انتقل إلى المحتوى

الأمن القومي والشؤون الاستراتيجية

الأمن الإنساني والأمن الوطني: تعارض أم تكامل؟

علي زويد

بقلم · نُشر · 6 دقائق قراءة

يسجل تقرير منظمة الصحة العالمية المؤرخ في 15 أيلول 2026 استمرار الضغط على الخدمات الصحية في الشرق الأوسط، وحاجة مرافق إلى إمدادات وطاقة احتياطية وسط اضطراب سلاسل التجهيز. بياناته مقطوعة عند 14 أيلول، وليست حصيلة يومية حتى تشرين الأول. لكنه يوضح أن أثر الصراع لا يقف عند موقع الضربة: قد يصل إلى مريض عبر انقطاع الكهرباء أو تعذر وصول الدواء. التقرير الصحي

تبدو هذه الوقائع بعيدة عن النقاش التقليدي بشأن السيادة والحدود، لكنها تضع أمامه اختبارًا ملموسًا. هل يكون البلد آمنًا إذا استمرت مؤسساته بينما فقد الناس القدرة على العلاج والعيش؟ وفي الاتجاه الآخر، هل تستطيع خدمات اجتماعية جيدة أن تستمر إذا عجزت الدولة عن حماية الإقليم وإنفاذ القانون؟ الإجابة تتطلب وصل مستويين للحماية، مع منع تحويل كل مشكلة اجتماعية إلى ملف تديره الأجهزة الأمنية.

النتيجة الأساسية

يتكامل الأمن الإنساني والأمن الوطني عندما تحمي الدولة السيادة والمؤسسات وتُقاس فعالية الحماية باستمرار حياة الناس وحقوقهم. ويظهر التعارض حين تُستخدم حماية الدولة لتبرير إهمال الإنسان، أو حين تُناقش رفاهية الناس بمعزل عن المؤسسات التي تستطيع ضمانها.

وحدة الملاحظة تغير الحكم على النجاح

يربط قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 66/290 الأمن الإنساني بالبقاء وسبل العيش والكرامة، ويؤكد أنه لا يحل محل أمن الدولة ولا يجيز التهديد بالقوة أو استخدامها. هذه حدود مهمة للمفهوم: توسيع النظر إلى الإنسان لا يلغي السيادة، ولا يحول الاحتياج الإنساني إلى تفويض مفتوح بالإكراه. قرار الجمعية العامة

حين تكون وحدة الملاحظة هي المؤسسة، قد نسأل هل بقي المستشفى مفتوحًا. وحين نضيف الإنسان نسأل هل استطاع المريض الوصول إليه والحصول على الخدمة التي يحتاجها. قد تبقى البناية والكوادر، لكن تتعطل الإحالة أو لا يقدر المريض على تكلفة النقل. لا ينفي السؤال الثاني قيمة الأول؛ إنه يكشف الحلقة التي لا تظهر في مؤشر استمرار المؤسسة وحده.

والعكس مهم أيضًا. قد تنجح مبادرة محلية في سد نقص مؤقت، لكن استمرارها يحتاج أمن الطريق، وتوريدًا منتظمًا، وتمويلًا، وقواعد للمساءلة. إذا عُرض تضامن المجتمع بوصفه بديلًا دائمًا عن المؤسسة، فقد تُنقل كلفة الإخفاق إلى الأسر والمتطوعين. يكون المجتمع شريكًا في الصمود عندما يوسع قدرة النظام، لا عندما يُطلب منه تعويض غياب مسؤولية عامة إلى أجل غير محدد.

يضيف ذلك معيارًا إلى التمييز بين حماية الدولة وحماية المجتمع: لا تُقاس النتيجة بوجود مورد فقط، بل بإمكان الوصول إليه في الوقت والمكان المطلوبين. وهذا يمنع التباسًا آخر بين المتوسط الوطني وتوزيع الحماية. تحسن المتوسط قد يتزامن مع بقاء مناطق أو فئات في وضع شديد الصعوبة، لذلك يحتاج التقييم إلى بيانات تفصيلية تحترم الخصوصية وتكشف الفجوات.

ماذا تعلمنا استمرارية الرعاية عن الأمن؟

تقرير أيلول الصحي يوثق تداخل القيود اللوجستية والطاقة والقدرة العلاجية. لا تسمح هذه المادة بعزل نسبة محددة من الضرر ترجع إلى كل عامل، ولا بتعميم تجربة مرفق على العراق كله. لكنها تسند استنتاجًا عمليًا: حماية الخدمة تتطلب متابعة الاعتماد بين القطاعات، لا عدّ منشآت القطاع وحدها.

لنأخذ مسارًا افتراضيًا لمريض يحتاج خدمة منتظمة. يمكن أن تنقطع الخدمة بسبب منشأة غير جاهزة، أو دواء غير متوفر، أو وسيلة نقل غير متاحة، أو انقطاع دخل الأسرة. علاج كل سبب يخص جهات مختلفة. وإذا عولجت البناية فقط، قد يبقى المريض خارج الخدمة. هذا مثال تحليلي لتحديد نقاط المسؤولية، وليس إرشادًا علاجيًا أو وصفًا إحصائيًا لحالات المرضى في العراق.

في المقابل، لا تعني أهمية الصحة أن كل قرار صحي يتقدم دائمًا على كل إنفاق دفاعي. المطلوب مقارنة ما يحميه الإنفاق عند الهامش: أي خسارة مرجحة يمنعها مبلغ إضافي في هذا الاستخدام؟ وما الاعتماد الذي سيبقى بلا حماية إذا اختير الاستخدام الآخر؟ قد تكون حماية مرفق حيوي واستمرارية تشغيله متكاملتين، بينما تكون بعض المشتريات الأقل أولوية منافسة لصيانته. تحسم التفاصيل المفاضلة، لا تقسيم الموازنة إلى قطاع «إنساني» وآخر «غير إنساني».

التنسيق لا يتطلب عسكرة الخدمات

في كانون الثاني 2025، اعتمدت فنلندا استراتيجية أمن المجتمع التي ترتب التعاون بين السلطات والشركات والمنظمات والمواطنين لحماية الوظائف الحيوية، عبر مهام تستند إلى القانون والاتفاقات وتكملها أنشطة تطوعية. اعتماد الوثيقة حقيقة موثقة؛ أما نجاح كل ترتيب فيها في أزمة محددة فيحتاج تقييمًا منفصلًا. استراتيجية أمن المجتمع

تفيد المقارنة العراق في تحديد موضوع التنسيق: وظيفة يجب أن تستمر وجهات تعرف أدوارها قبل الأزمة. لكنها لا تبرر نسخ توزيع المسؤوليات الفنلندي كما هو. تختلف الموارد والبنية الإدارية وعلاقات القطاعين العام والخاص، ويحتاج أي ترتيب محلي إلى اختبار صلاحياته وتمويله وإمكان تنفيذه في المحافظات. استعارة اسم «الأمن الشامل» أقل أهمية من تحديد من يتصرف عندما تتوقف الخدمة ومن يملك المورد البديل.

وأرى أن أفضل موضع للبداية هو مسار خدمة محدود يمكن اختباره مؤسسيًا، كاستمرار الإحالة الصحية أثناء اضطراب النقل. تحدد الجهة الصحية الحاجة، وتنسق السلطات المختصة الوصول، وتتولى المالية تمويل البدائل وفق قواعد معلنة. لا ينتج عن التعاون نقل القرار الطبي إلى جهاز أمني، ولا إعفاء الإنفاق الطارئ من التوثيق. الفصل الوظيفي مع تنسيق الاستجابة يساعد على تجنب تضخم الاستثناءات.

وتحتاج البيانات المشتركة إلى تناسب كذلك. معرفة عدد المستفيدين أو احتياجات المرافق قد تكون كافية لبعض قرارات الإمداد؛ فلا ينبغي تداول ملفات شخصية كاملة لمجرد أن الأزمة تحمل وصفًا أمنيًا. يفتح مقترح النظام الصحي الوطني ومقترح حماية البيانات الشخصية مجالًا لمناقشة هذه الحدود. كلاهما نص مقترح للنقاش، لا بيان بالقواعد النافذة أو دليل على تطبيقها.

الأمن الذي لا يخفي تكلفة الحماية

قد ينتج إجراء يحمي مصلحة عامة أعباءً غير متساوية. تقييد حركة طريق مثلًا قد يخفض خطرًا محددًا، لكنه يؤخر عملًا أو علاجًا أو وصول خدمة. لا يكفي وصف القيد بأنه أمني لإغلاق النقاش؛ ينبغي بيان ضرورته ونطاقه وبدائله وموعد مراجعته. وفي الوقت نفسه، لا يكفي وجود كلفة مدنية لإثبات أن الإجراء غير مبرر. التقييم يحتاج مقارنة واضحة بين الضرر المتوقع والضرر الذي يسببه الرد.

وهذا يجعل المساءلة جزءًا من القدرة، لا خصمًا لها. قناة شكوى يمكنها تصحيح حرمان غير مقصود تساعد المؤسسة على اكتشاف ما لا تكشفه التقارير الإجمالية. ونشر معلومات دقيقة عن استمرار الخدمة وحدودها قد يتيح للأسر اتخاذ قرارات أفضل. أما تقديم صورة مطمئنة لا تطابق الواقع فيمكن أن يؤخر طلب المساعدة ويضعف قيمة التحذيرات التالية.

يمكن قياس التكامل بمدة انقطاع الوظيفة، وزمن استعادتها، وإمكان الوصول إليها بين المناطق، وقدرة الفئات الأكثر تعرضًا على الاستفادة من البديل. هذه مؤشرات أقترحها للتقييم، وليست نتائج رقمية متاحة في هذا المقال. وهي أقرب إلى السؤال عن أثر السياسة من الاكتفاء بحجم المشتريات أو عدد اجتماعات الطوارئ.

لا يحتاج العراق إلى اختيار الإنسان أو الدولة موضوعًا وحيدًا للأمن. يحتاج إلى مؤسسات تستطيع حماية السيادة، وإلى اختبار أثر هذه الحماية في استمرار الحياة والحقوق. تبقى المعضلة في توزيع الموارد والسلطات عند الضغط؛ وحلها الأقرب إلى الاستدامة هو مسؤولية واضحة وتنسيق مجرب وقيود قابلة للمراجعة، بحيث لا يصبح إنقاذ الوظيفة العامة سببًا لإضعاف الإنسان الذي أُنشئت من أجله.

علي زويد - باحث في الشؤون الاستراتيجية والأمن القومي

المصادر

  1. منظمة الصحة العالمية — تقرير الوضع الإقليمي رقم 11، 15 أيلول 2026 —
  2. الجمعية العامة للأمم المتحدة — القرار 66/290 بشأن الأمن الإنساني —
  3. اللجنة الأمنية الفنلندية — استراتيجية أمن المجتمع —

عم تبحث؟

ابحث في المحتوى المنشور على الموقع.