انتقل إلى المحتوى

الأمن القومي والشؤون الاستراتيجية

الدولة الهشة أم الدولة منخفضة القدرة؟ كيف نقرأ العراق بلا شعارات

علي زويد

بقلم · نُشر · 6 دقائق قراءة

توقع البنك الدولي في تحديثه الإقليمي الصادر في 6 تشرين الأول 2026 انكماش اقتصاد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان بنسبة 2.1% خلال العام، في ظل استمرار آثار الصراع. هذا توقع إقليمي، لا نتيجة محققة ولا تقدير خاص بالعراق. لكنه يعيد طرح سؤال عملي: لماذا تتحول صدمة متشابهة إلى تعطل طويل في بلد، بينما يستطيع بلد آخر امتصاص جزء من آثارها؟ التحديث الإقليمي

وصف العراق بأنه «دولة هشة» يقدم إجابة سريعة، لكنه لا يحدد المؤسسة التي أخفقت ولا القدرة التي ينبغي بناؤها. ووصفه بأنه «منخفض القدرة» يبدو أدق، لكنه يبقى عامًا إذا لم نحدد القدرة على ماذا، وأين، وخلال أي ظرف. نحتاج إلى تشخيص يفسر اجتماع موارد مالية ومؤسسات قائمة مع تعثر بعض الوظائف، ويتيح الاعتراف بتحسن قطاع محدد من دون تحويله إلى حكم شامل على الدولة.

الخلاصة التحليلية

الهشاشة تصف العلاقة بين التعرض للصدمات والقدرة على التعامل معها، بينما تساعد قراءة القدرة حسب الوظيفة في تحديد موضع الإصلاح. لا يكفي استبدال تسمية بأخرى؛ المطلوب ربط كل حكم بوظيفة ومكان وزمن ودليل قابل للمراجعة.

ما الذي يخفيه الحكم الواحد على الدولة؟

يقيس إطار منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الهشاشة عبر ستة أبعاد: الاقتصادي والبيئي والبشري والسياسي والأمني والمجتمعي. وتؤكد المنظمة أن الهشاشة والنزاع مفهومان مرتبطان لكنهما غير متطابقين، وأن معظم السياقات عالية الهشاشة أو شديدة الهشاشة ليست في حالة حرب. لذلك لا يصح التعامل مع المصطلح بوصفه مرادفًا لانهيار الدولة أو لاختفاء مؤسساتها. إطار الهشاشة

الفائدة من هذا التفكيك أن قدرة الشرطة على ضبط حادث لا تخبرنا تلقائيًا عن قدرة الإدارة المالية على دفع مستحقات مشروع، وأن تحسن التحصيل لا يثبت تحسن العدالة في توزيع الخدمة. وقد تنجح مؤسسة في عمل روتيني ثم تتعثر عند صدمة، أو تنفذ مهمة في العاصمة بصعوبة أقل من تنفيذها في منطقة بعيدة. اختزال هذه الفروق في مرتبة واحدة يجعل المقارنة سهلة لكنه قد يجعل اختيار العلاج أصعب.

ومن ثم لا أرى تعارضًا لازمًا بين مفهوم الهشاشة وتحليل قدرة الدولة. الأول يلفت إلى احتمال تعرض الوظائف لضغوط تفوق وسائل التعامل معها؛ والثاني يسأل عن الآليات التي تنتج هذه النتيجة. يصبح الخلاف مثمرًا حين ينتقل من الدفاع عن اسم البلد أو إدانته إلى فحص وظيفة محددة. ويمكن الاعتراض على مؤشر دولي بسبب بياناته أو أوزانه، لكن الاعتراض لا يغني عن تقديم أدلة بديلة.

المال المتاح ليس القدرة نفسها

يقدر البنك الدولي أن النفط شكّل في العراق سنة 2025 نحو 53% من الناتج الحقيقي و88% من الإيرادات الحكومية و91% من الصادرات السلعية. لكل نسبة مقام مختلف؛ فلا يجوز جمعها أو استخدام إحداها بدل الأخرى. لكنها تظهر معًا أن أثر اضطراب النفط ينتقل عبر الإنتاج والمالية والتجارة، ولا يبقى داخل قطاع الاستخراج. الملف الاقتصادي للعراق

هذه البنية تفسر إمكان اجتماع ثروة كبيرة مع هامش مناورة محدود. فإيراد مرتفع في سنة لا يضمن قدرة ثابتة على تمويل الالتزامات في السنة التالية. وإذا توسعت الالتزامات الدائمة أثناء ارتفاع الإيراد، قد تنتقل كلفة الانخفاض إلى الصيانة والاستثمار أو تتراكم في مستحقات غير مدفوعة. هذه آلية محتملة يجب فحصها بالحسابات الفعلية، وليست حكمًا بأن كل إنفاق جارٍ غير منتج أو أن خفضه دائمًا هو الخيار الأفضل.

في تقرير مشاورات 2025، ربط صندوق النقد الدولي تراكم المتأخرات في 2024 بالتوسع السريع في الإنفاق وقيود التمويل. كما أشار إلى ثغرات في البيانات تؤثر في قوة التقييم. الاستشهاد هنا بحالة موثقة سابقة، وليس اعتماد توقعات ذلك التقرير لعام 2026 بوصفها نتائج حالية. تقرير مشاورات العراق

تقود هذه المادة إلى فصل ثلاثة أمور: وجود تخصيص في الموازنة، وتوفر السيولة في الوقت المطلوب، وقدرة الجهة على تحويل المال إلى خدمة سليمة. قد يتعطل المشروع عند أي منها، ولكل تعطل علاج مختلف. زيادة التخصيص لا تحل تلقائيًا مشكلة عقد سيئ أو ضعف إشراف، وتشديد الرقابة وحده لا يوفر سيولة مفقودة. التشخيص الذي يحدد المرحلة أقرب إلى الإصلاح من عبارة عامة عن فساد كل المؤسسة أو عجزها.

التحسن الجزئي دليل ينبغي فحصه

يقدم برنامج أسيكودا مثالًا مفيدًا لتجنب الأحكام الشاملة. أورد تقرير الأونكتاد لعام 2025 زيادة الإيرادات الكمركية العراقية بنسبة 128% بين 2023 و2024 ضمن عرضه لتحديث الإدارة الكمركية. الرقم يستحق الاهتمام، لكنه لا يعزل وحده أثر النظام الرقمي عن تغير التجارة أو التعرفات أو الإنفاذ، ولا يقيس كل المنافذ والأبعاد بمعيار واحد. تقرير أسيكودا

ما يمكن استنتاجه بحذر هو أن وظيفة بعينها قابلة للتغيير، وأن ادعاء استحالة أي إصلاح أوسع مما تسمح به هذه الملاحظة. أما إثبات التحسن المستدام فيحتاج مقارنة زمنية أوضح، وتحديد التغطية، وزمن التخليص، وتكلفة الامتثال، وإمكان التظلم من قرار خاطئ. ارتفاع التحصيل قد يمثل تقليل تسرب أو زيادة عبء أو تغيرًا في النشاط؛ والتمييز بينها مهم للاقتصاد ولعدالة الإدارة معًا.

ويكشف المثال شرطًا آخر: الرقمنة لا تعني استبدال المؤسسة ببرنامج. تحتاج البيانات إلى تعريف موحد، والموظف إلى صلاحية واضحة، والمتعامل إلى قناة اعتراض، والنظام إلى استمرارية تشغيل. إذا ظلت المعاملة الورقية والرقمية تفرضان إجراءين متوازيين بلا ضرورة، فقد تزداد الكلفة رغم وجود واجهة حديثة. هذه مخاطر ينبغي اختبارها أثناء التوسع، وليست نتائج أنسبها إلى النظام العراقي من دون قياس.

وتقدم حالة كازاخستان الواردة في تقرير الأونكتاد نفسه زاوية مقارنة مختلفة: انخفض زمن معالجة بيانات العبور 67% بين 2017 و2024. يقيس هذا الزمن جانبًا غير الإيراد، ولذلك لا يصح مقارنة النسبتين كما لو كانتا ترتيبًا للنجاح بين البلدين. يمكن للعراق الاستفادة من نوع القياس، لا افتراض إمكان تكرار النتيجة ذاتها في بنية مؤسسية وتجارية مختلفة.

اختيار إصلاح يستطيع النظام استيعابه

أقترح أن تبدأ قراءة القدرة العراقية بوظائف محددة مثل التخليص الكمركي أو صيانة مرفق أو تسوية مستحقات، ثم تتبع القرار من القاعدة القانونية إلى النتيجة. يُسأل من يملك المعلومة، ومن يعتمد الإجراء، ومن يمول التنفيذ، ومن يستطيع تصحيح الخطأ. إذا كانت المشكلة تضارب اختصاص، فلن يحلها تدريب إضافي وحده؛ وإذا كانت نقص مهارة، فقد لا يغير إنشاء هيئة جديدة النتيجة.

ويحتاج الإصلاح إلى موازنة بين التوحيد والمرونة. معيار وطني موحد قد يمنع التفاوت غير المبرر، لكن فرض إجراء لا تراعي موارده قدرات المحافظات قد ينتج التزامًا شكليًا. والتفويض المحلي قد يسرع الخدمة، لكنه يحتاج حدودًا معلنة وآلية رقابة. لهذا يرتبط النقاش بمضمون مقترح اللامركزية وتوزيع الاختصاصات، من دون افتراض أن تبني نص قانوني وحده يخلق القدرة اللازمة لتطبيقه.

والقياس ينبغي أن يجمع النتيجة مع توزيعها: زمن المعاملة المعتاد، والفوارق بين المناطق، ونسبة القرارات المصححة، واستمرار الخدمة تحت الضغط. هذه مقاييس مقترحة، لا أرقام متاحة أقدمها عن العراق. وهي تكمل قراءة القوة الوطنية الشاملة عبر نقل السؤال من حجم الموارد إلى طريقة تحويلها إلى أداء.

الأولوية التي تفرضها صدمات 2026 هي منع تدهور الوظائف الأساسية أثناء بناء قدرة أعمق، لا الاختيار بين إعلان نجاح شامل وإعلان فشل شامل. الاعتراف بأن مؤسسة تحسنت لا يعفيها من الاختبار، والاعتراف بقصور وظيفة لا يلغي الدولة كلها. العراق يحتاج لغة تشخيص تجعل الخطأ قابلًا للتحديد والإصلاح، وتسمح بتوسيع ما يثبت نجاحه بدل إعادة البدء من الصفر مع كل شعار.

علي زويد - باحث في الشؤون الاستراتيجية والأمن القومي

المصادر

  1. البنك الدولي — الآفاق الاقتصادية الإقليمية في تشرين الأول 2026 —
  2. منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية — النزاع والهشاشة
  3. البنك الدولي — العراق: عرض عام
  4. صندوق النقد الدولي — مشاورات المادة الرابعة مع العراق 2025 —
  5. الأونكتاد — تقرير أسيكودا 2025 —

عم تبحث؟

ابحث في المحتوى المنشور على الموقع.