انتقل إلى المحتوى

الدفاع والردع والقوة العسكرية

ما الذي يجعل جيشا محترفا؟ المهمة قبل الحجم

علي زويد

بقلم علي زويد · تاريخ المقال: · 8 دقائق قراءة

ذكر حلف شمال الأطلسي في تحديثه عن العراق أن أفراد بعثته نُقلوا من بغداد إلى قيادة القوة المشتركة في نابولي في مارس 2026، وأن العمل استمر من هناك. هذا تغير في مكان عمل بعثة استشارية غير قتالية، وليس إعلانًا عن مستوى جاهزية الجيش العراقي. لكنه يقدم اختبارًا مفيدًا لفكرة الاحتراف: ما الذي يبقى من القدرة الوطنية عندما تتغير ظروف حضور الشريك؟ لا يجيب عدد الدورات أو حجم المؤسسة وحده عن هذا السؤال. حلف شمال الأطلسي: العلاقات مع العراق، تحديث مايو 2026.

من السهل إعلان عدد أفراد أو استعراض معدات؛ الأصعب تحديد المهمة التي تستطيع المؤسسة تنفيذها بصورة قانونية ومستدامة، والموارد التي يحتاج استمرارها إليها. لا يعني ذلك أن الحجم غير مهم، فالقدرة البشرية قيد حقيقي. لكنه يصبح رقمًا مضللًا إذا قُرئ منفصلًا عن الاختصاص والتأهيل والإسناد والتمويل. النقاش الذي يحتاجه العراق هو كيف يُشتق الحجم من مهمة واضحة، وكيف يُختبر الأداء، وكيف تبقى المؤسسة قادرة على التعلم من أخطائها من دون أن يتحول الاعتراف بها إلى خطر على من يبلغ عنها.

المهمة الدستورية تسبق تعريف القوة

تنص المادة التاسعة من الدستور العراقي على خضوع القوات المسلحة والأجهزة الأمنية للقيادة المدنية، ودفاعها عن العراق، وعدم استخدامها لقمع الشعب أو تدخلها في الشؤون السياسية وتداول السلطة. كما تقرر تكوينها بما يراعي مكونات الشعب دون تمييز أو إقصاء. هذه الحدود جزء من تعريف الاحتراف، لا إضافة أخلاقية بعد اكتمال التدريب. يمكن لوحدة أن تكون منضبطة في تنفيذ أمر، لكن الانضباط وحده لا يمنح الأمر غاية مشروعة. الدستور العراقي، المادة 9.

ويترتب على ذلك أن المهارة العسكرية لا تعوض غموض المسؤولية السياسية. على القيادة المدنية أن تحدد ما تريد حمايته والالتزامات التي تقبلها والموارد التي تستطيع توفيرها، وعلى القيادة العسكرية أن تقدم تقديرًا مهنيًا لما يمكن إنجازه بهذه الموارد وما يتعذر. فإذا طلب المستوى السياسي نتائج لا تسمح بها الإمكانات، ثم عاقب المؤسسة على بيان العجز، نشأ حافز لإنتاج تقارير مطمئنة بدل تقديرات نافعة. وإذا تجاوزت المؤسسة العسكرية دورها وحددت الأهداف السياسية بنفسها، اختل توزيع المسؤولية الذي يفرضه الدستور.

كما أن التمثيل الوطني لا يعني تحويل كل وظيفة إلى حصة منفصلة عن متطلباتها. يمكن حماية تكافؤ الفرص وبناء قواعد قبول وترقية قابلة للتدقيق، ثم تطبيق معايير مهنية معلومة. في المقابل، قد يصبح شعار الكفاءة غطاءً للإقصاء إذا ظلت معاييرها غير معلنة أو لا يمكن الاعتراض على تطبيقها. وأرى أن الحل المؤسسي هو الفصل بين حق التنافس على أساس متساوٍ وبين استيفاء شرط الوظيفة، مع مراجعة مستقلة للحالات المتنازع عليها. بهذه الطريقة يمكن أن يتكامل الانتماء الوطني مع التخصص بدل تقديمهما كخيارين متعارضين.

لماذا لا تتحول المدخلات تلقائيًا إلى قدرة؟

قدم انهيار القوات الأفغانية في أغسطس 2021 مثالًا قاسيًا على حدود قياس البناء العسكري بالإنفاق. يذكر تقرير المفتش الأمريكي الخاص بإعادة إعمار أفغانستان، الصادر في فبراير 2023، تخصيص نحو 90 مليار دولار للمساعدة في القطاع الأمني منذ 2002، ويناقش الاعتماد على الإسناد الخارجي وعدم بناء قوة مستقلة مستدامة. التقرير تقييم رقابي له قيود وصول إلى بعض الجهات، وليس تفسيرًا وحيدًا لكل أسباب الانهيار. كما أن المبلغ مخصصات للمساعدة الأمنية، لا مجموع كلفة الحرب. SIGAR: لماذا انهارت قوات الأمن الأفغانية؟.

لا يصح إسقاط الحالة الأفغانية على العراق أو توقع مصير مماثل. الاختلاف في المؤسسات والتاريخ والبيئة السياسية يجعل ذلك قفزة لا تسندها المقارنة. لكن الحالة تختبر افتراضًا أضيق: شراء المعدات وتوسيع التدريب لا يضمنان أن المؤسسة تستطيع المحافظة على وظائفها إذا تغير دعم الشركاء. ومن هنا يصبح السؤال العراقي مشروعًا من دون تهويل: هل المعرفة التي تنتجها المساعدة الخارجية محفوظة داخل أنظمة وطنية ومدربين وإجراءات، أم مرتبطة بأشخاص وعقود مؤقتة؟ المقارنة تكشف شرطًا يجب فحصه، ولا تمنح حكمًا مسبقًا على الإجابة.

تعود أهمية انتقال بعثة الناتو إلى هذا الموضع من الحجة. لا أستنتج من انتقالها انهيار تعاون أو خسارة قدرة عراقية محددة، إذ لا توفر الصفحة المنشورة قياسًا يسمح بذلك. ما يمكن استنتاجه أن ترتيبات الدعم تتأثر ببيئة إقليمية لا يتحكم بها العراق وحده. ولذلك ينبغي تقييم البرامج على أساس ما يمكن استمرارُه محليًا، وإمكان تحديث المعرفة وتدريب البدلاء وتوثيق العمل. ويمكن أن تكون الشراكة نافعة جدًا إذا توسع أثرها الوطني بمرور الوقت؛ فالاستقلال المهني لا يساوي الانقطاع عن التعاون أو رفض خبرة الآخرين.

القوة التي تستطيع المؤسسة المحافظة عليها

حين يُقترح توسيع الجيش، ينبغي أن تكون معه كلفة متعددة السنوات تتجاوز الراتب الأول أو ثمن الشراء. يحتاج الفرد إلى تأهيل متجدد وإدارة وصحة وحقوق وخدمات، وتحتاج المعدات إلى صيانة وتدريب وسلاسل إمداد وتحديث. هذه ليست تفاصيل محاسبية منفصلة عن القدرة، لأن الالتزام الذي لا يمول مستقبلًا قد يزاحم ما هو قائم بدل أن يضيف إليه. ولا يتيح ما اطلعت عليه هنا تقدير فجوة محددة في العراق، لذلك لا أضع رقمًا لحجم مثالي أو لمبلغ نقص غير مثبت.

أقترح بدلًا من ذلك أن يعرض كل توسع كبير خياراته للجهات المختصة: ماذا يضيف إلى المهمة، وما الالتزام المالي المستمر، وما الذي سيُؤجل إذا تعذر توفير موارد إضافية؟ يكون القرار السياسي مسؤولًا عن قبول المفاضلة، ويكون التقدير العسكري مسؤولًا عن صدق شرحها. كما ينبغي أن تشمل المفاضلة استثمارًا في الأشخاص الذين يحافظون على القدرة، لا تفضيل المشتريات الظاهرة تلقائيًا على التدريب والإدارة. وقد تكون معالجة خلل في دورة التأهيل أو الاحتفاظ بخبرة لازمة أجدى من زيادة عدد لا تجد المؤسسة له وظيفة ممولة وواضحة.

ويحتاج القياس إلى التمييز بين المدخل والنتيجة. إكمال دورة دليل على المشاركة وفق شروطها، وليس وحده دليلًا على كفاية التعلم أو انتقاله إلى العمل. وامتلاك أصل لا يثبت توافره للغرض المخصص له طوال الفترة المطلوبة. يمكن للرقابة المهنية استخدام اختبارات وتقييمات مناسبة دون نشر تفاصيل حساسة، ثم عرض خلاصات عن استدامة البرامج وأسباب التأخر في التصحيح. الأهم أن يكون المقياس مرتبطًا بالمهمة وألا يكافئ المسؤول لمجرد إغلاق ملف التدريب أو الصرف في موعده، بينما يبقى أثره غير معلوم.

الاحتراف يحتاج طريقًا لقول الحقيقة

المؤسسة التي تعاقب حامل المعلومة غير المريحة قد تحصل على تقارير أجمل وتقدير أسوأ. لذلك ينبغي أن تفرق بين الإهمال الذي يستوجب المساءلة وبين الإبلاغ المهني عن نقص أو خطأ. يمكن بناء مراجعات داخلية موثقة، وقنوات واضحة للتصعيد، وحماية من الانتقام ضمن القانون، مع بقاء الانضباط والمسؤولية عن المعلومات. لا يعني ذلك نشر كل خلاف مهني أو تحويل التسلسل الإداري إلى نقاش مفتوح بلا قرار؛ بل ضمان وصول التقدير الصحيح إلى من يملك صلاحية الحسم قبل أن تتحول المشكلة القابلة للعلاج إلى التزام أكبر.

وتكتسب إدارة المسار المهني أهمية خاصة هنا. ينبغي أن يعرف الضابط أو المنتسب ما الذي يؤهله للترقية، وكيف يقاس أداؤه، ومن يراجع قرارًا يراه غير عادل. عندما تكون هذه القواعد غامضة، يصبح إرضاء صاحب القرار استثمارًا شخصيًا أكثر وضوحًا من تطوير المهارة. هذه آلية حوافز محتملة وليست اتهامًا عامًا للعاملين في الجيش العراقي. ويمكن اختبارها بمراجعة اتساق القرارات مع المعايير المكتوبة، وفحص أسباب الاستثناء، وإصلاح المواضع التي تسمح بتفسير مهني ظاهري لقرار قائم على علاقة شخصية.

أما الرقابة المدنية فتحتاج كفاءة في السؤال، لا مجرد سلطة في الاعتراض. تستطيع الجهات الرقابية المختصة أن تطلب بيان الغرض والكلفة والمدة ونتيجة التقييم وما اتُّخذ لتصحيح الخلل، ضمن مستويات سرية مناسبة. وليس مطلوبًا أن تحل محل القيادة في التفاصيل العسكرية. ويقابل ذلك التزام المؤسسة بتقديم معلومات قابلة للتحقق، بدل الاحتماء بكلمة «سري» في كل شأن مالي أو إداري. حماية المعلومات الضرورية مشروعة، لكن نطاقها يجب أن يحدد بطريقة لا تحول السرية إلى إعفاء من المحاسبة.

يمكن بدء الإصلاح ببرنامج مهني محدود تختاره الجهات المختصة، ومقارنة ما وُعد به بما تحقق، ثم توثيق أسباب الفارق والقرار التصحيحي. هذا اقتراح إداري، وليس خطة لإعادة تنظيم الجيش من خارج مؤسساته. ميزته أن نجاحه أو فشله قابل للمعرفة، وأنه يبني قدرة على التقييم قبل توسيع الالتزامات. وإذا أظهرت المراجعة أن المهمة نفسها غير واضحة أو أن مواردها لا تكفي، وجب العودة إلى صاحب القرار السياسي بدل تحميل الأفراد مسؤولية فجوة صُنعت في مستوى آخر.

الجيش المحترف ليس الجيش الذي لا يحتاج شريكًا ولا يرتكب خطأ، بل الذي يملك مهمة مشروعة، ويعرف حدود قدرته، ويصحح الخلل، ويحافظ على كفاءته تحت قيادة مدنية مسؤولة. لهذا يجب أن يأتي سؤال الحجم بعد تحديد المهمة ومقومات استمرارها. يتيح هذا الترتيب للعراق أن يزيد قوة حقيقية عندما يحتاجها، وأن يرفض زيادة تبدو مقنعة في الأرقام لكنها لا تستطيع الوفاء بوعدها للدولة.

علي زويد - باحث في الشؤون الاستراتيجية والأمن القومي

المصادر والمراجع الأساسية

  1. علاقات حلف شمال الأطلسي مع العراق — NATO (2026-05-08)
  2. دستور جمهورية العراق لعام 2005 — مجلس القضاء الأعلى العراقي (2005)
  3. لماذا انهارت قوات الأمن الأفغانية؟ تقرير SIGAR — US Special Inspector General for Afghanistan Reconstruction (SIGAR); copy hosted by ecoi.net (2023-02-28)
الاستشهاد بالمقال

علي زويد. ما الذي يجعل جيشا محترفا؟ المهمة قبل الحجم. 30 تشرين الأول 2026. https://alizuweid.com/articles/professional-army-mission-before-size/

عم تبحث؟

ابحث في المحتوى المنشور على الموقع.