقية حماية واستخدام المجاري المائية العابرة للحدود والبحيرات الدولية لعام 1992. وفّرت الخطوة إطارًا مؤسسيًا للتعاون وتبادل الخبرات، ولم تنشئ بذاتها حصة عراقية رقمية جديدة. إعلان الانضمام وتوضح أمانة الاتفاقية أن الالتزامات الناشئة عنها لا تمتد تلقائيًا إلى العلاقات مع دولة غير طرف، مع بقاء القانون الدولي العرفي ذا صلة. توضيح نطاق الالتزامات لذا يجب التحقق من الأساس القانوني لكل علاقة، بدل افتراض أن عضوية العراق تُلزم جميع جيرانه بالنص نفسه.

وتجمع اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997 بين الاستخدام المنصف والمعقول، واتخاذ التدابير المناسبة لمنع الضرر الجسيم، والتعاون وتبادل البيانات. تشمل عوامل الإنصاف احتياجات الدول والسكان والبدائل المتاحة، ولا تختزلها في موقع الدولة على النهر. المواد 5–9 من الاتفاقية ومن قراءتي لهذه المبادئ، يحتاج الملف العراقي إلى إثبات الاحتياج والضرر وقابلية الحل المقترح للتنفيذ. ولا يكفي تكرار عبارة الحقوق المائية من دون تحديد الحق المستند إلى معاهدة معينة، أو القاعدة القانونية المحتج بها، أو وسيلة تسوية الخلاف المتاحة.

وهذا يقتضي التمييز بين أنواع الوثائق الموقعة. تسجل الخارجية التركية توقيع آلية لتمويل مشروعات ضمن اتفاق التعاون المائي مع العراق في 2 تشرين الثاني 2025، وتصف غرضها بتأهيل البنية المائية العراقية وتطويرها. السجل الرسمي للعلاقات الثنائية توقيع آلية لتمويل المشروعات لا يساوي إثبات التزام بإطلاق كمية محددة في موسم محدد. وقد يكون إصلاح البنية مفيدًا في ذاته، لكن تقييمه يحتاج إلى مسار مستقل عن تقييم ترتيبات تقاسم المياه، حتى لا يُنسب إلى الاتفاق ما لم يرد في نصه.

ربط الملفات قد يوسع فرص التسوية إذا وجد الطرفان منافع يمكن تنفيذها والتحقق منها. لكنه يحمل خطرًا إذا أصبحت حاجة عاجلة إلى الماء سببًا لالتزام اقتصادي طويل لا تُعرف كلفته، أو إذا عُلّق التعاون الفني كله على خلاف في ملف آخر. أقترح أن تظل قواعد الإنذار والقياس وحماية الاحتياجات الحيوية مستقرة قدر الإمكان، وأن تُحدد الالتزامات الاستثمارية بمشروعات وكلف ومسؤوليات منفصلة. بهذه الطريقة يمكن للعراق التعاون من دون أن يفقد القدرة على معرفة ما حصل عليه وما التزم به.

ما الذي تعلمه تجربة ريو غراندي؟

في تشرين الثاني 2024، اعتمدت الولايات المتحدة والمكسيك المحضر 331 ضمن عمل اللجنة الدولية للحدود والمياه. أضاف الترتيب أدوات لتقديم التسليمات المائية في وقت أبكر ضمن دورة السنوات الخمس المنصوص عليها في معاهدة 1944، مع بعض التدابير التجريبية المحددة المدة. بيان اللجنة عن المحضر 331 لا يثبت صدور المحضر انتهاء العجز أو النزاع؛ ما يثبته هو أن وجود معاهدة قديمة لم يُغنِ عن تطوير قواعد التوقيت والتنفيذ عندما ازدادت الندرة.

تختلف هذه التجربة عن حوضي دجلة والفرات في الأطراف والقواعد والتاريخ المؤسسي؛ لذلك لا تصلح حصصها أو دوراتها نموذجًا رقميًا جاهزًا للعراق. لكن يمكن اختبار فكرتها التنظيمية: لا يكفي الاتفاق على إجمالي بعيد الأجل إذا بقي موعد الوصول غير معلوم. يحتاج المستخدم إلى تحديث دوري للوارد المتوقع، وإلى معرفة متى تُراجع الخطة ومن يشرح أسباب الانحراف عنها. وتتطلب هذه المرونة قواعد مضبوطة حتى لا تصبح الظروف الاستثنائية مبررًا دائمًا لتعليق الالتزامات.

ومن الممكن، بوصفه مقترحًا تفاوضيًا، بناء بروتوكول للجفاف يحدد مؤشرات معلنة لتشخيص السنة الشحيحة، ومواعيد تبادل القياسات، وإجراءات التشاور عند تغير التوقعات. يجب أن يبين كيف توزع أعباء النقص، وكيف تحمى الاحتياجات الحيوية، وما الذي يخضع للتحقق المشترك. أما نقل نسبة جاهزة من نهر آخر فسيغفل اختلاف المناخ والخزن والاستخدامات. وأرى أن نجاح ترتيب كهذا يُقاس بانخفاض المفاجآت والخسائر القابلة للتجنب، لا بعدد اجتماعات اللجنة وحده.

القدرة الخارجية تبدأ أيضًا من حساب داخلي صحيح

ثمة خطأ محتمل في افتراض أن شراء تقنية ري حديثة ينتج تلقائيًا وفرًا للحوض كله. تشرح منظمة الأغذية والزراعة أن انخفاض السحب من الحقل قد يصاحبه انخفاض مياه كانت تعود إلى النظام ويستفيد منها مستخدم آخر؛ وتعرض مثالًا يزداد فيه الاستهلاك مع التحول إلى الري بالتنقيط. FAO: الوفورات المائية الحقيقية في الزراعة هذه ليست حجة ضد تحديث الري، وإنما سبب لقياس الاستهلاك الصافي والمياه الراجعة وإنتاجية المحصول، بدل مساواة عدد الأجهزة الموزعة بحجم الماء الموفر.

وإذا أتاح التحسن التقني توسيع المساحة المزروعة من دون ضبط الاستخدام الإجمالي، فقد تتغير النتيجة المقصودة من البرنامج. لهذا أقترح ربط دعم التحديث بسجل استخدام قابل للفحص على مستوى المشروع والحوض، مع حماية دخل المزارع خلال الانتقال. ولا تعني زيادة الكفاءة الداخلية التنازل عن مطالبة خارجية مستندة إلى القانون؛ بل تمنع أن تختلط المطالبة بتمويل هدر يمكن علاجه. كما تساعد الحكومة على مقارنة كلفة تأمين مياه إضافية بكلفة استعادة منفعة ضائعة من المورد المتاح.

يوفر الدستور العراقي أساسًا لربط المستويين. تضع المادة 110 تخطيط السياسات المتعلقة بالمياه الآتية من الخارج ضمن الاختصاصات الاتحادية، بينما تجعل المادة 114 رسم سياسة الموارد المائية الداخلية وتنظيمها اختصاصًا مشتركًا. المادتان 110 و114 ومن ثم يحتاج المفاوض الاتحادي إلى بيانات متسقة من الجهات الداخلية، وتحتاج الإدارات المحلية إلى خطط توزيع يمكن الاعتماد عليها. لا يحل النص كل نزاع تنفيذي، لكنه يبين لماذا لا تكفي بعثة تفاوض ناجحة إذا بقيت المؤسسات العراقية تعمل بتقديرات متعارضة.

أقترح أن تتولى وزارتا الموارد المائية والخارجية إعداد ملف تفاوض متجدد، تشارك فيه الجهات الزراعية والبيئية والصحية وحكومة الإقليم والمحافظات المعنية وفق اختصاصاتها. يجمع الملف قياسات الوارد والنوعية، والاحتياجات الموسمية، وآثار سيناريوهات النقص، والبدائل وكلفها. يُنشر منه بيان مجمع دوري يحمي البيانات الحساسة ويتيح مراجعة النتائج. وهذا إجراء مقترح، لا وصف لمنظومة مكتملة ثبت وجودها؛ قيمته أنه يصل الحجة الدبلوماسية بمعلومات يمكن استخدامها عند تعديل السياسة الداخلية.

أما الأولوية التنفيذية فهي اختيار نطاق تجريبي واضح للرصد والتوزيع، وإثبات التحسن فيه قبل تعميم وعود التوفير. تُراجع الخطة إذا لم يتحقق الوارد المتوقع، ويُعلن أساس المفاضلة بين الاستخدامات مع حماية الاحتياجات الحيوية وحق الاعتراض. ويرتبط ذلك بقضية شط العرب والمنفذ البحري العراقي، حيث تتداخل نوعية المياه ووظائف المكان. فالمورد الذي يدخل الحدود لا يؤدي وظيفة واحدة، وأي قرار يخصه يجب أن يرى أثره في المستخدم التالي أيضًا.

سيظل العراق دولة مصب حتى لو حسّن أدواته كلها. لكنه يستطيع تغيير مقدار ما يتحمله من عدم يقين، ودقة ما يطالب به، وقدرته على حماية الناس حين ينخفض الوارد. ذلك هو الأثر الجيوسياسي الممكن قياسه: علاقة خارجية أكثر قابلية للتوقع، ودولة داخلية تستطيع تحويل ما يصلها إلى منفعة عادلة ومستقرة. ولن يثبت تحققه بيان تعاون أو شراء معدات؛ سيظهر في الموسم الذي تصل فيه المعلومة والمياه والقرار قبل أن تتحول الندرة إلى خسارة لا يمكن تداركها.

علي زويد - باحث في الشؤون الاستراتيجية والأمن القومي

المصادر والمراجع الأساسية

الخارجية التركية، بيان 16 تشرين الأول 2026؛ الأمم المتحدة في العراق، مذكرة المياه، كانون الثاني 2026؛ UNECE، انضمام العراق، 2023؛ UNECE، مبادئ الاتفاقية والتزاماتها؛ اتفاقية المجاري المائية، 1997؛ الخارجية التركية، العلاقات مع العراق؛ اللجنة الدولية للحدود والمياه، المحضر 331، 2024؛ FAO، الوفورات المائية الحقيقية، 2023؛ الدستور العراقي، 2005.

الاستشهاد بالمقال

علي زويد. المياه العابرة للحدود كعامل جيوسياسي لا ملف خدمي فقط. 19 تشرين الأول 2026. https://alizuweid.com/articles/iraq-transboundary-water-geopolitics/

عم تبحث؟

ابحث في المحتوى المنشور على الموقع.