انتقل إلى المحتوى

الدفاع والردع والقوة العسكرية

العقيدة العسكرية: لماذا تسبق التسليح؟

علي زويد

بقلم علي زويد · تاريخ المقال: · 8 دقائق قراءة

في يوليو 2025 عقدت وزارة التخطيط العراقية ورشة عن تفعيل استراتيجية الأمن الوطني «العراق أولًا» للأعوام 2025–2030، وربطت دورها بالتخطيط والتنمية. دلالة الخبر أن الأمن الوطني، وفق الإطار الذي عُرض، يتجاوز ملف السلاح. لكن وجود استراتيجية وطنية أو ورشة لتعريف الموظفين بها لا يجيب وحده عن كيفية اشتقاق احتياجات الجيش منها. وبين هدف عام مثل حماية السيادة وقرار شراء منظومة معينة، توجد سلسلة من الأحكام يجب أن تكون قابلة للتفسير والمراجعة. وزارة التخطيط: متابعة استراتيجية الأمن الوطني.

هذه المسافة هي موضع العقيدة العسكرية في النقاش العام. أستخدم المصطلح هنا للدلالة على المبادئ المهنية التي توجه تصور المؤسسة العسكرية لدورها وكيفية بناء قدرتها واستخدامها ضمن السياسة والقانون، لا على وثيقة مشتريات أو تعليمات تفصيلية لعملية. والسؤال العراقي هو كيف تمنع هذه المبادئ تحول التسليح إلى قرارات منفصلة تحكمها فرصة تمويل أو عرض مورد أو رغبة في امتلاك ما تمتلكه دولة أخرى. لا تستطيع العقيدة أن تحل كل خلاف سياسي، لكنها تستطيع أن تكشف أن بعض قرارات السلاح تتطلب حسمًا سياسيًا قبل التفاوض على الثمن.

من الغاية السياسية إلى حاجة يمكن الدفاع عنها

يضع الدستور العراقي الدفاع تحت قيادة مدنية، ويحدد الاختصاص الاتحادي في سياسة الأمن الوطني، كما يقرر مبادئ حسن الجوار والحلول السلمية للنزاعات. هذه حدود ينبغي أن يبدأ منها تعريف الدور العسكري. ولا تُشتق منها آليًا قائمة معدات؛ إذ تحتاج القيادة إلى تقدير التهديدات والالتزامات والموارد، وإلى المفاضلة بين وسائل عسكرية وغير عسكرية. شراء قدرة معينة لا ينبغي أن يصنع، بحكم الأمر الواقع، التزامًا سياسيًا لم تناقشه الجهة صاحبة القرار. الدستور العراقي، المواد 8 و9 و110.

تظهر فائدة هذا الترتيب عند صياغة الحاجة. هناك فرق بين القول إن الدولة تحتاج حماية وظيفة عامة محددة، وبين القول إنها تحتاج منتجًا بعينه. الصياغة الأولى تسمح بمقارنة البدائل، وقد تكشف دورًا للتنظيم أو التدريب أو التعاون القانوني أو بنية مدنية أفضل. أما الثانية فتجعل المقارنة تبدأ بعد اختيار الحل ضمنًا. لا يعني ذلك إمكان الاستعاضة عن كل سلاح بإصلاح إداري، بل أن الدليل على الحاجة يجب أن يسبق مواصفات المعروض، حتى لا تتحول خبرة البائع إلى الجهة التي تعرف المشكلة نيابة عن الدولة.

وتحتاج العقيدة إلى تمييز ما هو ثابت نسبيًا عما يتغير. الالتزام بالدستور والقيادة المدنية ليس فرضية تتبدل مع ظهور تقنية، بينما تتغير تقديرات المخاطر ووسائل الحماية وطرق التعليم. إذا جُمعت كلها في مستوى واحد، فقد تصبح المراجعة التقنية ذريعة لتغيير الغاية، أو يصبح احترام الغاية مبررًا لرفض التعلم. أرى أن الوثيقة المهنية الجيدة تُظهر هذا الفرق، وتحدد من يراجع الافتراضات ومتى، وما نوع الدليل الذي يستدعي تعديلًا. بذلك يمكن تحديث المؤسسة من دون أن تعيد تعريف دورها السياسي في كل مرة.

ما الذي توضحه بريطانيا وما الذي لا توضحه؟

جعلت المراجعة الدفاعية البريطانية المنشورة في يونيو 2025 أولوية حلف شمال الأطلسي إطارًا لربط الأدوار الدفاعية بتطوير القوة والتعليم والمشتريات، واقترحت قوة أكثر تكاملًا. لا تثبت الوثيقة أن هذا التحول اكتمل، لكنها تعرض منطقًا يمكن تتبعه من السياسة إلى بناء القدرة. وهذا هو الجانب المفيد للمقارنة: تستطيع الجهة الرقابية أن تسأل هل يخدم البرنامج الدور المعلن، بدل الاكتفاء بالسؤال هل جرى الشراء وفق الإجراءات. المراجعة الدفاعية الاستراتيجية البريطانية 2025.

أما استنساخ مضمونها في العراق فخطأ. بريطانيا تعمل ضمن تحالف دفاعي محدد، ولها التزامات وقدرات وموقع جغرافي يختلف عن العراق. ما تعده أولوية قد لا يكون أولوية عراقية، وما تستطيع الاعتماد فيه على حلفائها لا يمكن افتراض توافره للعراق بالشروط نفسها. لذلك فإن الدرس ليس اختيار المورد البريطاني أو تبني مفهوم أجنبي لأنه حديث، بل إظهار الافتراضات التي تجعل خيارًا دفاعيًا معقولًا في بيئته. وإذا غابت تلك الافتراضات، وجب تعديل الخيار أو رفض المقارنة، لا حذف الفارق من النقاش.

وتوفر التجربة البريطانية نفسها اختبارًا ماليًا مضادًا للتفاؤل بالوثائق. ففي تقييمه الصادر في ديسمبر 2023، قدر ديوان الرقابة الوطني أن التكاليف المتوقعة لخطة المعدات والدعم 2023–2033 تتجاوز مخصصاتها بنحو 16.9 مليار جنيه. هذا تقدير تاريخي للفجوة في تلك الخطة، وليس رقم العجز البريطاني في أكتوبر 2026 أو خسارة تحققت بالكامل. يبين المثال أن تحديد الأدوار لا يعفي من اختبار القدرة على تمويلها. ديوان الرقابة الوطني: خطة المعدات 2023–2033.

بالنسبة للعراق، تصبح المقارنة أكثر فائدة حين تجمع الوثيقة والرقابة بدل انتقاء أحدهما. يمكن للاستراتيجية أن تكون متماسكة في غاياتها ثم تفشل خطتها المالية في استيعاب التزاماتها. ويمكن أن تكون الصفقة قانونية في إجراءاتها لكنها تزاحم قدرة أعلى أولوية. لذلك يتطلب القرار اختبارين منفصلين: هل يخدم الاختيار الحاجة المعتمدة، وهل تستطيع الدولة تحمله عبر المدة اللازمة؟ ولا يغني نجاح الاختبار الأول عن الثاني. هذا استنتاج في إدارة الموارد، وليس حكمًا بأن الإنفاق الدفاعي أقل قيمة من كل إنفاق آخر.

التسليح ينشئ التزامات طويلة

الثمن الذي يظهر عند التوقيع لا يصف كامل الالتزام. ينبغي أن تقارن الجهة المختصة كلفة الاقتناء والتأهيل والصيانة والتحديث وما يلزم للخروج من الخدمة، مع توضيح الافتراضات التي تتغير بتغير الأسعار أو شروط المورد. ولا أضع هنا تقديرًا لكلفة منظومات عراقية بعينها، إذ لا تتوفر في المصادر المستخدمة بيانات تسمح بمقارنة عادلة. المقصود أن يطلب القرار ملفًا يغطي مدة الاستخدام المعقولة، وأن يكشف ما لم يُسعر بعد، بدل تحويل الكلفة المجهولة إلى التزام يُكتشف بعد أن يصبح التراجع مكلفًا.

ويشمل الالتزام حق الدولة في التعلم والصيانة والوصول إلى ما يلزم لاستمرار الخدمة وفق القانون والعقد. قد يبدو تنويع الموردين مصدر استقلال، لكنه يمكن أن يزيد أعباء التأهيل والتوافق والدعم إذا لم يُدرس. وقد يبدو توحيد المورد أكثر كفاءة، لكنه يرفع أثر توقف قناة واحدة. لا توجد إجابة عامة صالحة لكل حالة. ما تقترحه العقيدة هنا هو معيار للمفاضلة مرتبط بالمهمة والاستدامة ودرجة الاعتماد المقبولة، لا تفضيل سياسي مطلق لكل تنويع أو لكل توحيد.

وتنطبق الحجة على التقنيات الجديدة أيضًا. لا تكفي سرعة انتشار منتج أو نجاحه المعلن في بيئة أخرى لإثبات ملاءمته. يجب أن تُعرف المشكلة التي يعالجها، وما يحتاجه من بشر وإدارة ومعلومات، وكيف يختبر أثره دون تعريض الحقوق أو البيانات للخطر. وقد يصل التقييم إلى اعتماد محدود أو تأجيل أو رفض، وكلها نتائج مهنية ممكنة. أما اعتبار الشراء نفسه برهانًا على التحديث فيجعل المؤسسة عاجزة عن التعلم من اختبار سلبي، لأن رفض المنتج يبدو عندئذ اعترافًا بالتأخر بدل كونه قرارًا مبنيًا على دليل.

ترتيب قرار عراقي قابل للمساءلة

أقترح أن يسبق أي التزام تسليحي كبير ملف يبين الصلة بين الهدف الوطني والدور الدفاعي والحاجة المحددة والبدائل وكلفة الاستمرار. لا يلزم نشر عناصر حساسة منه للعموم، لكن يجب أن تتوفر للجهات المخولة رقابةً وقرارًا. وتُنشر خلاصة مناسبة عن الغرض العام ومراحل المراجعة والانضباط المالي حيث يسمح القانون. بهذا لا تختلط الشفافية بكشف تفاصيل تشغيلية، ولا تُستخدم حساسية بعض المعلومات سببًا لحجب كل مبرر يتعلق بالمال العام.

ويجب أن يتضمن الملف سبب استبعاد البدائل، لا مجرد الدفاع عن الاختيار المفضل. إذا كان إصلاح قدرة قائمة غير كافٍ، يوضح لماذا؛ وإذا كان تأجيل المشروع يزيد كلفة أو مخاطرة، يبين أساس التقدير وحدوده. كما ينبغي تسجيل الافتراضات التي لو تغيرت لاستدعت إعادة النظر. هذا يحمي المسؤول اللاحق من وراثة قرار لا يعرف منطقه، ويحمي المؤسسة من الاستمرار في مشروع لمجرد أن الأموال السابقة صُرفت عليه. فالإنفاق الماضي لا يجعل الالتزام المقبل مفيدًا تلقائيًا.

وتبقى مراجعة النتائج مختلفة عن قبول التسليم. وصول ما نص عليه العقد مسألة مهمة، لكن السؤال اللاحق هو إن كانت الحاجة التي بررت القرار قد عولجت ضمن الكلفة والمدة المفترضتين. تُجرى هذه المراجعة مهنيًا تحت صلاحيات مناسبة، وتنتج درسًا يغير العقود والتأهيل والتخطيط التالي. وإذا ظهر فشل، يجب التمييز بين سوء تقدير صادق وتغير ظروف وسوء إدارة أو مخالفة. استخدام وصف واحد لجميعها يمنع التعلم في الحالة الأولى، وقد يمنع المساءلة في الحالة الأخيرة.

لا يدعو تقديم العقيدة على التسليح إلى انتظار وثيقة مثالية قبل معالجة حاجة عاجلة مثبتة. يمكن أن تسمح الأطر القانونية بقرار محدد لمواجهة ضرورة، على أن يظل نطاقه ومبرره ومراجعته واضحًا. الخطر أن تتحول الضرورات المتعاقبة إلى بديل دائم عن التخطيط، فتتكون بنية القوة من استثناءات لا يجمعها تصور. وفي تقديري، تكون العقيدة نافعة حين تقلل هذا التراكم، وتمنح القيادة لغة مشتركة لتحديد ما ينبغي إنجازه وما لا تستطيع الموارد إنجازه معًا.

لا تحتاج الدولة إلى عقيدة كي تشرح السلاح بعد شرائه، بل كي تستطيع تفسير سبب شرائه أو عدم شرائه قبل الالتزام. واستراتيجية الأمن الوطني العراقية تفتح مجالًا لربط الدفاع ببقية وظائف الدولة؛ ويبقى الاختبار في القرارات التي تُشتق منها. حين يمكن تتبع الحاجة والبديل والكلفة وحدود الاستخدام المشروع، يصبح التسليح أداة لسياسة واعية، ويصبح الامتناع عن صفقة غير مبررة قرار قوة مؤسسية لا علامة ضعف.

علي زويد - باحث في الشؤون الاستراتيجية والأمن القومي

المصادر والمراجع الأساسية

  1. متابعة تفعيل استراتيجية الأمن الوطني العراقي 2025–2030 في وزارة التخطيط — وزارة التخطيط العراقية (2025-07-24)
  2. المراجعة الدفاعية الاستراتيجية البريطانية 2025 — UK Ministry of Defence (2025-06-02)
  3. الخطة البريطانية للمعدات 2023–2033: تقرير ديوان الرقابة الوطني — UK National Audit Office (2023-12-04)
  4. دستور جمهورية العراق لعام 2005 — مجلس القضاء الأعلى العراقي (2005)
الاستشهاد بالمقال

علي زويد. العقيدة العسكرية: لماذا تسبق التسليح؟. 31 تشرين الأول 2026. https://alizuweid.com/articles/military-doctrine-before-armament/

عم تبحث؟

ابحث في المحتوى المنشور على الموقع.