انتقل إلى المحتوى

الأمن القومي والشؤون الاستراتيجية

الأمن التقليدي وغير التقليدي: لماذا لم يعد الجيش وحده يكفي؟

بقلم · · 6 دقائق قراءة

قد تكون الحدود محمية بينما يتعطل مختبر حيوي، أو تتوقف شبكة اتصالات، أو يعجز مستشفى عن استمرار الخدمة. في مثل هذه الحالات لا تصبح القدرة العسكرية عديمة القيمة؛ بل يظهر أن حماية الدولة تتطلب وظائف لا تستطيع المؤسسة العسكرية أن تؤديها كلها، مهما بلغت كفاءتها. السؤال العملي هو كيف تتكامل أدوات الحماية من دون أن تضيع المسؤولية بين المؤسسات.

في 23 مارس 2026، نشرت منظمة الصحة العالمية إطارًا لقدرات مؤسسات الصحة العامة في الاستعداد للطوارئ والاستجابة لها، يتضمن جوانب مثل السلطة القانونية والتمويل والترصد والمختبرات والتنسيق. الإطار عام وليس تقييمًا للعراق. أهميته للنقاش العراقي أنه يوضح أن الجاهزية الصحية قدرة مؤسسية مستقلة، لا مهمة يمكن استحداثها كاملة بعد وقوع الأزمة. [المصدر]

النتيجة الأساسية

التمييز بين الأمن التقليدي وغير التقليدي يساعد على اختيار الأداة المختصة، لكنه لا يرسم جدارًا بين الأخطار. الحماية الفعالة تجمع الردع والدفاع وإنفاذ القانون مع استمرار الصحة والماء والطاقة والاتصالات، وتختبر قدرة كل وظيفة على العمل حين تتعطل وظيفة أخرى.

ما الذي يعنيه هذا التمييز؟

يُستخدم الأمن التقليدي هنا للدلالة على حماية الإقليم والسيادة من الإكراه المسلح والتهديدات المرتبطة بالقوة العسكرية. ويشمل الأمن غير التقليدي أخطارًا تعبر القطاعات أو الحدود، مثل الطوارئ الصحية وتعطل البنية الحيوية والاضطرابات البيئية والرقمية. هذا تقسيم إجرائي لتحديد الأدوات والمسؤوليات؛ فبعض هذه الأخطار قديم، وبعضها قد ينشأ من فعل متعمد، ولا تجعل صفة «غير تقليدي» أثره أقل خطورة.

المشكلة تبدأ حين يتحول التقسيم إلى فصل مؤسسي كامل. هجوم مسلح قد يعطل الكهرباء، وتعطل الكهرباء قد يوقف ضخ الماء والاتصالات والخدمة الصحية، فيما قد تؤثر أزمة صحية في جاهزية العاملين في كل تلك القطاعات. المسألة إذن ليست تعداد أخطار متجاورة، بل فهم اعتماد وظيفة على أخرى. كل حل يعالج قطاعه منفردًا قد يترك سبب تعطله خارج نطاقه.

ولا يعني هذا إلغاء الخصوصية العسكرية. حماية الحدود والردع وإدارة العمليات المسلحة تحتاج مؤسسات وتدريبًا وتجهيزًا وسلسلة قيادة مخصصة. ما لا يصح هو افتراض أن الكفاءة في هذه المهام تنتج تلقائيًا كفاءة في إدارة المختبرات أو تنظيم المياه أو صيانة الشبكات المدنية. لكل مجال معرفة وصلاحيات ونظم مساءلة لا تُختصر في الانضباط وحده.

لماذا لا تكفي زيادة القوة المسلحة؟

يمكن للقوات المسلحة أن تسند الاستجابة المدنية بالنقل والهندسة والحماية والإسناد عند الحاجة ووفق القانون. لكنها لا تستطيع أن تعوض بصورة دائمة ضعف المؤسسة التي تنتج الخدمة. إذا احتاج كل انقطاع اعتيادي إلى تدخل استثنائي، فقد نجح التدخل في تخفيف الضرر الآني، لكنه لا يثبت إصلاح النظام الذي أعاد إنتاج العطل.

ثم إن تحويل موارد عسكرية إلى مهمة مدنية له تكلفة فرصة: وقت الأفراد وصيانة المعدات وتدريبهم على مهمتهم الأصلية. هذه تكلفة ينبغي موازنتها مع ضرورة الإسناد، لا حجة لرفضه مطلقًا. في الأزمة الواسعة قد يكون الإسناد ضروريًا؛ أما في الوقاية والتشغيل اليومي فبناء القدرة المدنية يخفف الضغط على الجهتين.

يبقى الإطار الدستوري العراقي مهمًا في تحديد العلاقة: القوات المسلحة تخضع لقيادة مدنية ولها وظيفة دفاعية مقررة. تنسيق الطوارئ ينبغي أن يعمل ضمن الاختصاصات القانونية، مع وضوح من يطلب الإسناد ومن يقود الوظيفة المدنية ومتى تنتهي المهمة الاستثنائية. وضوح هذه الحدود يسرّع التعاون بدل أن يعرقله؛ لأنه يقلل النزاع على الصلاحية لحظة الحاجة. [المصدر]

الترابط بين الخدمات: مثال يغيّر ترتيب الأولويات

لنفترض مستشفى يملك مصدر كهرباء احتياطيًا، لكنه يعتمد على توريد وقود غير مضمون، واتصال واحد لا بديل له، ومورد محدود لمستلزم تشخيصي مهم. وجود المولد وحده لا يثبت الجاهزية. قد يكون الاستثمار الأكثر إلحاحًا عقد توريد قابلًا للتنفيذ أو اختبار الاتصال البديل، لا شراء جهاز إضافي. هذا مثال افتراضي لشرح طريقة الفحص، وليس تقريرًا عن مستشفى محدد.

يمكن تحليل المنظومة في اتجاهين. نبدأ من الوظيفة التي يجب ألا تتوقف، ثم نسأل عما تعتمد عليه؛ وبعد ذلك نبدأ من مورد معرض للتعطل ونسأل عن الوظائف التي ستتأثر به. الاتجاه الأول يكشف حاجات المرفق، والثاني يكشف نقاط الانكشاف المشتركة التي قد تصيب مرافق كثيرة دفعة واحدة. وقد يخفي توزيع الأصول على أماكن متعددة اعتمادها جميعًا على مزود أو عقد أو نقطة اتصال واحدة.

تظهر هنا مفاضلة بين الكفاءة والاحتياط. تقليل المخزون وتوحيد المورد قد يخفضان التكلفة في الظروف العادية، لكنهما قد يرفعان أثر الانقطاع. وتعدد البدائل قد يعزز الاستمرار لكنه يزيد كلفة التشغيل والتنسيق. لا توجد نسبة احتياط مثالية لكل القطاعات؛ الاختيار يتحدد بمدة الانقطاع المحتملة، وشدة الضرر، ووقت استعادة المورد، والمال المتاح.

ماذا يمكن تعلمه من تجربة فنلندا؟

اعتمدت فنلندا في يناير 2025 تحديثًا لاستراتيجية أمن المجتمع يقوم على حماية الوظائف الحيوية بتعاون السلطات والشركات والمنظمات والمواطنين، ويجمع بين الاستعداد والاستجابة. الدرس المفيد هو تنظيم أدوار متكاملة حول وظائف واضحة. أما نقل النموذج كاملًا إلى العراق فيتجاهل اختلاف البنية الإدارية والموارد ومستوى الثقة والقدرة على إنفاذ الالتزامات. [المصدر]

الأقرب إلى التطبيق هو البدء بوظيفة محددة وبعدد محدود من الجهات التي يعتمد بعضها على بعض، ثم اختبار ترتيبات التعاون. لا يكفي توقيع مذكرة أو إعلان لجنة. ينبغي أن يعرف كل طرف ما سيقدمه عند تحقق شرط معين، وكيف سيتلقى المعلومة، ومن يستطيع اتخاذ القرار عند غياب المسؤول المعتاد. هذا تصميم تشغيلي يحتاج تدريبًا وتمويلًا، لا مجرد توافق لغوي على أهمية التنسيق.

وللقطاع الخاص دور عندما يدير موردًا أو خدمة حيوية، لكن إشراكه لا يعفي السلطة العامة من الرقابة. العقود يجب أن تحدد الحد الأدنى للخدمة وواجب الإبلاغ والتزامات الاستمرار وحدود مشاركة البيانات. كما أن إشراك المجتمع يقتضي معلومات مفهومة وقنوات بلاغ موثوقة؛ فالمواطن لا يستطيع الاستعداد لخطر يُخفى عنه أو يتلقى بشأنه رسائل متناقضة.

مسار واقعي لاختبار الجاهزية في العراق

يمكن أن يبدأ العمل بسيناريو مركب محدود النطاق: انقطاع كهرباء واتصال في منطقة تتضمن مرفقًا صحيًا ومحطة ماء. تُحدد الوظائف التي يجب استمرارها، ثم تُراجع البدائل المتاحة فعليًا، لا المسجلة على الورق فقط. وبعد تمرين مكتبي أو تشغيلي مناسب، تُوثق نقاط التأخر وسببها: نقص صلاحية، أم مورد، أم معلومة، أم تدريب؟ لكل سبب إجراء مختلف.

يجب أن تكون للتمرين حدود تمنع إلحاق ضرر بالخدمات أو كشف معلومات حساسة بلا ضرورة. ليس المطلوب تعطيل بنية حقيقية لإثبات هشاشتها، بل اختبار القرار والاتصال والاحتياط بأدوات متناسبة. ويمكن نشر النتائج العامة وخطة التحسين مع حماية التفاصيل التي قد تسهل الاعتداء على المرافق.

أما القياس فيركز على زمن اكتشاف الخلل، واستمرار الوظيفة الدنيا، ووقت التعافي، وإمكان الوصول إلى الخدمة أثناء الأزمة. هذه مؤشرات مقترحة هنا، لا نتائج مقاسة عن المؤسسات العراقية. وقد يكشف التمرين أن إجراءً إداريًا بسيطًا أسرع أثرًا من تجهيز مكلف؛ كما قد يثبت أن نقصًا ماديًا حقيقيًا لا يمكن علاجه باجتماعات إضافية.

من يملك المسؤولية النهائية؟

الأمن غير التقليدي لا يحتاج جهازًا واحدًا يدير كل شيء، بل ترتيبًا يجعل المسؤولية قابلة للتتبع. تبقى قيادة الوظيفة لدى الجهة المختصة، ويجري التنسيق عند تقاطع الاختصاصات، وتُحدد مسبقًا شروط التصعيد إلى مستوى أعلى. إذا كانت القاعدة أن كل جهة تنتظر الأخرى، تصبح كثرة المشاركين سببًا للتأخر بدل أن تكون مصدر قدرة.

لهذا لا ينتهي المقال إلى تقليل شأن الجيش، بل إلى تحديد مكانه داخل قدرة وطنية أوسع. يبقى الدفاع العسكري ضروريًا لمواجهة نوع من الإكراه، وتبقى المؤسسات المدنية المتخصصة ضرورية لمنع انهيار الحياة العامة تحت أنواع أخرى من الصدمات. معيار التكامل هو استمرار الوظائف ضمن القانون، وقدرة المؤسسات على التعافي والتعلم، لا عدد الجهات التي حضرت الاجتماع.

المصادر

  1. WHO — Framework for health emergency preparedness and response capabilities for national public health agencies — .
  2. مجلس النواب العراقي — الدستور العراقي، المادتان 8 و9.
  3. لجنة الأمن الفنلندية — اعتماد استراتيجية أمن المجتمع في 16 يناير 2025 — .

عم تبحث؟

ابحث في المحتوى المنشور على الموقع.