انتقل إلى المحتوى

الأمن القومي والشؤون الاستراتيجية

الاستراتيجية الكبرى Grand Strategy: هل تحتاجها الدول المتوسطة؟

علي زويد

بقلم · نُشر · 6 دقائق قراءة

نشرت النرويج في 8 أيار 2025 أول استراتيجية أمن وطني لها، وحددت ثلاثة اتجاهات رئيسية: تعزيز الدفاع، وزيادة صمود المجتمع، وتقوية الأمن الاقتصادي. صدور الوثيقة لا يعني أن البلد لم يكن يفكر استراتيجيًا قبلها؛ لكنه يدل على قرار بجمع أولويات متفرقة داخل إطار أوضح. وهذه تجربة تضعف الاعتقاد بأن التفكير في «استراتيجية كبرى» ترف يخص الدول التي تنافس على قيادة العالم. الاستراتيجية النرويجية

في العراق، تزداد أهمية السؤال خلال صدمات 2026 الاقتصادية والإقليمية: كيف تُنسق الدولة الدفاع والدبلوماسية والمالية والطاقة بحيث لا تلغي سياسةٌ أثرَ أخرى؟ وهل تحتاج الدولة المتوسطة إلى طموح أكبر، أم إلى قدرة أفضل على ترتيب ما تستطيع فعله؟ أستخدم «الدولة المتوسطة» هنا بوصفها دولة لا تملك فرض شروطها على النظام الدولي، لا تصنيفًا رسميًا للعراق ضمن مرتبة ثابتة.

الحجة الرئيسية

تحتاج الدول محدودة القدرة على تشكيل بيئتها إلى استراتيجية كبرى لتنسيق الوسائل وترتيب الالتزامات، لا لتقليد طموحات القوى العظمى. معيارها العملي هو أن تغيّر المفاضلة بين القرارات والموارد، وأن تحدد ما تؤجله الدولة أو تمتنع عنه بقدر ما تحدد ما تسعى إليه.

الكبرى تصف مستوى التنسيق لا حجم الادعاء

المقصود بالاستراتيجية الكبرى في هذا المقال إطار يربط المصالح بعيدة المدى بتوزيع الأدوات العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية والمؤسسية عبر الزمن. وهي لا تتطابق بالضرورة مع وثيقة تحمل هذا الاسم. يمكن أن تكشف الموازنات والشراكات والقرارات المتكررة عن اتجاه فعلي يختلف عن النص المنشور. لذلك يُقاس وجودها بالاتساق في الاختيار، لا بعدد الصفحات أو بسعة قائمة الأهداف.

وتظهر الحاجة إليها حين تتنافس أدوات تبدو جيدة منفردة. فقد توسع شراكة تجارية الخيارات الاقتصادية، لكنها تزيد الاعتماد على مصدر حساس. وقد تحقق صفقة دفاعية قدرة مطلوبة، لكنها تستهلك الموارد المخصصة لصيانتها. وقد يفتح مشروع نقل إيرادًا محتملًا، لكنه يرتب التزامًا ماليًا قبل تحقق الطلب. لا تعني هذه الأمثلة رفض الشراكة أو الصفقة أو المشروع؛ إنها تشرح لماذا لا يكفي تقييم كل ملف داخل وزارته وحدها.

في تحديث 6 تشرين الأول 2026، عرض البنك الدولي آثار الصراع على النشاط الإقليمي والتجارة والطاقة. لا يقدم التقرير وصفة استراتيجية للعراق، لكنه يوضح بيئة يصبح فيها افتراض استقرار الإيراد والإمداد لفترة طويلة بحاجة إلى اختبار. التحديث الإقليمي وتكون الاستجابة الأضعف هي توسيع الالتزامات في كل اتجاه من دون تحديد أيها يستمر إذا تقلصت الموارد.

ما الذي تضيفه المقارنة الدولية؟

تجمع الاستراتيجية البريطانية لعام 2025 الأمن الداخلي والقوة الخارجية والقدرات السيادية ضمن ثلاثة مكونات مترابطة. وتربط أدوات الدفاع والاقتصاد والتكنولوجيا بالشراكات الخارجية. هذه بنية معلنة لربط المجالات، وليست برهانًا على نجاح كل التزاماتها. الوثيقة البريطانية

توفر المقارنة مع النرويج ملاحظة مفيدة: تختلف الدولتان في الموارد والأدوار، لكن كلتيهما تحاول وصل الحماية الخارجية بمقومات داخلية واقتصادية. ما يصلح للنقل هو السؤال عن الترابط والتعارض. أما أولويات التحالفات والانتشار والقدرات الخاصة فلا تنقل إلى العراق آليًا، لأنها تقوم على تاريخ مؤسسي والتزامات وجغرافيا مختلفة. الاستراتيجية الوطنية تبدأ من حدود الحالة العراقية، لا من اختيار وثيقة أجنبية تبدو أنيقة.

وللعراق بالفعل استراتيجية للأمن الوطني للفترة 2025–2030، أتاحتها وزارة العدل على موقعها. لذلك لا يبدأ النقاش من ادعاء فراغ كامل، ولا يحتاج بالضرورة إلى وثيقة منافسة جديدة. الوثيقة العراقية المنشورة يبدأ من فحص صلة الإطار الموجود بالقرارات القطاعية والموازنة، ومن السؤال عن الآلية التي تحسم تعارض الأولويات بدل الاكتفاء بتجاورها داخل النص.

وجود إطار وطني لا يلغي الخطط القطاعية أو المحلية. وظيفته أن يحدد الحدود المشتركة التي تعمل داخلها، وأن يجعل آثار قرار على قطاع آخر ظاهرة قبل اعتماده. إذا اختارت الدولة تقليل اعتماد معين، ينبغي أن تتوافق المشتريات والتدريب والاستثمار مع هذا الاتجاه، أو أن يُفسر الاستثناء وكلفته. من دون هذا الاختبار قد تعلن الوزارة هدفًا ويعيد عقدها التالي إنتاج المشكلة نفسها.

الاستقلال يحتاج خيارات قابلة للاستخدام

تُطرح أحيانًا مفاضلة مبسطة بين الانحياز الكامل إلى شريك والاستقلال عن الجميع. لكن الاستقلال العملي يتعلق بالقدرة على اتخاذ قرار وتحمل كلفته، لا بعدد الاتفاقات أو غيابها. قد تزيد شراكة محسوبة هذه القدرة إذا وفرت مهارة أو بديلًا، وقد تضيقها إذا جعلت وظيفة أساسية رهينة مورد لا يمكن استبداله. ومن هنا ترتبط الاستراتيجية الكبرى بـتحديد المصلحة الوطنية قبل اختيار الأداة.

التنويع نفسه يحتاج فحصًا. تعدد أسماء الموردين لا يضمن تعدد مصادر الاعتماد إذا تشاركوا مكونًا حرجًا أو مسارًا واحدًا. وفي المقابل، الإفراط في التنويع قد يرفع كلفة التدريب والصيانة ويعقد التنسيق. لذلك يكون الهدف توفير بدائل ذات قيمة فعلية ضمن موارد متاحة، لا أكبر عدد ممكن من الشراكات. هذه مفاضلة ينبغي توثيقها لكل وظيفة، وليست قاعدة تفرض الاكتفاء الذاتي في جميع القطاعات.

وفي البيئة العراقية، أرى أن إطارًا جامعًا ينبغي أن يختبر أي التزام خارجي بقدرته على حماية القرار السيادي واستمرار الوظائف الأساسية وتوسيع قاعدة الإنتاج. لا يكفي أن ينجح في معيار واحد إذا أضعف الآخرين بدرجة لا يمكن تحملها. وهذا اختبار تحليلي مقترح، وليس إعلانًا بأن التوازن بين هذه الأهداف سهل أو أن جميع الأطراف ستتفق على أوزانها.

أما القاعدة الاقتصادية فتحتاج إلى أفق أطول من الأزمة الجارية. بناء المهارات أو البنية الأساسية لا يظهر أثره بالسرعة نفسها التي يظهر بها إجراء طارئ، لكن تأجيله كل مرة قد يبقي الدولة في حالة احتياج متكرر. يعالج فصل نهاية الدولة الريعية جانبًا من هذه المسألة داخل رؤية العراق 2045؛ والإحالة إليه توسع النقاش ولا تعني أن تبني الرؤية يثبت تحقق تحول اقتصادي.

الاستراتيجية التي تستطيع قول «ليس الآن»

تحتاج الأولويات إلى قاعدة للامتناع والتأجيل. إذا تساوت كل الأهداف في الأهمية، لم تعد هناك أولوية. وإذا التزمت الدولة بمشروعات تعتمد جميعها على الإيراد نفسه في الفترة نفسها، فقد يؤدي تعثر واحد إلى تزاحم أوسع. الأفضل مقارنة حزم قابلة للتمويل تحت أكثر من ظرف، وتحديد ما يحافظ على الوظائف الأساسية وما يمكن تأجيله من دون ضرر لا رجعة فيه.

تتطلب هذه المقارنة مسؤولية سياسية واضحة. لا تستطيع لجنة فنية وحدها أن تقرر مقدار المخاطر المقبولة نيابة عن المجتمع، لكنها تستطيع إظهار البدائل والكلفة والافتراضات. ثم تخضع القرارات للرقابة وفق القانون، مع حماية التفاصيل التي تستحق السرية. ويقدم إطار الموازنة والمال العام المطروح في البرنامج السياسي مادة لمناقشة ربط الالتزام بالقدرة على تمويله، بوصفه مقترح سياسة لا وصفًا لنظام معمول به.

وتحتاج الاستراتيجية إلى مراجعة عندما يتغير افتراض رئيسي، لا عندما تتغير صياغة الخطاب فقط. قد تكون الغاية مستقرة بينما تتبدل الوسيلة أو توقيت التنفيذ. الاحتفاظ بالغاية لا يبرر الاستمرار في مشروع فقد شروطه، كما أن وقوع أزمة لا يفرض التخلي عن كل استثمار طويل المدى. المراجعة الجيدة تفسر سبب التعديل وما يحافظ عليه وما تتخلى عنه.

الدولة المتوسطة تحتاج إلى استراتيجية كبرى لأن هامش الخطأ لديها محدود، لا لأنها ترغب في دور يفوق مواردها. والفارق الحاسم بين إطار مفيد ووثيقة احتفالية هو أن الأول يترك أثرًا يمكن تتبعه في قرار وتمويل وتوقيت ومراجعة. عندما تستطيع الدولة تحديد ما تحميه أولًا، وما تتحمله من اعتماد، وما تؤجله، تصبح قدرتها على الاختيار أكبر حتى إذا لم تصبح مواردها أكبر.

علي زويد - باحث في الشؤون الاستراتيجية والأمن القومي

المصادر

  1. حكومة النرويج — استراتيجية الأمن القومي —
  2. البنك الدولي — الآفاق الاقتصادية الإقليمية في تشرين الأول 2026 —
  3. الحكومة البريطانية — استراتيجية الأمن القومي 2025 —
  4. وزارة العدل العراقية — استراتيجية الأمن الوطني 2025–2030 —

عم تبحث؟

ابحث في المحتوى المنشور على الموقع.