انتقل إلى المحتوى

الأمن القومي والشؤون الاستراتيجية

من «التهديد» إلى «المصلحة الوطنية»: كيف يفكر الاستراتيجي؟

بقلم · · 6 دقائق قراءة

يسهل أن تبدأ وثيقة استراتيجية بقائمة المخاطر، ويصعب أن تجيب عما تريد الدولة تحقيقه تحت ضغط هذه المخاطر. الفرق جوهري: من ينطلق من التهديد وحده يظل تابعًا لإيقاع خصمه؛ ومن ينطلق من مصلحة واضحة يستطيع أن يقرر أي تهديد يستحق أولوية، وأي تكلفة يمكن تحملها، وأي وسيلة تخدم هدفه بالفعل.

لدى العراق استراتيجية أمن وطني للفترة 2025–2030 منشورة عبر جهة حكومية تحت عنوان «العراق أولًا». وفي أغسطس 2025، عرضت بعثة الاتحاد الأوروبي الاستشارية في العراق عملًا تحضيريًا لتنفيذها شمل المسؤوليات وخريطة التطبيق والموارد والأداء. وجود الوثيقة والعمل التحضيري واقعان موثقان؛ أما نجاح التنفيذ فيحتاج قياسًا مستقلًا. هذه المسافة بين إعلان الوجهة وإنتاج النتيجة هي موضوع التفكير الاستراتيجي. [المصدر] [المصدر]

الفكرة المركزية

المصلحة الوطنية ليست اسمًا آخر للخوف من الخصم. إنها نتيجة عامة يراد حمايتها أو تحقيقها، تُربط بمرجعية قانونية وتُترجم إلى أولويات ووسائل وحدود تكلفة. يبدأ التفكير الاستراتيجي بتحديد النتيجة، ثم يختبر التهديد والفرصة والقدرة المتاحة في ضوئها.

كيف نميّز المصلحة عن الرغبة والشعار؟

يمكن أن ترغب الدولة في زيادة نفوذها وتوسيع تجارتها وتقليل اعتمادها الخارجي ورفع إنفاقها الاجتماعي في الوقت نفسه. لكن محدودية الموارد تعني أن جمع الأهداف لا يصنع استراتيجية. تصبح المصلحة قابلة للعمل عندما نحدد صاحب المنفعة العامة، والنتيجة المطلوبة، وأفقها الزمني، وما لا يجوز التضحية به في سبيلها. وتظل صياغتها موضع نقاش مؤسسي، لا حقيقة يحتكر تعريفها طرف سياسي.

في هذا المقال، تعني المصلحة الوطنية منفعة عامة مرتبطة باستمرار الدولة وحقوق المجتمع ورفاهه واستقلال قراره، ويمكن تبريرها علنًا وفحص أدواتها. لا يعني ذلك اتفاق الجميع على ترتيبها. قد يختلف المواطنون في تقدير كلفة اتفاق تجاري أو مشروع بنية تحتية؛ لكن الاختلاف المنتج يدور حول النتائج والأدلة وتوزيع المنافع والمخاطر، بدل التشكيك في الانتماء الوطني لكل مخالف.

توفر المادة الثامنة من الدستور العراقي مرجعية للعلاقة الخارجية تقوم على حسن الجوار والمصالح المشتركة وحل النزاعات بالوسائل السلمية. لا تعفي هذه المبادئ صانع القرار من المفاضلة بين بدائل صعبة؛ لكنها تمنع التعامل مع كل اندفاع آني باعتباره سياسة وطنية مكتملة بمجرد رفع شعار السيادة. [المصدر]

التهديد وصف لما قد يعطل الهدف

التهديد هو احتمال ضرر له مصدر أو آلية وهدف معرض للتأثر. وقد يكون المصدر متعمدًا، كما في اعتداء مسلح، أو ناتجًا من ظرف لا يملك نية سياسية، كما في وباء أو عطل واسع. أما الخطر العملي فيتأثر أيضًا بدرجة التعرض والهشاشة والقدرة على الاستجابة. امتلاك خصم وسيلة مؤذية لا يساوي، بمفرده، تقديرًا كاملًا لاحتمال استخدامها وأثرها.

لذلك ينبغي أن تنتقل المذكرة الاستراتيجية من عبارة «هذا تهديد» إلى تفسير: أي مصلحة يهددها؟ عبر أي مسار؟ وما الذي سيغيّر تقديرنا إذا ظهر دليل جديد؟ هذا السؤال الأخير مهم؛ لأن الاستراتيجية التي لا تحدد شروط مراجعتها قد تتحول إلى التزام بالدفاع عن تشخيص قديم مهما تغير الواقع.

ومن الأخطاء المتكررة الخلط بين الوسيلة والمصلحة. بناء منشأة أو شراء منظومة أو توقيع اتفاق وسائل محتملة. أما النتيجة فقد تكون استمرار خدمة أو خفض انكشاف أو حماية مجال سيادي. حين تصبح الوسيلة هي الهدف، يصعب إيقاف مشروع ضعيف أو استبداله؛ إذ يُفسَّر التراجع عن الأداة بوصفه تراجعًا عن المصلحة نفسها.

من التصنيف إلى المفاضلة: مثال عراقي افتراضي

لنفترض أن المطلوب تقليل تعرض مرفق حيوي للانقطاع. يمكن طرح ثلاثة اتجاهات: زيادة قدرة الإنتاج، أو توفير بديل احتياطي، أو تقليل الطلب والهدر. هذا مثال للتفكير، لا تقييم لمشروع عراقي بعينه. لكل اتجاه منافع وكلف: زيادة القدرة قد تستغرق وقتًا وتتطلب تمويلًا وتشغيلًا مستمرًا؛ والاحتياط قد يقلل أثر الانقطاع لكنه يحتاج صيانة واختبارًا؛ وتحسين الكفاءة قد يوفر موارد لكنه يتطلب بيانات وحوافز وإنفاذًا منصفًا.

إذا عرّفنا المصلحة بأنها «منع توقف الوظيفة الأساسية»، يصبح الجمع المدروس بين الأدوات ممكنًا. وإذا عرّفناها باسم مشروع واحد، نكون قد حسمنا الوسيلة قبل فحص البدائل. ومن هنا تأتي قيمة السيناريو: ماذا يحدث إذا تأخر التمويل؟ إذا تعطل المورد؟ إذا ارتفع الطلب؟ لا يقدم السيناريو نبوءة؛ بل يكشف الشروط التي يجعل غيابها القرار هشًا.

ويجب أن يشمل الحساب من يتحمل التكلفة. إجراء يحسّن المتوسط العام لكنه ينقل الضرر إلى منطقة ضعيفة قد يولد مشكلة ثقة وتوزيع تحتاج معالجة. لا يلزم أن تتساوى كل منفعة فورًا، لكن ينبغي أن تكون المفاضلة معلنة وقابلة للتبرير، وأن توجد آلية للتعويض أو المراجعة حيث تكون الخسارة شديدة.

القيد المالي جزء من الأمن

قدّر صندوق النقد الدولي في تقرير مشاورات العراق لعام 2025 ارتفاع سعر النفط اللازم لتوازن المالية العامة إلى نحو 84 دولارًا للبرميل في 2024، مقارنة بنحو 54 دولارًا في 2020. المقصود تقدير مالي تاريخي، لا سعر السوق ولا قياسًا لعام 2026. وهو يوضح لماذا لا يمكن فصل قائمة الالتزامات العامة عن القدرة على تمويلها. [المصدر]

الاستنتاج التحليلي هو أن الأولوية لا تُقاس بأهمية الهدف منفردًا، بل بأهميته مقارنة بما يزاحمه. تمويل أصل جديد مع تجاهل تشغيل الموجود قد يرفع القدرة الاسمية ويترك الوظيفة الفعلية هشة. وبالمثل، قد تخفض معالجة عاجلة تكلفة اليوم وتزيد الالتزام غدًا. المطلوب حساب دورة القرار: الإنشاء والتشغيل والصيانة والبديل والخروج، لا الاكتفاء بكلفة البداية.

تتيح الميزانية أيضًا كشف الفجوة بين القول والعمل. إذا وصفت وثيقة حماية وظيفة بأنها أولوية، بينما لا توجد مسؤولية تمويل واضحة أو صلاحية تنفيذ مناسبة، فالوثيقة لم تتحول بعد إلى سياسة قابلة للمساءلة. ولا يعني ذلك بالضرورة سوء النية؛ قد يعكس تضارب اختصاصات أو ضعف تصميم أو موارد أقل من المطلوب. اختلاف السبب يقتضي اختلاف العلاج.

كيف تتحول الاستراتيجية إلى قرار قابل للمراجعة؟

أقترح أن يحمل كل قرار استراتيجي سجلًا موجزًا يربط النتيجة المطلوبة بالبدائل التي جرى فحصها، والافتراضات الحرجة، والجهة المسؤولة، والموارد، ومؤشر الأثر، وشرط إعادة النظر. قيمة هذا السجل أنه يجعل الخلاف محددًا: يمكن مناقشة افتراض أو تكلفة أو موعد، بدل الدوران حول عبارات واسعة لا تقبل الإثبات أو النفي.

ويختلف مؤشر الإنجاز عن مؤشر الأثر. إقرار خطة تدريب إنجاز إداري؛ تحسن أداء الوظيفة تحت اختبار واقعي أثر محتمل يحتاج برهانًا. توقيع مذكرة تعاون لا يثبت وحده زيادة الاستقلال أو الردع أو الكفاءة. المقارنة الصحيحة تسأل عما تغير بالنسبة إلى خط أساس معروف، وما إذا كان التغير ناجمًا عن القرار أو عن ظرف خارجي.

أما عدم اليقين فلا يعالج بادعاء الدقة. يمكن اعتماد خطوات قابلة للتراجع، ومراجعة مرحلية، واختبار محدود قبل التوسع. لكن الحذر نفسه له تكلفة عندما يكون التأخير مؤذيًا. هنا تصبح مهمة الاستراتيجي إظهار هذه المفاضلة لصاحب القرار بوضوح، مع بيان حدود المعرفة، لا إخفاء الاختيار الصعب خلف لغة فنية.

الإجابة عن السؤال الأساسي

يفكر الاستراتيجي من المصلحة إلى التهديد ثم يعود إلى المصلحة بعد اختبار الوسائل. يسأل أولًا عن النتيجة العامة، ثم عن مصادر تعطيلها، ثم عن القدرة والبدائل والتكلفة، وأخيرًا عن الدليل الذي سيبرهن أن المسار يعمل. بهذا الترتيب يصبح الرد على الحدث جزءًا من وجهة أوسع، بدل أن تحل كثرة الاستجابات محل وجود الوجهة.

بالنسبة إلى العراق، تتقدم ثلاثة خيارات عملية في مستوى المنهج: الاكتفاء بتوسيع قوائم المخاطر، أو تحويل الاستراتيجية إلى حزمة مشروعات منفصلة، أو بناء سلسلة واضحة من المصالح إلى القرارات والموارد والنتائج. الخيار الثالث أكثر تطلبًا من حيث البيانات والتنسيق والمساءلة، لكنه يتيح معرفة أين وقع الإخفاق وكيف يمكن إصلاحه. وهذه القدرة على التعلم شرط أساسي لاستقلال القرار واستمراره.

المصادر

  1. وزارة الإعمار والإسكان — استراتيجية الأمن الوطني العراقي 2025–2030 — .
  2. EUAM Iraq — Paving the way for Iraq’s “Iraq First” National Security Strategy — .
  3. مجلس النواب العراقي — الدستور العراقي، المادتان 8 و9.
  4. صندوق النقد الدولي — مشاورات المادة الرابعة مع العراق لعام 2025 — .

عم تبحث؟

ابحث في المحتوى المنشور على الموقع.